العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
معركة العرائش وتوقيع معاهدة “أسترياك”: قراءة في النصوص:
أ- ظروف المعركة:
انتهج المولى عبد الرحمان بن هشام سياسة صارمة اتجاه الدول التي تعبر شواطئ المغرب حيث بات رؤساء البحر المغاربة ” يقتنصون مراكب الدول التي ليس لها عقد مهادنة مع المغرب ” كما قال ابن زيدان، وكذا “الدول التي ليس لها جواز المرور يبيح لها حرية التجول بمياهه وعبور شواطئه ” وفي إحدى تلك الدوريات البحرية أسرت البحرية المغربية مراكب نمساوية، ففي سرده لهذه الحادثة كتب صاحب “الاستقصا” أن البحرية المغربية بقيادة الرئيسان الحاج عبد الرحمان بريطل والحاج بركاش استاقوا المراكب النمساوية “اذ لم يجدوا معها ورقة الباسبورط المعهودة عندهم و عثروا فيها على شيء كثير من الزيت و غيرها و كان بعضها قد جيء به الى مرسى العدوتين وبعضها الى مرسى العرائش” ورغم المجهودات الدبلوماسية التي قام بها سفير النمسا إلى طنجة لطلب عقد معاهدة صلح في هذا الشأن فان طلبه قد تم رفضه بذريعة ” انه أخذ – أي المركب- في وقت الحرب، فرجع ذلك السفير خائبا ” وذلك حسب الرواية التي أوردها ابن زيدان في إتحافه. رد النمسا لم يتأخر فقد كان سريعا و مباغثا حيث أرسلت هذه الأخيرة مراكب قرصانية للاحتيال على قنص مراكب مغربية ”فصار ذلك المركب القرصاني يتطوف بنواحي مياه المراسي المغربية ” إلى أن رأى منها بمرسى العرائش فحدثته أطماعه بالقبض عليها، ولما قابلوا المرسى أنزلوا عددا من الجند بالبر وقصدوا المراكب السلطانية”.

لا تختلف هذه الرواية التي أخذناها عن ابن زيدان عن تلك التي أوردها الناصري بكثير من التفصيل في كتاب الاستقصا حيث أضاف “فهجم النابريال على العرائش بستة قراصين يوم الأربعاء 3 ذي القعدة سنة 1245 ورمى عليها الكور شيئا كثيرا من الضحى إلى الاصفرار وعمد في أثناء ذلك الى سبعة قوارب فشحنها بنحو 500 من العسكر ونزلوا إلى البر من جهة الموضع المعروف بالمقصرة ، وتقدموا صفوفا قد انتشب بعضهم في بعض بمخاطيف من حديد لئلا يفروا و مشوا إلى مراكب السلطان التي كانت مرساة بداخل الوادي وهم يقرعون طنابيرهم و يصفرون ومراكبهم التي بالبحر ترمي بالضوبلي مع امتداد الوادي لتمنع من يريد العبور إليهم، فانتهوا إلى المراكب وأوقدوا فيها النيران وقصدوا بذلك أخد ثأرهم فيما انتزع منهم” وقد استمرت هذه العملية العسكرية طيلة النهار ولم يتم صد النمساويين إلا بعد أن انضم أهل الدواوير المجاورة للمعركة حسبما نفهمه من شهادة صاحب الإتحاف الذي قال ” فحال بينهم وبين ذلك أهل البلد والمجاورين لها وأحاطوا بهم قبل وصولهم للمراكب واستأصلوهم قتلا ، وقطعوا رؤوسهم ووجهوا بها إلى الحضرة السلطانية”. أما الناصري فيدقق كثيرا في تفاصيل هذه المعركة حيث يضيف “فلم يكن إلا كاد و لا حتى انثال عليهم المسلمون من كل جهة من آهل الساحل وغيرهم، وعبر إليهم أهل العرائش و أحوازها سبحا في الوادي وعلى ظهر الفلك إلى أن خالطوهم وفتكوا فيهم فتكة ، وكان هناك جملة من الحصادة يحصدون الزرع في الفدن فشهدوا الوقعة وابلوا بلاء حسنا حتى كانوا يحتزون رؤوسهم بمناجلهم” ولا يكتفي الناصري بالرواية المحلية بل ينقل عن مؤرخ اسباني قائلا : ” وقد ذكر مانويل هذه الوقعة وبسطها وقال : إن النابريال قتل منهم ثلاثة وأربعون سوى الأسرى وتركوا مدفعا واحدا وشيئا كثيرا من العدة وافلت الباقي منهم إلى مراكبهم وذهبوا يلتفتون وراءهم” إن كانت المعركة انتهت بنصر عسكري مغربي فما هي النتائج السياسية التي ترتبت عن هذه المعركة؟
ب- نتائج المعركة :
لم ترد بالأبحاث الأكاديمية أية قراءة متأنية لهذه المعركة ودراسة لتفاصيلها و نتائجها ولا لبنود معاهدة استرياك التي ترتبت عنها بل إن الكثير من الغموض يلف هذه المعركة حتى بالنسبة للذين حكوا عنها، فأمام نصر عسكري غير مسبوق على امبراطورية النمسا نجد أن الصيغ التعبيرية التي رافقت سرد حيثيات هذه المعركة يكاد يكون إحالة إلى هزيمة نكراء بل كأننا أمام هزيمة كارثية، حتى أن المؤرخ الناصري الذي لا يترك شاذة ولا فادة إلا وأطال في ذكرها، لم يتوسع في ذكر نتائج هذه المعركة ولا تكبد عناء نقل تفاصيلها بل أشار إليها إشارة عابرة مقتضبة، مما يثير الكثير من التساؤلات المرتبطة بهذه المعركة. فمن المعلوم إن المنطق الحربي يقتضي أن يعقب النصر العسكري مكاسب دبلوماسية وسياسية، بل وارتباطا بهذه المعركة، كان من اللازم ان يصبح للمغرب اليد الطولى في البحر أو على الأقل فيما يخص شريطه الساحلي بعد أن اثبت جدارة حربية في الدفاع عن مجاله البحري، إلا أن ما كتبه المؤرخون منهم ابن زيدان و الناصري على الخصوص يخالف هذا المنطق.ترد أنباء الانتصار في هذه المعركة مقترنة بتعاليق قوية تشير إلى حجم الكارثة، هل كانت العملية جديدة على مؤرخينا؟، إذ لم يسبق أن صادف اقتران نصر عسكري بهزيمة دبلوماسية وسياسية. يقول الناصري في سياق حديثه عن النتائج الميدانية للمعركة وفي سياق تعداد الغنائم الحربية ووصف هذه الملحمة البطولية ودون سابق إنذار يفاجئنا بالقول : “واعلم أن هذه الوقعة هي التي كانت سببا في إعراض السلطان المولى عبد الرحمان عن الغزو في البحر والاعتناء بشأنه” بل إن صاحب الأتحاف، ابن زيدان علق بكلام قاس على نتائج هذه المعركة إذ قال ”وكانت هذه الواقعة وما نشأ عنها من فتح أبواب المشاكل بين الدولة الشريفة والدول الأجنبية من أعظم ما فت في عضد صاحب الترجمة – ويقصد بذلك السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام – واكبر حائل بينه و بين الوصول لبغيته”.

فإذا كان ابن زيدان استعمل عبارة جد خطيرة تبين مدى خطورة المعركة و تداعياتها لدرجة أنها فتت عضد الدولة فإنه أضاف كذلك في سياق الحديث عن المعاهدة الموقعة بين المغرب و النمسا ” وقد كانت من أعظم الأسباب في إهمال المراكب البحرية المغربية والإعراض عن الاعتناء بها”، أما الناصري فسيزيدنا توضيحا حين يقول انه على اثر هذه المعركة “ظهر له – اي للسلطان – التوقف عن أمر البحر رعيا للمصلحة الوقتية ” ويضيف قائلا في إشارة قوية إلى الضغوط الدبلوماسية التي مورست على السلطة بالمغرب عقب معركة العرائش ” ان لا تكون المراكب إلا لمن يقوم بضبط قوانين البحر التي يستقيم بها أمره وتحمد معها العاقبة و تدوم المودة” مما يعني أن المولى عبد الرحمان بن هشام انصاع في الأخير لبنود معاهدة فيينا فيما يخص الأبواب المتعلقة بضبط حركة الملاحة الدولية وبمباركة من النخبة نفهمها من خلال قول الناصري “و لعمري أن تركه – اي العمل البحري – لمصلحة كبيرة لمن أمعن النظر فيها”. وقد لخص السي محمد المنوني الموقف المترتب عن معركة العرائش في كتابه ” مظاهر يقظة المغرب الحديث” “إن جعلت – معركة العرائش – حدا لنشاط الأسطول المغربي” كل هذه الملاحظات المساقة في هذا الصدد ومن خلال مجمل الملاحظات التي ضمنها المؤرخان القريبان زمنيا من الحدث، ومن خلال التعقيبات المتلاحقة عن المعركة، يتبين بما لا يدع مجالا للشك أن معركة العرائش كانت السبب في خروج المغرب نهائيا من البحر، واضعة بذلك حدا للتوجهات البحرية للسلطة المركزية المغربية، لازالت معالمها قائمة إلى حدود اللحظة الراهنة.
وقد قال محمد المنوني في كتابه “مظاهر يقظة المغرب الحديث” ان السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام امر على وجه السر بتغريق الأسطول المغربي لأمر أوجبه ” وقد قرأت عند ابن زيدان في الأتحاف أن فرنسا بعد انتصارها على المغرب في معركة ايسلي فرضت “على سلطانه ان يلغي من البحر القراصين المغربية”، وتحت هذا الضغط العنيف و الدولي و تحت طائلة الهزيمة لم ير السلطان بدا من أن يبادر فينزل بالأسطول المغربي نهايته الشنيعة.

