صفية تعانق الثعبان

العرائش نيوز:

بقلم: عبد الصمد الشنتوف
في يوم مشمس دافئ، وقبيل الظهيرة، كنت أتجول وسط المدينة رفقة ابنتي صفية بشارع «باسيو». وعلى حين غرة، وقع بصرها على حمار يجر عربة مركونة على مقربة من مدخل مخزن “وكريم” للمواد الغذائية، يستعملها عجوز في نقل البضائع.
لفت انتباهها منظر حمار حزين، فاقتربت منه. أخذت الطفلة ذات السنوات الثلاث تداعبه وكأنها تعرفه من قبل. تمسكه من أذنيه، وتحضنه، وتضع يديها على فمه الواسع غير عابئة بأسنانه الحادة. ارتبكت قليلًا، وكست ملامحي غشاوة من الدهشة والرهبة. خفت أن يعضها بأسنانه الضخمة. وما إن هممت بإزاحتها عن الحمار حتى صاح عجوز من فوق العربة:
— اهدأ، لا تخف، لن يمسها بسوء!
تجمدت في مكاني، فيما حبات عرق بارد بدأت تنحدر على وجنتي. قلت في نفسي: طفلة بريئة بعينين زرقاوين وشعر أشقر قصير، لا يتملكها خوف ولا توجس من أي حيوان.

قبل سنة مضت، كنا في زيارة لمراكش، نطوي الأزقة والدروب في المدينة العتيقة. قادتنا أقدامنا إلى ساحة جامع الفنا الشهيرة. كان مساءً بهيًا، والساحة تدب بالحركة وتموج بالرواد والسياح. تنقلنا بين العديد من حلقات الفرجة الشعبية، حتى وجدنا أنفسنا نتحلق حول رجل ضئيل الجسم يقول إنه «عيساوي»، ويتباهى بقدراته الخارقة في شرب الماء الحارق وأكل الزجاج، في مشهد جنوني غريب.
ظلت صفية متسمرة، تقلب نظرها في الرجل المجنون بعين الدهشة والارتياب، فيما هو يتابع عرضه المثير، ملتهماً الصبار الشوكي. كانت تلك أول مرة تقع فيها عينا طفلتي على مثل هذه المشاهد المرعبة.
كان العيساوي، صاحب الشعر المشعكك، يدعي أنه يستمد كرامته من ولي صالح يرقد في قرية أمازيغية بالمغرب العميق، يمنحه البركة التي بها يصنع مقامًا مكرمًا بين الناس.
بعد برهة، انتقلنا إلى مشهد آخر من الفرجة، حيث كان كهل نحيف يروض الثعابين. تسللنا وسط الحشد حتى صرنا في المقدمة، ووقفنا مشدوهين نتسلى بعرض مذهل لمروض يدعى رحال. كان يرتدي جلبابًا رثًا، ويضع عمامة صفراء فوق رأسه، ويفترش بساطًا أحمر مطرزًا، يتوسطه صندوق خشبي مليء بالأفاعي.
كان يمسك بعصا طويلة يلكز بها ثعبانًا ضخمًا من إحدى جهاته، محاولًا استفزازه. وما هي إلا لحظات حتى بدأت الأفاعي تنسل من الصندوق، زاحفة فوق السجاد المزركش. وفي غمرة الفرجة، أمسك رحال بالثعبان، فأخذ يلاعبه ويطوق به عنقه. طفق يصرخ مكبرًا، ومرددا أسماء الأنبياء وأولياء الله الصالحين الذين منحوه البركة التي يسيطر بها على الأفاعي القاتلة.

بعد لحظات، وفي غفلة مني، انطلقت صفية كالسهم تركض باتجاه الصندوق. أمسكت بثعبان طويل، وأخذت تمسح على ظهره وتلاعبه، محاكية المروض.
اندفعت وراءها ألاحقها، ونبضات قلبي تدق بسرعة فائقة، وكأني في سباق المئة متر. استبد بي الرعب، غير أن رحال اعترضني بذراعه، محاولًا طمأنتي بأن الطفلة ستكون آمنة سالمة، كما وعدني.
هدأت من روعي وبردت أعصابي قليلًا. طرح الكهل ثعبانه من بين يديه على الأرض، مفسحًا المجال للطفلة الشقراء التي ستأخذ دور المروض لإمتاع المتفرجين. طفقت تداعب الأفعى دون استشعار لأي خطر من الزواحف السامة. بدا الرجل منتشيًا فرحًا، سيما وهو يرى الجموع تتهاطل على حلقته التي بدأت تتسع بشكل ملفت.
استمرت الطفلة في ملاعبة الثعبان، وهي غير مكترثة بما يدور حولها. كنت خائفا غير مصدق ما أرى.
بغتة، استدار رحال ليسألني إن كانت صفية إفرنجية.
قلت له بقلب شبه مرتجف:
— هي مزيج مغربي إيرلندي، مزدادة بلندن.
غمرته فرحة عارمة، فيما أخذت أصيح على الطفلة كي تبرح المكان. رفضت الإذعان لي، وانهمكت في البكاء متمسكة بالثعبان، تضغط عليه وكأنها تتمسح بضريح. تخيلتها، لوهلة، تمسك بلعبة أطفال، مما زاد الأمر إثارة وتشويقًا. كانت تعانق الثعبان غير مبالية بصياحي. كاد حلقي أن ينشف من شدة الخوف والتوتر. استجديت رحال أن يبعد عنها الأفعى السامة، لأنني كنت خائفًا من الاقتراب منها، فضلًا عن لمسها بيدي.
وفي خطوة مستفزة منه، أصر المروض الماكر على أن أدفع له خمسين درهمًا، غير آبه بدور طفلتي في جلب ذلك الحشد الغفير من المتفرجين. بعد أخذ ورد في الكلام، رضخت لمطلبه، ومنحته عشرين درهمًا كي أسحب ابنتي وأتخلص من ابتزازه المبتذل. حملقت فيه بوجه متجهم، وانصرفت إلى حالي أجر طفلتي عنوة، بعدما استطابت معانقة الثعبان الأملس.

كان العجوز مستلقيًا فوق عربته، ينعم بقسط من الراحة. ظل ممسكًا بسبحته، يرقب المشهد ويهمهم بشفتيه، مرددًا في نفسه ورده اليومي. كان يعتمر عمامة بيضاء لا تفارق رأسه صيفًا وشتاءً، وينتعل بلغة صفراء، ويرتدي بلوزة زرقاء مع سروال قندريسي فضفاض. كان مظهره يوحي وكأنه المهاتما غاندي في بساطة عيشه وهندامه. كان ذلك على ما يبدو، زيه الرسمي طوال ساعات العمل.
راقه ما يرى، ولبث يغمر الطفلة بنظراته دون أن يتململ في مكانه. لم ينبس ببنت شفة، اكتفى برسم ابتسامة وديعة على محياه المتهلل، وقد اكتسحته لحية خفيفة مشيبة.
طلبت من العجوز أن يحملني أنا وابنتي صفية على عربته إلى بيتنا القريب. لم يملك وهو يتلقف كلماتي، إلا أن حرك رأسه موافقا. خمنت أنه استجاب لطلبي إرضاءً لطفلتي الشقراء.
شملتنا الغبطة، وامتطينا العربة على الفور. أخذت صفية مكانها بيننا، وازدادت غبطتها بعدما مكنها العجوز من حبل الشكيمة لتقود العربة.

فجأة، عادت بي ذاكرتي إلى زمن الطفولة البعيد، حينما كنت تلميذًا أتردد على مدرسة ابن حزم جنب الميناء. بينما كنت أسير في طريقي، حاملاً محفظتي الملونة، عائدًا من المدرسة قرب سقاية «العوينة»، تناهى إلى سمعي صوت رجل ينادي علي:
— تعال يا ولد الفقيه، واصعد معي كي أحملك إلى بيتك.
لم يكن الرجل سوى “باعربية”، يقود عربته. صعدت العربة التي كان يجرها حمار متعب، واستويت فوقها محتضنًا محفظتي.
.كان باعربية صديقًا لأبي ويحترمه كثيرًا، سيما أنه كان يستفتيه في أمور الدين كلما صادفه.
مرت سنين طويلة على هذه الحادثة، وقد برزت تجاعيد قسوة الزمن على وجه العجوز، وتقوس ظهره، واشتعل رأسه شيبًا، فيما أنا اشتد عودي وخضت حياة متلاطمة الأمواج في المهجر، بعيدًا عن وطني.
قطعًا، لم يكن باعربية يذكر شيئًا من كل هذا.
جلست صفية وعيناها مصوبتان نحو الحمار، فيما العجوز يصرخ بين الفينة والأخرى، يحث حماره على المشي سريعًا.
كانت علامات الرضا والانتشاء بادية على وجه الطفلة الملائكي.
وبمجرد أن وصلنا إلى وجهتنا بحي جنان قريوار، أشرت إلى العجوز بالتوقف.
بادرني بسؤاله:
— أين بيتك؟
فأشرت إليه بسبابتي. فما كان منه إلا أن انتفض، وكاد ينتصب واقفًا فوق عربته، قائلًا:
— هذا بيت الفقيه سي محمد؟ أعرفه جيدًا!
فأجبته بهدوء:
— نعم، إنه أبي.
أطلق العجوز ابتسامة عريضة، وطبع قبلة على خد صفية. منحته ورقة نقدية من فئة «مائة درهم» مكافأة له، لكنه امتنع وتعفف عن أخذها مني.
بعدئذ، دس يده في جيبه وأخرج منه منديلًا أحمر يضم قطعًا من الحلوى. سحب منه قطعة وردية وناولها لصفية.
تناولتها من يده، وقد توهج محياها بهجة، ثم قضمتها قائلة:
— نايس، لذيذة!
ضحكت وأنا أتذكر المشهد نفسه خلال طفولتي. تبسمت في وجه العجوز المضيء، وقلت في سريرتي:
هي نفس الحلوى التي منحني إياها في الماضي البعيد، وكأن الزمن تجمد وظل مراوحًا مكانه: نفس الرجل… نفس الكرم… ونفس العربة!
لم يساورني أدنى شك في أنه ليس الحمار نفسه الذي حملني قرب السقاية حين كنت طفلًا صغيرًا.
لندن/ 1 شتنبر 2026


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.