بين وفرة الأمطار وندرة الأيادي: القطاع الفلاحي أمام اختبار ندرة العمالة الموسمية

العرائش نيوز:

رغم المؤشرات المشجعة التي يختزنها الموسم الفلاحي الحالي، بفضل التساقطات المطرية الهامة التي رفعت من توقعات الإنتاج، يواجه القطاع أزمة هيكلية متصاعدة تتعلق بنقص حاد في اليد العاملة الموسمية، خصوصًا خلال مرحلة الجني. وفي هذا الإطار، تشير معطيات ميدانية صادرة عن مهنيين إلى أن العديد من أصحاب الضيعات أصبحوا عاجزين عن استقطاب العمال، في وقت سجلت فيه الأجور اليومية قفزات غير مسبوقة بلغت 400 درهم في بعض المناطق، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الطلب على العمل الفلاحي.

ويُعزّز هذه الأزمة، وفق تصريحات لمهنيين في قطاعي الحبوب والخضروات، عاملان رئيسيان: الهجرة القروية المتسارعة، وتراجع الإقبال على المهن الفلاحية الشاقة، لا سيما بين الشباب الذين يفضلون أنشطة أقل إجهادًا بدنيًا كقطف الحوامض. وتُظهر دراسات اجتماعية أن التحولات في أنماط العيش والطموحات المهنية للفئات الشابة قلّصت من جاذبية العمل الموسمي المرتبط بالأرض.

أما خبيران في الاقتصاد الزراعي فقد أوضحا، في تصريحات متفرقة لوسائل إعلام متخصصة، أن جذور الإشكال تعود بالأساس إلى غياب استراتيجية واضحة لتدبير العمالة الموسمية داخل القطاع الفلاحي، رغم اعتماد آلاف الضيعات على هذه الفئة سنويًا لإنجاز مهام جني الطماطم، والفواكه الحمراء، والحوامض، وهو ما تؤكده تقارير دولية صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والمرصد الوطني للفلاحة، التي تحذر من تداعيات استمرار هذا الفراغ في السياسات التشغيلية.

وتذهب بعض المصادر البحثية، كدراسات المعهد الوطني للبحث الزراعي، إلى أن هشاشة عقود الشغل الموسمية وطابعها غير المستقر يحدّان من الاحتفاظ بالكفاءات الشابة. لكن في المقابل، بدأت ضيعات كبرى في تبني مقاربات تجديدية، تشمل تحسين ظروف الاشتغال، وإرساء أنظمة لتتبع الأداء، ومنح تحفيزات مالية إضافية، في محاولة لتحويل العمل الموسمي إلى رافعة تنافسية تدعم الإنتاجية وتعزز ولاء العمال. وتشير تجارب دولية مشابهة، كالنموذج الإسباني في الأندلس أو الإيطالي في إميليا رومانيا، إلى أن استقرار العمالة الموسمية يمر عبر التجميع التعاقدي، والتغطية الصحية، وربط الأجر بالخبرة التراكمية.

بهذا المعنى، يظل تحديث تدبير الموارد البشرية في الفلاحة رهينًا بإرادة جماعية تجمع بين الدولة، والمهنيين، والمجتمع المدني، قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة القطاع.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.