بين الاستغلال والاستدامة: توصيات علمية لإعادة بناء مخزون الأربيان بالمغرب

العرائش نيوز:

دراسة للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري توصي بإجراءات جديدة لإنعاش مخزون الأربيان في المغرب

كشفت دراسة علمية حديثة، أجراها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH)، عن مجموعة من التدابير التقنية والتنظيمية الرامية إلى إعادة تأهيل مخزون الأربيان بالمياه المغربية، وتحسين إنتاجية القطاع، استناداً إلى معطيات الرصد الميداني والتحاليل البيولوجية المتعلقة بنمو وتكاثر هذه المادة البحرية.

وأوصت الدراسة باعتماد حد أدنى قانوني لطول الأربيان المسموح بصيده، بعدما أثبتت المؤشرات البيولوجية أن فصيلة “الأربيان الوردي” لا تبلغ مرحلة النضج الجنسي إلا بعد تجاوز حجم محدد. وأشار الباحثون إلى أن صيد العينات الصغيرة قبل تكاثرها يُشكل خطراً على قدرة المخزون على التجدد الذاتي، مما سيؤثر سلباً على استقرار الإنتاج في السنوات المقبلة. وشدّدت الدراسة على ضرورة تحديد طول أدنى يمنح الفرد فرصة تكاثر واحدة على الأقل، لدعم تجديد المخزون والحفاظ على التوازن البيئي في مناطق الصيد.

كما نصّت التوصيات على تحسين انتقائية أدوات الصيد، وخاصة شباك الجرّ المستخدمة في صيد القشريات، حيث بيّنت التجارب أن تكبير فتحات الشباك أو إضافة تجهيزات انتقائية يساهم في تقليل صيد الأحجام الصغيرة والكائنات غير المستهدفة، دون المساس الكبير بمردودية المهنيين. وأكدت النتائج أن شباكاً أكثر انتقائية ستخفف الضغط على المخزون وتحد من الكميات المهملة التي تُلقى بعد الصيد لصغر حجمها أو لمخالفتها المعايير القانونية.

ولم تقتصر الدراسة على الإجراءات التقليدية، بل دعت إلى إدخال أجهزة وتقنيات حديثة ضمن معدات الجر تسمح بفصل الأصناف البحرية وتخفيف الآثار الجانبية على الأنواع الأخرى. واعتبر الباحثون أن هذا التطور التقني بات ضرورياً في ظل الرهانات البيئية الحالية، وتدهور بعض مؤشرات التنوع البيولوجي، وارتفاع تكاليف الصيد.

وفي محور موازٍ، أكدت الدراسة أهمية فترات الراحة البيولوجية كآلية محورية في تدبير المصايد، مشيرة إلى أن تحليلات مراحل النضج الجنسي تُظهر أوجاً تكاثرياً خلال مواسم محددة من السنة، مما يستدعي إيقاف الصيد حينها لحماية الإناث الحاملة للبيض وضمان نجاح الدورة التكاثرية. كما شددت على أن احترام هذه الفترات يُعزز قدرة المخزون على التعافي ويضمن استدامة الإنتاج.

ودعت الدراسة إلى اعتماد مقاربة مرنة في تنظيم الراحة البيولوجية تراعي الخصوصيات الجغرافية والتباينات البيئية بين مناطق الصيد، عوض القرارات الموحدة التي قد لا تعكس الواقع الميداني. ورأت أن التدبير الناجع للمصايد يستوجب موازنة بين المعطيات العلمية واحتياجات المهنيين، عبر مقاربة تشاركية تضمن الاستدامة والعائد الاقتصادي معاً.

أما على الصعيد المؤسساتي، فأوصت الدراسة بتعزيز نظام المراقبة وتتبّع البيانات من خلال إشراك المهنيين في جمع المعطيات الميدانية ونقلها إلى الجهات العلمية. واعتبرت أن جودة البيانات وتحديثها المستمر شرط أساسي لاتخاذ قرارات فعالة وسريعة، خاصة عند ظهور بوادر تراجع المخزون.

وفي السياق نفسه، طالبت الدراسة بتطوير آليات رقمية لتبادل المعلومات بين البحارة والمراكز البحثية، بهدف بناء قاعدة بيانات دقيقة حول وضع المصايد وأنماط الاستغلال وفترات التفريخ وأحجام المصيد. وهذا سيسهم في تعزيز الحكامة البحرية وإتاحة أدوات استباقية للقرار، لا الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الأزمات.

تؤكد هذه التوصيات أن مستقبل مصايد الأربيان بالمغرب لم يعد مرهوناً بكميات الصيد أو أرباح الرحلات فقط، بل بقدرة الفاعلين على الانتقال إلى نموذج استغلال عقلاني ومستدام يحترم الإيقاع الطبيعي للموارد. ويبرز هذا كتحدٍ كبير، نظراً للأهمية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع، باعتباره مصدر رزق لآلاف الأسر وركيزة أساسية للاقتصاد البحري الوطني.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.