الترسيم الجغرافي و التقرير السرديفي رحلة المولى الحسن الأول إلى العرائش وشماله الغربي في رحلة المشرفي (2)
العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
ملحق دراسي:
إذن فالكتاب من حيث المضمون يبقى في اعتبارنا كتابا في المغازي لكنه ينفلت من هذا التصنيف حالما نعرف أن الكتاب هو يوميات سير ذاتية لمشاهدات مباشرة مصاحبة لتنقلات المحلة السلطانية في الفضاء الجغرافي، فيتحول الكتاب إلى صنف أدب الرحلة التي حددها الأستاذ بوهليلة على أنها مجموعة الآثار الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف ووصف لرحلاته ويتعرض لوصف ما يراه من عادات الأقوام الذين صادفهم أو نزل عندهم ووصف سلوكهم و أخلاقهم وكل ما يثير دهشته أو يسرد مراحل رحلته مرحلة مرحلة آو يجمع بين كل هذا في آن واحد.
وفي نظري فالسرد في موضوعة المغازي والسرد الرحلي يلتقيان في كونهما عمليتين متماثلتين في الفعل مفترقتين في الآليات ذالك أن السرد في أدب المغازي هو تقرير وصفي عن السيطرة والتملك للفضاء الجغرافي والسرد في الأدب الرحلي، هو إنشاء سردي عن تملك ثقافي للفضاء الجغرافي الفسيح والسيطرة عليه عبر تشوير هذا الفضاء الفسيح المجهول وترقيمه وإدغامه ضمن بنية فوقية ثقافية معلومة ومستقرة يقوم الوصف بتقريرها وانتاجها من خلال انماط سردية مفتوحة ومختلطة وغير قابلة للتصنيف الأجناسي السهل المؤطر الدقيق، فهي مزيجة على مستوى الواقع والخيال والمعقول والسحري والشعر والنثر والأمكنة والمواقع والمشهديات والأنماط السردية و الدوائرية الحكائية. وهذا المضمون أشار له الأستاذ بوهليلة في كتابه.
هذا الاستقطاب المزدوج لنص المشرفي بين المضمون التقريري الوصفي باعتباره يدخل في باب ادب المغازي وبين كونه إنشاء سرديا يدخل في إطار الأدب الرحلاتي هو الذي أربك عملية تصنيف الكتاب.
وفي نظري المتواضع أن الأستاذ بوهليلة تسرع في إغلاق الموضوع واعتبار الكتاب يدخل ضمن إطار الأدب المكتوب الذي يتناول موضوع الانتقال من مكان إلى مكان آخر أي أدب الرحلة.
حيث أن الكتاب يتموج بين سرديتين تنحو نحو الالتقاء البعيد تماما عن أن يكون عرضيا بين انساق السلطة السردية المشكلة للغزوة /الحركة، حيث تحضر اولا مصطلحات القوة بشكل استعراضي ومهيمن عل السرد فنجد المؤلف يستعمل مصطلحات مثل “الغزوة “غزا ايضا جبال غمارة” كما يقول، او مصطلح “التمهيد” كما رأينا في العنوان أو مططلح “الفتح” أو “النزول” وكلمات مثل “أطاعه” و”أذعنت له” و”جالت خيل جيشه” و”أظهرت على العدو” و”سرى رعبه” بما تحمله هذه الكلمات من معاني القوة والسطوة.
وكذا انساق السلطة السردية المشكلة للرحلة حيث يتم ثانيا اضغام فعل القوة هذا خلال تطور مسار الحركة بالافكار والتصورات والتجارب التي منها تستمد الدعم ، و يستعيد المشرفي المخزون الماثور المعرفي الرسمي، الممأسس، مراقبا الاعراف، ومتتبعا الانساق، مولدا وصفات لغوية جاهزة اشد ادواتية هدفها تعبئة الموافقة والاقرار واجتثات الانشقاق وتشجيع حمية دينية تسرع خضوع الفرد للمعايير المهيمنة في لحظتها فيبدو صاحب الحركة “اماما عالما ناصحا فطنا طاهرا”، وتبدو “الحركة” بالاستتباع “جمع لكلمة المسلمين” و”رفع للخلاف” كما تخرج الجملة الوصفية الى الخبرية المحايدة الى جملة موقفية متحصلة حيث نحس ان السرد في كتاب تمهيد الجبال يستحضر معجما ضاغطا ومضبوطا متفاعلا تفاعلا خلاقا يعيد إنتاج عالم منمط عقائديا و مستعاد سرديا مرسم ثقافيا فتبدو الحركة التي التي يصفها المشرفي ” مهدها وحارت في امره الرهبان ، ورجفت لهيبته اهل الضلال والطغيان ، والله در من انصف وابرز اوصافه للعيان وسطرها بالقلم والبنان ” هكذا تتكاثف الرحلة لتعزز السلطة مانحة اياها المصداقية والسريانية في مجرى تطور السردية، مستندة على شكل سردي يشرعن اكتساح الفضاء الجغرافي والسيطرة عليه من خلال امتصاصه وتضمينه ضمن بنية سردية محولة ومعدلة تمتلك في داخلها سلطة التاريخ والمجتمع و تستند إليها.
