العرائش نيوز:
الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
تطرح المادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد إشكالا يتجاوز في ظاهره مجرد إدراج عنوان بريد إلكتروني ضمن البيانات الواجب تضمينها في المقال الافتتاحي للدعوى، ليكشف عن سؤال أعمق يتعلق بمدى الانسجام بين المقتضيات الإجرائية ومصادر المعلومات التي يتيحها القانون للمتقاضي، وبحدود ما يجوز أن يرتب عليه جزاء إجرائيا يمس الحق في الولوج إلى القضاء.
فالمشرع، في إطار توجهه نحو تحديث المسطرة القضائية ورقمنتها، ألزم في المقال الافتتاحي للدعوى، عندما يتعلق الأمر بشخص اعتباري، ببيان عنوان بريده الإلكتروني، ورتب على عدم الادلاء به عدم قبول الدعوى.
ولا خلاف في أن التواصل الإلكتروني أصبح جزءا أساسيا من الحياة الاقتصادية والقضائية الحديثة، وأن رقمنة العدالة تقتضي تطوير وسائل التبليغ والتواصل مع المتقاضين والأشخاص الاعتباريين. غير أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ الرقمنة، وإنما بالسؤال البسيط والمشروع: من أين يحصل المدعي على البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري الذي يريد مقاضاته؟
ولنأخذ الشركة باعتبارها المثال الأكثر وضوحا.
عندما يريد شخص رفع دعوى ضد شركة، فإن المصدر القانوني والرسمي المرجعي لمعرفة هويتها وبياناتها القانونية هو السجل التجاري، فمن خلاله يستطيع المدعي، معرفة اسم الشركة، وشكلها القانوني، ومقرها، ورقم تسجيلها، ونشاطها، وهوية الأشخاص المخولين بتمثيلها وغير ذلك من البيانات التي تمكنه من تحديد خصمه تحديدا قانونيا دقيقا.
لكن أين يجد البريد الإلكتروني للشركة؟
فالبريد الإلكتروني ليس من البيانات التي يشكل تسجيلها في السجل التجاري، شرطا لازما لتعريف الشركة في هذا السجل. وبالتالي، فإن المدعي قد يكون قادرا على تحديد خصمه تحديدا لا لبس فيه، وأن يقدم للمحكمة جميع البيانات الرسمية التي تمكن من معرفة الشركة وتمييزها عن غيرها، ومع ذلك يجد نفسه أمام مطلب إضافي يتمثل في تقديم بريد إلكتروني لا يوفر له السجل التجاري، باعتباره المصدر الرسمي للبيانات القانونية للشركة، وسيلة الحصول عليه.
إن مثل هذا الوضع يستدعي إعادة النظر في العلاقة بين البيان المطلوب والوسيلة القانونية للحصول عليه.
فالقاعدة الإجرائية لا ينبغي أن تنفصل عن الواقع الذي يفترض تطبيقها عليه. ولا يمكن للمشرع أن يضع على عاتق المتقاضي التزاما إجرائيا صارما ثم يتركه يبحث، بوسائل غير رسمية، عن معلومة لا توجد ضمن البيانات الرسمية التي يفترض أن تمكنه من تحديد خصمه.
وهنا تستحضر قاعدة قانونية راسخة في مضمونها: “لا تكليف بمستحيل”.
فلا يجوز أن تتحول المسطرة من وسيلة لتنظيم ممارسة الحق في التقاضي إلى امتحان للمتقاضي في قدرته على الوصول إلى معلومات لا يضمن له القانون وسيلة الحصول عليها.
والأخطر من ذلك أن الجزاء الإجرائي يجب أن يكون متناسبا مع الغاية التي يراد تحقيقها.
فالشكليات في العمل القضائي ليست غاية في ذاتها، وإنما وضعت لخدمة حسن سير العدالة وضمان حقوق الدفاع وتنظيم الخصومة. ولذلك فإن التشدد في الشكل لا يكون مشروعا عندما يؤدي إلى إهدار الحق الذي يفترض أن تخدمه المسطرة.
وإذا كان الغرض من البريد الإلكتروني هو تسهيل التبليغ والتواصل الرقمي مع الشخص الاعتباري، فإن الحل التشريعي المنطقي واضح: إما أن يصبح البريد الإلكتروني بيانا قانونيا إلزاميا يتعين على الاشخاص الاعتباريين التصريح به وتحيينه، مع إتاحة إمكانية الاطلاع عليه من خلال قاعدة رسمية موثوقة، وإما ألا يتحمل المدعي تبعة عدم معرفته به عندما يكون غير متاح له قانونا.
أما الجمع بين الأمرين، أي إلزام المدعي بالإدلاء بالبريد الإلكتروني تحت طائلة عدم قبول الدعوى، مع عدم إلزام الشخص الاعتباري بتسجيل هذا البريد ضمن بياناته القانونية وعدم توفير سجل رسمي يمكن للمدعي الرجوع إليه، فإنه يخلق تناقضا لا ينسجم مع أبسط قواعد التشريع الإجرائي، ويطرح سؤالا حول الفلسفة التي ينبغي أن تحكم قانون المسطرة المدنية: هل نريد مسطرة تجعل القضاء أكثر قربا من المواطن، أم مسطرة تضيف إلى طريقه نحو العدالة مجموعة جديدة من الشروط والعوائق الشكلية؟
صحيح أن حسن سير العدالة يقتضي احترام الشكليات، وصحيح أن للمشرع صلاحية تنظيم إجراءات التقاضي، لكن هذه الصلاحية ليست منفصلة عن المبادئ الكبرى التي تحكم الحق في التقاضي والولوج إلى العدالة. فالشكليات تكون مشروعة بقدر ما تخدم الخصومة القضائية، لا بقدر ما تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
ومن هنا يمكن فهم جزء من التخوفات التي عبر عنها المحامون خلال احتجاجاتهم على قانون المسطرة المدنية.
فالقانون الجيد ليس هو الذي يكثر من البيانات والشروط والجزاءات، وإنما هو الذي يضع قواعد واضحة قابلة للتطبيق، ويحدد بدقة التزامات كل طرف، ويوفر الوسائل اللازمة لتنفيذها، ويحافظ في الوقت نفسه على جوهر الحق في التقاضي.
ولهذا فإن النقاش حول المادة 77 لا ينبغي أن ينتهي عند حدود البريد الإلكتروني، بل ينبغي أن يمتد الى نوع العدالة التي نريدها: عدالة تجعل المسطرة خادمة للحق، أم مسطرة تجعل الحق رهينا باستكمال شروط قد لا يجد المتقاضي الوسيلة الواقعية والقانونية لتحقيقها؟
فالمحامي حين يعترض على مقتضى إجرائي غير منسجم، لا يدافع بالضرورة عن امتياز مهني، وإنما قد يكون بصدد الدفاع عن المتقاضي الذي سيقف غدا أمام المحكمة مطالبا بحقه، وقد يجد نفسه عاجزا عن استكمال شرط لم يوفر له القانون وسيلة واضحة لتحقيقه.
