الترسيم الجغرافي و التقرير السرديفي رحلة المولى الحسن الأول إلى العرائش وشماله الغربي في رحلة المشرفي (3- الأخيرة)
العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
ملحق دراسي:
تبدو الجبال وما وراءها خلال السرد الرحلي جد مؤنسنة بل مدجنة عكس ما يقدفه فينا عنوان الكتاب من معاني التوحش والانقطاع بل نجد ان الاقاليم ومساراتها متشابكة والحركة السلطانية تمت ضمن اقاليم معلمة ومعرفة ويحال اليها اسميا وقابلة للسرد. اقاليم ذات تواريخ متواشجة مشخصنة في تطابقات وترافدات بين المجالات المقسمة ضمن نفود روحي لاولياء مشتتين جغرافيا لكنهم ينتظمون ضمن المجال و ينظمون المجال والسفر والثقافة و التاريخ. وفي مسار الحركة يعمل السلطان على تثبيت هذه التشويرات القائمة و يرسًمها ويدعمها من خلال الزيارة والوقوف بالمزارات وهي افعال يقوم بها السلطان كل مرة و يكررها بايهاب و خشوع وقد كانت بالأهمية عند المشرفي أكثر من باقي الاحداث نظرا لفعاليتها العظيمة في إنتاج الإشارات الاحتوائية والتمثلية للهيمنة الجغرافية والمجالية والرمزية في عملية مواكبة داخلية للمشروع الامتلاكي للفضاء الجغرافي في الحضور والسيطرة والتملك والتفرد ويبدو مسار الحركة تركيبة من العناصر الفعلية والرمزية التي تعيد انتاج نظام رؤية مستقر ومتجدد بتكرار
فالمزارات صورة لهوية عبر تاريخية لجغرافية بأكملها، مضغوطة في قالب من الانصياع أمام الرموز والقبور المتناثرة التي تعيد توضيب الأمكنة و المسارات وإن خرجت عن الطريق الرئيسية للرحلة إلا أنها تبقى عناصر فارقة في لمّ المجال و إعطائه بعدا تمثليا في سياق النظام العام الرسمي و المعترف بامتلاكه لذا لا يتوانى المولى الحسن الاول في طلب الزيارة خارج مسار الحركة
و في زيارته لضريح مولاي عبد السلام تتحول الدلالة العميقة للامتلاك المطلق بقوة الحضور الشخصي و شموخه كانه نفسا هادرة تندفع في طريقها لامتلاك الارواح بحيث تتملكها تملكا لا فكاك عنه بعد ان تملكتها جسديا.

ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش
تترابط المعرفة الإنشائية للرحلة بالقوة والاستعراض والمعجبة حين تصور لنا دخول المولى الحسن الأول للمدن- بجلال في اللغة والتركيب و جزالة و شدة اسر ففي الشاون حصل له إقبال عظيم ود الرجال والنساء والأحرار والعبيد أن لا يرجعون عن متابعته…وفي تطوان كان يوم دخوله يوما مشهودا وعيدا عند أهل إسلام معدودا…. وفي طنجة دخلها في عز ونصر تحيرت فيه عقول الناس…. وفي العرائش كان دخوله عند اهله ذلك اليوم مشهدا وموسم جسيم….
إن هيبة الدخول تعيد ترسيم المجال ثقافيا وانتاج الأمة الموحدة سياسيا القوية و المتماسكة دونما الالتفات إلى واقع التشرذم والضعف السياسي الحاصل على أرض الواقع، لا يلتفت الإنشاء الذي يصوغ ترتيق أوشاج الهوية عند المشرفي الى التدقيق والتفصيل والعرضي كما يفعل مراسل جريدة تايم اوف موروكو حول سوء معاملة اليهود او حول وجه السلطان المغبر او التصورات النمطية الاستشراقية لبيير لوتي عن حركات السلطان ان هذه الاستدراكات قائمة على نظرة استشراقية يجب نقدها بإماطة اللثام عن خلفياتها المعرفية المؤسسة لها وليس بالمحاججة التاريخية والحجة الموثقة ان اللغة الفخمة و الاستطرادات المسجعة عند المشرفي تصوغ بإحكام و تصون واقعا ترثه من احالات مرجعية قائمة تمتاح من خليط ثقافي اشتمالي تدميجي لا باعتباره الواقع كما هو ولا باعتباره الواقع كما يجب ان يكون و لكن باعتباره واقعا انشائيا مستبنى قبليا وحاضرا حضورا سوبرا واقعي وهكذا فان الرحلة المشرفية هي سردية تاريخية بصورة محسوسة تصوغها تواريخ حقيقية لإحداث حقيقية غير أنها تتلقى العون من العمل التاريخي تضيف سرديته كثافة لنسيج الهوية التي تمتاح من تاريخ طويل من انتاج ثقافي مفارق للواقع.

بيير لوتي Pierre Loti
خاتمة: تبدو رحلة المشرفي ليست فقط ابعد عن أن تكون مجرد أدب بل هي إلى درجة متعالقة منشبكة في و جزء عضوي من هذا الاسترجاع الثقافي لترسيم واقع مفارق عن واقع أصلي قائم سماته التشتت التنافر و التقوقع والضعف والتكالب الخارجي.
