العرائش نيوز:
الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
عيد بأي حال عدت يا عيد؟ سؤال يفرض نفسه بقوة أمام المشاهد المؤلمة التي عاشتها الأسواق المغربية هذه السنة. فبعد إلغاء شعيرة الذبح السنة الماضية بدعوى الحفاظ على القطيع الوطني، وبالرغم من التعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية إلى تنزيل برنامج إعادة تكوين القطيع الوطني، وما أعقبه من صرف لملايير الدراهم في الدعم، وتصريحات رئيس الحكومة حول توفر المغرب على حوالي 40 مليون رأس من الماشية، وبعد التأكيدات المتكررة لوزير الفلاحة بشأن وفرة العرض واستقرار السوق، وجد المواطن المغربي نفسه أمام واقع مختلف تماما.
لقد تحولت أسواق الماشية في عدد من المناطق إلى فضاءات للصدمة والاكتظاظ والتدافع، وارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وسجلت مشاهد مؤلمة لبكاء مواطنين وعائلات عجزت عن اقتناء أضحية العيد، بل وصل الأمر إلى حالات إغماء بسبب الحسرة والألم والندرة والاسعار الملتهبة التي فاجأت الجميع.
عيد بأي حال عدت يا عيد؟ يا من كنت مناسبة للفرح والتضامن والتقرب إلى الله، فأصبحت بسبب حكومات وسياسات فاشلة مناسبة لتجديد معاناة الأسر البسيطة وتكريس الفجوة بين ما يعلن وما يعاين على أرض الواقع.
إذا كانت الحكومة قد قدمت للمواطنين معطيات وتطمينات رسمية بشأن وفرة العرض ونجاعة التدابير المتخذة لحماية القطيع الوطني ودعم القطاع، ثم انتهى الأمر إلى واقع مغاير تماما ومأساة حقيقية،فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض تقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام. كما أن دولة المؤسسات والقانون تقتضي فتح تحقيق شفاف ومستقل للوقوف على حقيقة الأرقام المعلنة، ومآل برامج الدعم، وأسباب الفشل في تحقيق الأهداف المعلن عنها.
إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي جعله الدستور أحد أسس الحكامة الجيدة، لا يمكن أن يبقى مجرد شعار يرفع في الخطب والوثائق الرسمية، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة فعلية كلما تعلق الأمر بقضايا تمس القدرة الشرائية للمواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة. فالمساءلة ليست انتقاما من أحد، وإنما هي ضمانة لحماية المال العام، وتصحيح الاختلالات، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده.
وفي هذا السياق، نتطلع والعديد من المواطنين إلى تدخل ملكي باعتبار جلالة الملك وفق الدستور ضامنا لحسن سير المؤسسات وحماية المصالح العليا للأمة، وذلك من خلال توجيه الجهات المختصة إلى تقييم موضوعي للسياسات المتبعة، والوقوف على أسباب الاختلالات التي أفضت إلى هذا الوضع، وضمان تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بإجراءات عملية تعيد الثقة في المؤسسات وتؤكد أن المسؤولية العمومية ليست امتيازا بل أمانة تقتضي المحاسبة.
