العرائش نيوز:
بقلم: د. لحسن أمعمر
يعتبر السرد الروائي وسيلة جبارة لنسج وإعادة تكييف الأحداث الواقعية والمتخيلة، وتمثيل المرجعيات الثقافية، والتعبير عن الرؤى والمواقف الرمزية. لقد أصبحت الرواية إلى جانب وظائفها التخييلية والتمثيلية والإيحائية أداةَ بحث لاستكشاف العالم والتاريخ والإنسان. ويبقى الأهم عند دراسة وتحليل رواية ما التركيز على الخطاب الروائي: الكيفية التي تتشكل بها المادة السردية، وطرائق تركيبها، وأساليب السرد، وكيفية الاشتغال على التقنيات والمكونات التي التجأ إليها الروائي وهو يصوغ عالمه الروائي، ثم الرؤى والمنظورات التي تنبثق عن البناء الفني.
في هذه الورقة نرغب أن نقف على جانب من ذلك، خاصة كل ما له صلة بالممارسة التي لجأ إليها الروائي وهو يصوغ رؤيته للعالم وتطلعاته ورغباته صوغا رمزيا بواسطة السرد، لنبين كيف أن للسرد تلك القدرة على التورط الجريء في أشد القضايا إثارة وحساسية، وكل ذلك يتم على خلفية من البراءة الخادعة التي توهمنا أن الموضوع هو مجرد (رواية). هذه الرواية التي لا تتسم بقوانين قارة ومحددة، لكونها حسب باختين غير قابلة بطبيعتها للتقنين، مادامت تشكلا يبحث باستمرار عن شكله، ويعيد النظر في الأشكال التي استقر عليها.

سنتوقف بداية عند عتبات الرواية: أولا العنوان بما هو لحظة مهمة وأساسية يتعيّن الوقوف عندها وتفكيك الرموز والدلالات التي يتضمنها، فالعنوان يلخّص النص ويكثّفه بقدر ما يلخّص النص العنوان ويشير إليه، لا يتعلق الأمر هنا بعنوان استعاري يتعين على القارئ ملء الفراغات والبياضات التي تسكنه، بل هو عنوان صريح ومباشر، لكنه يكتنز في المقابل بدلالات وأبعاد مفتوحة على التأويل والقراءات المتعددة.
والفندق كما هو معلوم مكان إقامة مؤقت يقصده الناس للإقامة لفترة محددة، مما يجعله رمزًا للحياة العابرة، أو حالة انتقالية تعيشها الشخصيات، الفندق كفضاء اجتماعي يجمع بين أشخاص من مشارب متعددة، مما قد يعكس التنوع الثقافي أو الطبقي. كونه مكانًا بديلا عن “المنزل”، قد يشير إلى البحث عن الذات أو مواجهة العالم الخارجي، الفندق قد يمثل الغربة أو الوحدة، إذ يجمع غرباء معزولين في مكان واحد.
وتحمل عدة روايات عربية في عناوينها كلمة “فندق”، ومن أبرزها:
- رواية فندق للكاتب اليمني سمير عبد الفتاح.
- رواية فندق باب السماء للكاتب العراقي برهان شاوي.
- رواية جريمة في الفندق للكاتبة المصرية نهى داود.
- رواية فندق المقبرة للكاتب مبارك العريفان.
لكن يبقى السؤال مطروحا لماذا اختيار الفندق كعنوان للرواية ما الذي يجعل الفندق مهمًا لدرجة أن تحمل الرواية اسمه؟ هل يرمز الفندق إلى فكرة أعمق كالانتقال بين العوالم، أو التقاء المصائر؟ هل يوحي ربما بواقعية الرواية واهتمامها بالتفاصيل اليومية. أم أنه غير ذلك كله بل هو عنوان مضلل، يكتشف القارئ أن الفندق ليس مكانا، بل هو استعارة لحالة أو مرحلة معينة.
إن رهان الرواية يرتكز على الفندق باعتباره يشكل فضاءً لتعايش مجموعة من الحيوات والأصوات التي تشترك جميعها في المعاناة والفقر، إنه صراع طبقة معينة (طبقة المقهورين) من أجل البقاء وتحقيق الأحلام، لقد شكل الفندق الفضاء الذي تتحدد داخله مختلف المشاهد والصور والدلالات والرموز، إذ مثل الخلفية المشهدية، ومسرحاً للأحداث والهواجس التي صنعها الروائي، ووسيلة من وسائل رصد الواقع على مستوى السرد.
“قصد فندق لوقاش الموجود بالمدينة العتيقة بتطوان بناء على نصائح من أصدقائه. هذا الفندق يسكنه البسطاء من الناس. طلبة، حرفيون، مستخدمون في المطاعم والمقاهي، حراس ليليون رجالا ونساء”.
إذ يحتل الفندق مكانة أساسية في بناء الرواية لأنه الفضاء الذي يؤطر معظم حركة الرواية، فهو بمثابة كون نطل عبره على الشخصيات وحواراتها والعلائق القائمة بينها، ثم بينها وبين العالم الخارجي. وقد جسد الفندق بفعل المعطيات التصويرية أبعادا دلالية مرتبطة بعلامات تحيل عليها كما يقول جيرار جينيت “إنه الفضاء المتخيل الذي يكون بوسع القارئ أن يوهم نفسه أنه قادر على أن يتجول فيه وأن يسكنه إذا أراد”.
- السرد والرؤية السردية:
لابد من التمييز بداية في رواية “فندق لوقاش” بين من كتب القصة ومن يسردها. حيث يفتتح الكاتب روايته بمشهد:
“وقوف عمر ذات مساء في نهاية فصل الصيف في ساحة باب البحر بالقرب من مصب واد اللوكوس، تطلع إلى جهة الفنار، ثم أدار رأسه صوب منطقة رقادة التي تطل على مصب واد اللوكوس، والميناء كحارس لا ينام. فقد تذكر موعد افتتاح المعرض الذي أقيم لتكريم فنان تشكيلي، توفي منذ مدة. تذكر لوحات الفنان المكرم الذي كان يوثق أهم معالم المدينة بريشته. ولأن الوحدة تلازم عمر، ولأنه كان يخاف أن يلقى نفس مصير الفنان المكرم، فكان يبحث في داخله عن نصه المستعصي عليه. بعد أن أجرى هذا الحوار الداخلي مع نفسه، ارتاح قليلا قصد المنزل، وفرح صغير يرفرف داخله. وهو عثوره على نصه. مشى مسرعا اتجاه المنزل، ليبدأ الكتابة الخلاص. وانطلق في الكتابة”.
من هنا تنطلق قصة الرواية التي تدور فصولها حياة طالبين بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، البطل رضوان من مدينة العرائش يدرس الرسم والآخر جواد من مدينة شفشاون يدرس النحت، ويقتسمان غرفة بفندق لوقاش بمدينة تطوان. لتنطلق يوميات الشابين بين الفندق والمعهد حيث سيتقاسمان ظروف الحياة وأجواء الدراسة والإبداع الذي يسخرانه للتعبير عن واقعهما، لتكون فكرة لوحة رضوان التي سيشارك بها في حفل التخرج دافعا بل وحافزا لانتحار جواد لإثباتها.
على مستوى السرد والرؤية السردية، تقوم رواية “فندق لوقاش” على أحادية السرد، فالأحداث والأقوال تُقدّم دائما من خلال السرد، بحيث تبدو وجهة النظر ثابتة لا تتغير من بداية الرواية إلى نهايتها، وهي تكشف في الرواية عما يصفها فريدمان “بالمعرفة المحايدة”[1]، ويتعلق الأمر بوجهة نظر يتكلم فيها السارد بضمير الغائب ولا يتدخل ضمنيا، لكن الأحداث لا تُقدّم إلا كما يراها هو لا كما تراها الشخصيات[2]. جون بيون يرى أن الرؤية “من الخلف” ينفصل فيها الكاتب عن شخصياته، ليس من أجل رؤيتها “من الخارج”، رؤية حركاتها والاستماع إلى أقوالها فقط، ولكن من أجل أن نعتبر رؤيته موضوعية ومباشرة للحياة النفسية للشخصيات؛ فالسارد في هذه الرؤية ليس خلف شخصياته، ولكنه فوقهم كإلاه دائم الحضور، يسيّر بمشيئته قصص حياتهم[3]؛ إنه “الكاتب الضمني” وفق وين بوث، المختفي خلف الكواليس، وهو ليس الكاتب الانسان، إنه من ورق وليس من لحم ودم كما يقول رولان بارث [4].
ورغم أن بنية الرواية تعتمد مبدأ الواحدية في المنظور والصوت التي تُروى من خلالها الأحداث، فإن هذا المبدأ زاد من تماسك النص، وخلق الحبكة الروائية القائمة على الترابط السببي والتوقعات التي لا تخّيب ظن المتلقي، بينما الشخصيات في الرواية تتّسم بالاتساق رغم أن حريتها في التعبير محدودة لاعتمادها على صوت السارد العالم بكل شيء والمسيطر عليها بشكل مطلق، لتبقى جزء من البنية المركزية للحبكة.
وتمثل صيغة الضمير الغائب، الحامل السردي الوحيد في الرواية، حيث يبسط السارد العالِم بكل شيء نفوذه الواضح على مجمل حركة السرد، ويستبد بها ويحدد مآل الشخصيات والأحداث، فهناك سارد واحد ينتج السرد، رغم أنه ليس مساهما في الأحداث بل شاهدا عليها.
- الشخصيات:
الشخصيات في الرواية لا تتكلم، لا نسمع صوتها، وحقّها في الكلام غير مكفول، لا نسمع خطابها إلا بوساطة السارد، لذلك تغيب عن الرواية لغة الحوار، فأفعال وأقوال الشخصيات مسرودة، ميخائيل باختين يقول: عندما يتكلم الفعل تتبلور الصورة، وعندما يُتكلَّم عن الفعل تتراجع الصورة الروائية ليحل محلها الإخبار والتاريخ.[5] فأحداث الرواية مسرودة وليست معروضة بواسطة الشخصيات. هذا الاختيار الفني لم يتح للشخصيات إمكانية أن تتكلم بلغتها الخاصة وتبرز إيديولوجيتها الفريدة، وتمرير كل ما له علاقة بشاعرية البوح والإيديولوجيا، يضيف باختين “الإنسان هو أساسا إنسان يتكلم والرواية بحاجة إلى متكلمين يحملون إليها خطابها الإيديولوجي ولغتها الخاصة”[6].
من جهة أخرى الشخصيات في الرواية مأزومة يصورهم السارد مصابين بالإحباط وقريبين من اليأس، يطغى على لغتهم التذمر والقلق والسوداوية والخيبة، يتبنون أفكار اجتماعية وسياسية، تراهم غير متوافقين مع بيئاتهم الاجتماعية، وخلافاتهم معها حادة. فيغدو الواقع أقوى من إرادة الشخصية الساعية للتغيير. وبالتالي ينتصر الواقع على هذا المسعى، ويكون الثمن رضوضاً نفسية وإحباطاً معنوياً وحيرة عقلية، وانكفاءً على الذات، فتحاول الهرب إلى ملاذات لا تعرف عنها شيئاً، وفي أحايين كثيرة هي لا تعرف على وجه التحديد ماذا تريد. إنه فقدان الاتجاه وفقدان الأمل فتكون النتيجة التيه والتخلص من الحياة. وهو ما جعل الرواية تركز على تبئير صور المعاناة والخيبة.
لقد عاشت الشخصيات مغتربة عن ذاتها، لا تجرؤ على الإفصاح عن هويتها الذاتية كما تعيها وتشعر بها. ظلّت توارب وتناور وتتخفى خلف إنشاء فضفاض وخلف رموز مستغلقة أحياناً خوفاً من أن تكشف عن كينونتها الحقيقية. كان السرد هرباً من الإمساك بحقيقة الذات إلى سردية أخرى مموهة ضبابية، ومقنّعة. كما بقيت ثمة منطقة شبه مجهولة، مضببة، هلامية، خشي السارد من انتهاكها وإضاءتها. كانت تلك منطقة الهوية الصريحة. فلجأ السارد إلى التعمية إلى التداعيات التي لا تفضي إلى قرار عبر إشارات عابرة خجولة خائفة قابلة لتأويلات عديدة. لم تكن المخيلة محرَّرة، فغدى مبتغى الرواية وهدفها في النهاية الهرب.
- شخصية رضوان:
تبدو صورة الشخصية الرئيسة “رضوان” في الرواية الأكثر تمثلا وحضورا واكتمالا وصفا ووظيفة وأهمية، هو شاب يجد نفسه إزاء احتدامات واقع اجتماعي وسياسي صاخب، فيتأسس تبعاً لذلك وعيه السياسي والاجتماعي المغذي لموهبته المتفتحة في مجال الفن. وقد ركز عليها السارد عبر مجمل مفاصل السرد من بداية الرواية إلى نهايتها، في حين عملت الشخصيات الأخرى على تعضيد صورة البطل.
لقد قدّم السارد هذا البطل في صور مختلفة من حيث النوع وزاوية النظر، وتنوعت مظاهرها من الداخل إلى الخارج، وعلى حالاته النفسية ومشاعره وعلاقته مع ذاته وطرق تفكيره، وهو ما شكّل أنوارا تضيء عتمات الحكي وتنير مسار السرد، كما عمل ذلك على إخصاب الرؤية الفنية والدلالات التخيليية دون أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بالنظام العام لسير الحكي، أو خلخلة أركان البناء السردي.
لقد أسبغ عليها صفات واضحة، فمنذ البداية، بل منذ الأسطر الأولى، أعلن السارد عن دخول شخصيته معترك الرواية، ومنذ البداية أيضا، تحددت وظيفته كبطل وأدواره التي تنتظره مع المقبل من الأحداث، كما أسبغ عليها من العلامات ما لا تخطئها العين، وبهذا أصبحت أفعال رضوان متطابقة تماما مع “طبيعة شخصيته” كما لو أنها صادرة عن تلك “الطبيعة” بالذات.
التحق رضوان بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان في سن الثامنة عشرة، شاب نحيل ذو شعر طويل وقامة طويلة. يسكن بحي 2 مارس أو الحي الملكي بالمدينة القديمة المجاورة للميناء. أبوه بحار. والأخ الأكبر انقطع عن الدراسة والتحق بورشة مكانيك محركات المراكب داخل الميناء.
أبوه كان معترضا على اختياره لدراسة فن الرسم. ففن الرسم بالنسبة له هو فن النصارى. ولا يمكن أن يوفر العيش الكريم لواحد مثله من أسرة فقيرة تعيش مما يجود به البحر. حمّله أبوه مسؤولية اختياره.
فوق هذا كله رضوان يدخن بشراهة السجائر وأحيانا الحشيش كلما توفرت بشرط أن تكون هي …بنت البلاد كما جاء على لسانه، يشارك جواد غرفة في فندق، يختار الجهة اليسرى في الغرفة. وهو اختيار غير برئ يتعين علينا قراءة الرواية على أساس أنه جرى إخبارنا بكل ما نريد أن نعرفه، وأن المستويات التي يركز عليها الروائي هي ذات الأهمية الكبرى والضرورية”[7]، رغم ما يمكن أن يساورنا من حين لآخر من غياب تفاصيل أخرى نشعر أن تقديمها كان قد يبدو مفيدا للشخصية وللرواية.
هكذا تبدأ يومياتهما في المعهد والمدينة، فطورهما: بيصارة (حساء فول) بزيت الزيتون وكأس شاي منعنع، غذاؤهما: عدس أو فاصوليا مع السمك المقلي، عشاؤهما: قطعة خبز بالجبن البلدي؛وكعادة كل الأمهات لا تبخل الأم بإرسال الحلويات والرغيف المغربي والسمك المقلي مع كل زائر يزور المدينة أو يزورهما.
لقد بدت مهمة السارد أساساً هي مرافقة البطل في رحلته، ونقل حركاته وسكناته، همومه ومشاكله التي تقض مضجعه، وصراعاته الداخلية؛ حيث تمت عملية مَشهدَة الأحداث وإبطاء الزمن، وعرض الأمكنة والمظاهر الداخلية والخارجية من خلال الاستعانة بتقنية الوصف، فهي إحدى الطرائق التي تجسد الحياة وتمظهرها. كما أحيطت شخصية البطل بإشارات عكست براعة رسمها، وبراعة اختيارها كبؤرة للرواية، وأشاعت في الرواية عددا من المناخات والتساؤلات والإحالات إلى الواقع والتاريخ؛ فالكاتب ابتعد عن إخضاع شخصيته لمقادير الكبيرة من الترميز، وقد أسهم ذلك في رسم شخصية بشرية تنبض بالحياة.
- شخصية جواد:
يعاني من اضطراب نفسي، بسبب هجران الأب والذهاب إلى العيش في ألمانيا بعد أن تزوج من سائحة، الأم امتهنت الغناء بالأعراس لتعيل العائلة وهو أمر رفضه جواد وأزممن حالته، داوم على العزلة والانعزال في غابات شفشاون وابتعد من التعامل مع الناس. وهو نفس الشيء الذي يقوم به في مدينة تطوان.
لقد سلك السارد نفس المنحى في تقديم شخصية جواد والذي يهدف إلى استثمار عالِمية السارد وحضوره الكلي من جهة، ومن جهة أخرى التأكيد على المصداقية التي أحرز عليها في عين المؤلف والقارئ معا. وقد وظفه الكاتب كعين راصدة لالتقاط الجزئيات والخفايا وإمداد القارئ بها. كما أن الأحداث في الرواية جاءت مبنية أساساً لإمدادنا بمزيد من المعرفة بالشخصية، فمع تنامي السرد وتعاقب الأحداث تتوضح جوانب مختلفة من شخصية البطل التي تتخلص من التبعية للحدث وانفعاله به لتبرز كجزء مكون وضروري لتلاحم السرد.
من خلال كل هذا يضعنا الكاتب في مواجهة حادة مع الحياة السرية لأبطاله، هاتكا حجبها وممزقا ظلاميتها، لنكتشف أن ثمة واقعا خارج قوانين الضبط والاتزان والرضا، وبعيداً عن التزييف والتزوير والمداهنة والتخفي، هو واقع غير مصطنع أو مزور، لأنه بكل بساطة موجود، موجود لكنه قاسٍ محكوم بالتمزق والتداعي بسبب القهر والفقر والاستلاب.
فقد أسبغ الكاتب على الأشياء والأحداث والشخصيات وجودا واقعيا، كما عمل على توظيف سرده في خدمة هدفه الإنساني الذي تصدّى خلاله لعدة قضايا كقضية الفن والمرض النفسي والهوية والبحث عن الذات، مصورا المواقف والعادات والسلوكيات والمشاعر، فنزّل شخصياته بمسمياتهم الطبيعية وضمن إطارهم الاجتماعي، ووفق سياق حمّله غايات فلسفية ومجتمعية هي في بعدها الرهاني مغامرة محتملة الحدوث. لتبدو معه الرواية مجالا سرديا تشخيصيا لقضايا وموضوعات وأحلام وأسئلة بل لإنتاج معرفة ووعي بهذه القضايا من خلال استثمار هذه الرؤية أنثروبولوجيا وثقافيا وتربويا وسياسيا.
- الرواية وشاعرية الفضاء:
رواية “فندق لوقاش” هي أيضا رواية مدينة ورواية مكان، مدينة تطوان حيث يلعب الوجود المادي والروحي وزخم الواقع وذكريات الدراسة في المدينة كل الأدوار في الرواية، فنحن نعيش ونتابع واقع الحياة فيها ومجرياته وزخمها الثقافي والحضاري، وتأثير كل ذلك في شخصيات الرواية، نتشرب جو تطوان وتقلباته، نعايش ناسها وأحياءها ومشاعر أهلها؛ نسافر في دروب وأزقة المدينة العتيقة، حيث النساء بلباسهن التقليدي والرجال بجلاليبهم الصوفية، نلج أسواق “باب النوادر” للسلع المهربة وسوق “الغرسة الكبيرة”، ونجلس بساحة الفدان لشرب كؤوس الشاي؛ بينما نستريح في حديقة رياض العشاق. فدور المدينة في الرواية أساسي يتداخل مع كل أنواع الصراع في الرواية التي تُفتتح وتُختتم بأخبارها، فعلى أرضها تتحرك الشخصيات وتدور الأحداث، وفوقها يجري صراع الوجود والرحيل.
هذه الواقعية التي يتأسس عليها الخطاب السردي تجعل القارئ يمنح مصداقيته وثقته للكاتب، كما تفسح المجال للتعرّف على خلفية ومحيط المبدع، وكذا انشغالاته واهتماماته الاجتماعية والثقافية والحياتية عامة. كما تتشكّل الرواية من نسيج من الصور الروائية، المتجانسة أشد التجانس، رغم ما يمكن أن توحي به التمفصلات الجزئية من انفصام، إنها تتمحور جميعها حول الذاكرة وغياب الحضور المادي، وفقدان القدرة على الاستشراف، إنها تحيل على مناطق الظل في الماضي وإعادة الاعتبار للحضور التاريخي عبر الاستذكار والاستدعاء.
كما تحضر مدينة العرائش بمدينتها العتيقة وعادات وتقاليد سكانها، والكاتب بتقديمه لمشاهد من الحياة العادية يتّفق في كثير من توصيفاته مع الصورة الذهنية المطبوعة في مخيال القارئ:
يقول السارد على لسان رضوان:
“في الصباح عندما كنا ننتظر جرس الدخول إلى المدرسة. كان البحارة يصعدون من الميناء، ويمرون قرب المدرسة وقت رجوعهم من الصيد كانت وجوههم تعكس حالتهم المزاجية. عندما يكونوا صامتين، ووجوههم تغطيها مسحة حزن، أعرف أن الصيد كان شحيحا. وعندما يصعدون وهم يتمازحون ويتحدثون بصوت مرتفع وعيونهم تلمع بالفرح، أعرف أن البحر كان سخيا معهم…أبي كان يشبههم عندما يرجع من البحر بصيد وفير، كان يحدث ضجيجا في البيت يوقظنا من النوم، ويتمازح مع أمي. أما عندما يبخل عليهم البحر، فكان يرجع مكسورا يدخل إلى البيت بدون حس ويقصد غرفته وينام. وتحدرنا أمنا من رفع صوتنا.”
فالصور التي تتنوع في ثنايا هذه الرواية كشفت وأجْلت وأضاءت، بل امتلكت الرواية ما يوقف زحف الغياب والنسيان اللذيْن اكتسحا الأشياء الغريبة التي كانت مألوفة إلى تاريخ قريب. لقد برع الكاتب في بناء فضائه الروائي ورسمه وتحديد معالمه، بحيث جعل منه طرفا في البناء السردي، فقد كان التصوير حاكيا كاشفا لما ورائه، حتى لا يشك الملتقي في أنه حيز وفضاء حقيقي يمثل مكانا جغرافيا واقعيا، ذلك أن الكاتب كان يهدف الى التأثير في القارئ، وإعادة بناء مناطق في ذاكرته عبر الحيز الروائي والشخصيات التي تضطرب فيه بكل ما يتولد عن ذلك من اللغة التي تنسج، والحدث التي ينجز، والزمن الذي تعيش فيه.[8]
إن التأمل في هذا المزيج الروائي الذي يتداخل فيه التاريخ بالتشكيل والتسجيل يجعل القارئ ينحاز لإبداعية الصور الجزئية، صور الأشياء الصغيرة التي لا تلفت الانتباه، للبيوتات التي هجرها أصحابها، للأزقة والدروب المظلمة، للأبواب والنوافذ التي اندثرت، سينحاز لمخزون الذكريات والصور الذهنية التي عجت بها ردهات الماضي والتبست بالخيال وبات التعريف بها من قضايا اللغة والفن[9].
وإذ تعيد الرواية صوغ التجارب الماضية فهي لا تنتصر لذاكرة معينة على حساب ذاكرات أخرى مغايرة ومختلفة. إن ما تتقصد إليه هو اختراق الصمت الذي ظل يلف المرحلة، وإعادة سرد الأحداث المؤلمة والمصائر المفجعة عبر السرد من خلال إعطاء الكلمة لشخصيات مهمشة أو منسية، للتعبير عن يومياتها. إنها تقرّب القارئ من الأبعاد الإنسانية لهذه الشخصيات لتوليد قيم إنسانية ومشاعر مضطربة تلامس معاناة الشخصيات وتعثر مصائرها في عالم يضيق بالتنوع والاختلاف. فالرواية عندما تضفي البعد الإنساني على الحدث، فهي تمنحنا إمكانيات أوفر للتأويل وإعادة بناء الحقيقة التاريخية.
وفي الأخير يمكن القول إن رواية “فندق لوقاش” يسكنها توجه فني وجمالي مختلف، قوامه إنصات مرهف للذات، وسبر لأغوارها، ومساءلة تشظياتها، وآثار ذلك على الهوية في عالم مفتوح، لا يكف عن التغير والتبدل بوتيرة متسارعة.
يمكن قراءة الرواية بوصفها شهادة رجل مثقف عن حقبة مضطربة فوّارة بالأحداث الدراماتيكية، وعن حياة جيل عانى في خضم تلكم الأحداث. ورغم من أن المؤلف استخدم ضمير الغائب وهو يقدِّم وجهة نظر شخصيته الرئيسة، إلا أن نفسه ونفسيته حاضرة لا تكاد تخطئها العين.
رواية فندق لوقاش لا تتّخذ من الواقع موضوعا جاهزا للكتابة عنه، إنما هي كتابة واقع لا وجود له قبل فعل الكتابة، أي أنها تعمل على إنتاج واقع خاص بها بما يفرضه من تعال وأسلبة وشفافية ومباشرة ومنطقية، وهي بذلك تصوغ واقعها المتخيل الذي يبدو أكثر واقعية من الواقع المادي المعيش دون تمثيله أو تكراره.
هذه الرواية بكل ما فيها من أحداث وأشخاص وأماكن وأشياء لم تتخذ شكل الحكاية المنظومة في سلك زمني مسلسل، بل هي تجربة عاناها الراوي واستقرت في عقله وتغلغلت في وجدانه منذ حين، وهو الآن يستعيد أحداثها وأشخاصها بعد انتهائها، وينبش عن جوانبها وجذورها.
[1] – لينفلنت، ص 130.
[2] -سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص286.
[3]– Jean Pouillon, Temps et roman, Ed Gallimard, 1946, p.78
[4] – W. Booth, Distance et point de vue in Poétique du Récit, seuil/points 1977, p 83.
[5]– محمد أنقار، بناء الصورة في الرواية الاستعمارية، منشورات بيت الحكمة، الطبعة الثانية، تطوان 2017، ص44.
[6]-ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والتوزيع والنشر، ط1، القاهرة 1987، ص 101.
[7] – جوناثان كلر، البنيوية وبناء الشخصية في الرواية، ترجمة محمود درويش، مجلة أقلام، عدد 6، يونيو 1986، ص76.
[8] -محمد مشبال، صورة تطوان في الرواية المغربية، تقاطع الواقع والتخييل، ص132.
[9]– شرف الدين مجدولين، الصورة السردية، ص 59.
