الفيضانات بوادي اللوكوس: الحكومة المغربية تصنف 16 جماعة بإقليم العرائش “مناطق منكوبة” وتعوض المتضررين
العرائش نيوز:
بعد أشهر من المعاناة والخسائر الفادحة التي خلفتها التساقطات المطرية القياسية وارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس، اعترفت الحكومة المغربية رسمياً بحجم الكارثة. فقد أعلنت السلطة التنفيذية، في قرار نشر بالجريدة الرسمية يوم 27 أبريل 2026، اعتبار الفيضانات التي شهدها إقليم العرائش منذ 28 يناير الماضي “واقعة كارثية”، مما يفتح البريق أمام تفعيل آليات التعويض لفائدة آلاف المتضررين.
القرار الحكومي رقم 3.25.26، الصادر عن رئيس الحكومة، لم يكتفِ بالوصف المجرد، بل تجاوز إلى التحديد الدقيق للجماعات المتضررة، حيث شملت القائمة 16 جماعة ترابية موزعة بين الحواضر والقرى. وتضم اللائحة كل من: القصر الكبير، العرائش، زوادة، ريصانة الجنوبية والشمالية، الساحل، بني عروس، تازروت، العوامرة، بني كرفط، عياشة، تطفت، سوق القلة، السواكن، أولاد أوشيح، وأخيراً بوجديان.
هذا التصنيف الرسمي، الذي جاء بموجب مرسوم وقعه رئيس الحكومة، يمثل نقلة نوعية في التعامل مع آثار الفيضانات، حيث يخول للمتضررين حق الاستفادة من التعويضات والإجراءات المرتبطة بـ”صندوق تغطية عواقب الوقائع الكارثية”، وهو الصندوق الذي يُحدث بموجب القانون المغربي لتعويض ضحايا الكوارث الطبيعية.
شهد إقليم العرائش، الذي يعد أحد أكبر أقاليم شمال المغرب من حيث المساحة، تساقطات استثنائية خلال شهري يناير وفبراير 2026، حيث تجاوزت كميات الأمطار في بعض المناطق 200 ملم خلال 48 ساعة فقط، وفق معطيات المديرية العامة للأرصاد الجوية. هذا التساقط الغزير أدى إلى ارتفاع مياه وادي اللوكوس بشكل غير مسبوق، مما تسبب في فيضانات عارمة اجتاحت الأراضي الفلاحية، وأغرقت مئات المنازل، وقطعت العديد من الطرق والمسالك القروية.
وحسب حصيلة غير رسمية صادرة عن جمعيات المجتمع المدني بالمنطقة، فإن الفيضانات تسببت في تضرر أكثر من 12 ألف أسرة، وغمرت ما يقارب 50 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، فيما سجلت انهيارات جزئية في ما لا يقل عن 800 منزل، خاصة في المناطق القروية النائية التي تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة للتصريف.
ويأتي هذا القرار بعد انتقادات متزايدة من نواب برلمانيين وفعاليات مدنية، طالبت بالتعجيل بتصنيف المنطقة كمنكوبة. ففي جلسات عمومية لمجلس النواب، قدم عدد من البرلمانيين عن إقليم العرائش أسئلة شفوية وكتابية، استنكروا فيها بطء الاستجابة الحكومية. وأشار مصدر برلماني لـ”الصحيفة” إلى أن “بعض المتضررين ظلوا لأسابيع تحت الخيام وفي منازل غير صالحة للسكن، وسط غياب أي وعود رسمية بالتعويض”.
ويبدو أن الضغط المتزايد قد أثمر في النهاية، إذ يمثل القرار الحكومي الجديد اعترافاً ضمنياً بحجم الإهمال السابق، وتجاوباً مع مطالب البرلمانيين الذين كانوا “من السباقين إلى الترافع عن هموم المتضررين”، كما جاء في بلاغ صادر عن إحدى الفرق النيابية.
معلوم أن نظام التعويض عن الوقائع الكارثية في المغرب، الذي تشرف عليه هيئة مستقلة، يتطلب إجراءات إدارية وتقنية معقدة، يبدأ بتشخيص الأضرار جيداً، ثم تقديم ملفات التعويض، وصولاً إلى صرف التعويضات التي تشمل إعادة بناء المنازل المدمرة جزئياً أو كلياً، وتعويض الفلاحين عن المحاصيل التالفة، وإصلاح البنية التحتية.
وفي هذا السياق، دعت الجمعية المغربية لحماية المال العام السلطات المحلية والإقليمية إلى البدء فوراً في عملية إحصاء الأضرار بطريقة شفافة ومشاركة، تجنباً لأي تأخير في صرف التعويضات الذي قد يمتد لأشهر أو حتى سنوات، استناداً إلى تجارب سابقة مع كوارث طبيعية أخرى في المملكة، كفيضانات إقليم طاطا أو زلزال الحوز.
لكن الأكيد أن التصنيف الحكومي كواقعة كارثية ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة طويلة ومكلفة من إعادة الإعمار والتأهيل. فإقليم العرائش، الذي يعتمد بشكل أساسي على الفلاحة (الحوامض، الخضر، الحبوب) والصيد البحري والسياحة الداخلية، عانى من هذه الفيضانات خسائر تقدر بمئات الملايين من الدراهم، وفق تقديرات المهنيين.
ومع دخول فصل الربيع، يحذر خبراء المناخ من أن التغيرات المناخية قد تزيد من وتيرة الظواهر القصوى في شمال المغرب، مما يستدعي حلولاً هيكلية، كإعادة النظر في نظام السدود على مستوى حوض اللوكوس، وتنقية مجاري الأودية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر.
وفي الوقت الذي تتنفس فيه أسر العرائش والقصر الكبير ورصانة الصعداء، تأمل هذه الجماعات ألا يتحول ملف التعويضات إلى وعد ورقي، كما حدث في كوارث سابقة. ويطالب المتضررون، الذين رفع العديد منهم لافتات على حطام منازلهم، بتسريع الوتيرة، وإشراكهم في ورش إعادة البناء، وعدم الاقتصار على مجرد “التعويض الرمزي”.
والمؤكد أن ما جرى في العرائش مع مطلع 2026 يمثل اختباراً جديداً لقدرة الدولة المغربية على إدارة الكوارث الطبيعية، التي لم تعد استثناءً بل أصبحت مشهداً متكرراً في زمن الاضطرابات المناخية. ويبقى الأمل معقوداً على أن يكون القرار الأخير بداية لعملية شفافة وسريعة، تعيد الاعتبار لسكان هذه المنطقة الغنية بتاريخها وطبيعتها الخلابة.
