الكلية المتعددة التخصصات بالعرائش تحتفي علميّاً بالجهود النسائية ضمن عشرية الحراك الاجتماعي والسياسي في المنطقة المغاربية
العرائش نيوز:
صدر مؤخرا عن الكلية المتعددة التخصصات بالعرائش كتاب جماعي موسوم بـ”الحراك النسائي المغاربي : دينامية التنازع والتمكين في سياقات انتقالية”، من تحرير وتنسيق الدكتور الحبييب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والفكر السياسي بجامعة عبد المالك السعدي– المغرب.
يتضمن الكتاب أعمال ندوة دولية محكّمة، وهي أوراق بحثية ورؤى أعدها ستة وعشرين باحثا وباحثة من مختلف الجامعات والمراكز العلمية في الوطن المغاربيّ، باللغة العربيّة والفرنسية والإسبانية والإنجليزية (مع ترجمة جميع العناوين والملخصات إلى الإنجليزية)، ويقع في خمسمئة وستين صفحة موثقة ومفهرسة، مقسمة إلى أربعة أقسام يخضع كلّ منها لمقاربة مختلفة؛ عُني القسم الأوّل الذي يتكون من ستة فصول بالبعد التّاريخيوالاجتماعي والسياسي للحراك النّسائي (ربيعة ناصري ولطيفة البوحسيني والحبيب استاتي زين الدين ونعيمة بنواكريم ومحمد بوعزي وأبو بكر خليفة أبو بكر ومصطفى مجيدي)، واهتمّ القسم الثاني الذي توزع على ستة فصول بالمسألة النسائية من خلال استحضار تجارب ورهانات حقوقية وقانونية (عمار حمداشومحمد الشيخ بانن وأحمد محمد أمين انداري وإبراهيم الهراوة ومحمد العربان وخالد بوقيش)؛ فيما كانت مقاربة القسم الثّالثالمكون من سبعة فصول جندريّة بالأساس، منبثقة من طبيعة موضوعه (مليكة فريميش وأحلام قفص وسعيد شكاك ونور الدين الخديري وجلال الدحماني وسفيان أوشن وسعاد بالحرمة ووفاء الطريبق)، تلتها رؤى قيمية وثقافية حول القضية النسائية، والتّي كانت عنواناً جامعا للفصول الستة الأخيرة من القسم الرابع(الزبير عروس وثورية السعودي ومراد جدي وابتسام الهاشمي وأورنيلا سكر وياسمين جمال هاجر).
وفي تقديمها للكتاب، تؤكد الأستاذة التونسية بجامعة الزيتونة منية العلمي أن المساواة بين الجنسين تعد “مــن العوامــل الهامّــة لتحقيــق النمّــو، والتّنمية المستدامة، وتمكيــن المــرأة اقتصاديــاً في المجتمع؛ هذا إلى جانب زيـادة حجـم الفـرص وتكافئها، وتشير العديد من الدّراسات إلى وجود فجوة في العديد من مناطق العالم بين النسّاء والرّجال؛ ومنها المنطقة المغاربيّة، وذلك في مستويات مختلفة، ممّا يجعل من قضيّة المساواة بين الجنسين -مع المحافظة على خصوصيّات كليهما- قطب الرّحى في هذا الإشكال، بل في كلّ الإشكالات التي تطرحها أقسام هذا الكتاب“؛ لذلك ودت “اختتام هذه المقدّمة بالتّعريج على هذه المسألة، فذلك في اعتقادنا ما يرتدّ إليه اختلاف المواقف من قضايا ومسائل المرأة بين الباحثين في هذا الشّأن؛ فلقد وظّفت المساواة توظيفا مقاصديّاً، غائيّاً كاملاً، عند شقّ منهم ممّن ينتمون أو يصنّفون (مستنيرين)؛ ذلك أنّ حقوق الإنسان في الإسلام يتمّ البحث عنها عندهم، في الكليّات والمبادئ العامّة، أمّا الجزئيّات فأحكامها قابلة دوماً للاجتهاد لأنّها تطبيقات؛ والتّطبيق يختلف من زمن إلى آخر ومن ظهور وجه للمصلحة إلى ظهور وجه آخر”. وأضافت أن ثمة إشكال آخر يُطرح في نفس هذا الإطار، بل هو أساسه الذي لا ينفصل عنه، وهو في اعتقادها “ما وقع على امتداد قرون من خلط جوهريّ بين الدّين بوصفه مجموعة من القيم والمبادئ المتعالية على الأزمنة والأمكنة، وبين أنماط التدّين، وهي مجموع الجهود التي يبذلها الإنسان فرداً وجماعة لتجسيد قيم الدّين العليا. فكلّ محاولة إنسانية لتجسيد قيم الدين أو الالتزام العملي بها، تتحوّل هذه المحاولة الإنسانية إلى نمط من أنماط التدين، وقد يقترب هذا النّمط من معايير الدّين العليا وقد يبتعد، وقد تكون أنماط التدّين منسجمة ومقتضيات قيم الدّين، أو قد تكون متباعدة أو مفارقة لها، وإنّ نقد أنماط التدين ليس نقداً للدّين، وإنّ الوقوف ضدّ بعض أشكال التدين، ليس وقوفاً في مقابل الدّين، وإنّ حرصنا على الدّين ينبغي ألاّ يقودنا إلى رفض عمليّات النّقد التي تتّجه إلى أنماط التدّين؛ لأنّنا نعتقد أنّ المستفيد الأوّل من عملياّت النّقد العلمي لبعض أنماط التدّين، هو الدّين نفسه. إنّ جوهر المشكلة يتجسد في وجود مفارقة وابتعاد بين الدين وبين التديّن. والإصلاح الدّيني يستهدف تجسير العلاقة، وخلق التناغم بين حقائق الدّين ومعطيات التدين؛ ولعل هذا هو أحد أهمّ القوانين الجوهريّة التّي تتحّكم في سياق أيّ حركة إصلاحيّة في المجتمع الإسلامي المعاصر“, وعلى هذا الأساس، تجد أن هذا الكتاب يُعدّ، في نظرها، من أبرز المؤلفات ذات الجراءة العلميّة لخوضه في كلّ من سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا المقدّس المعلن والخفيّ، بأدوات البحث العلمي، وآليّات حقوق الإنسان وفق مقاربات تعدّدت، وتنوّعت، وتقاطعت، وتفارقت؛ فهو، إذاً، لبنةٌ لا يمكن الالتفات عنها لكلّ باحث مستقرّ في سياقات متقلبّة.
وبخصوص سياق وخلفيات الكتاب، لفت الأستاذ زين الدين انتباه القارئ إلى أن مشروع هذا الكتاب طُرح داخل شعبة القانون بالكلية أثناء الإعداد للندوة الدولية حول “الحراك النسائي المغاربي: دينامية التنازع والتمكين في سياقات متقلّبة“. انطلق هذا الإعداد من فرضية أن “الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي درست موضوع الحراك النسائي في البلدان المغاربية ظلت محدودة رغم ما قامت به المرأة، في العقود الأخيرة، من جهد ملموس في التنشئة الأسرية والعمل المنزلي والوظيفي وحسن الاندماج في مختلف المبادرات والمشاريع التنموية“. وبحكم الملاحظة الميدانية وقصص المقاومة والصراع المجتمعي المتراكَم، كان من الأهمية التساؤل “عن استمرار اختزال وضعهن في خانة الخضوع للثقافة الذكورية والتباسات النزعات البطريركية رغم المجهودات الكبيرة التي بُذلت من لدن السلطات العمومية والأسر في مجال التربية والتكوين. ما مردّ هذه الاستمرارية؟ هل يكمن السبب في تأخر الانتقال إلى الديمقراطية؟ في نظرة النساء الضبابية عن أنفسهن أم في الظروف والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة؟ في القانون والمؤسسات أم في النوازع النفسية والعقليات؟“. أخذا في الحسبان تسارع الأحداث التاريخية والتفاعل بين العوامل المحلية والإقليمية والعالمية، حملت فريق البحث هذه الأسئلة المتداخلة إلى مجموعة من الباحثات والباحثين من المنطقة المغاربية عساهم يفلتون من قبضة البديهيات والأفكار الراسخة حول حقوق النساء ومطالبهن العادلة، ولا سيّما في العشرية الأخيرة بعد بروز جيل جديد من النساء اللواتي يُدمجن في خطابهن التراكمات الحاصلة على مستوى النضال النسائي والمُنجَز الرسمي، وينظرن -وإن بدرجات متفاوتة- للعلاقة رجال-نساء بالاستناد إلى مرجعيات وخطابات متنوعة فرضت على البحث الاجتماعي والسياسي تمديد الفضول المعرفي إلى تَشكُّل وعي نسائي يعطي، تصريحاً أو تلميحاً، مصداقية أكبر للتعريف الذي قدمه تشارلز تايلور Charles Taylor للديمقراطية بوصفها سياسة الاعتراف بالآخر.
وبشأن أبرز الخلاصات التي توصل إليها هذا العمل المغاربي حول المسألة النسائية، يذكر منسق ومحرر المؤلف أنه “بفضل تضافر مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، أمكن للنساء أن يحقّقن -وإن على نحو متباين- العديد من المكتسبات في ظرف زمانيّ جد محدود في البلدان المغاربية“. لكن على الرغم من ذلك، يوضح أنه “لا ينبغي للشجرة أن تخفي عنّا الغابة الكثيفة. تسليط الضوء على الاحتجاج النسائي المستمر والمتجدد خطاباً وسلوكاً، سواء داخل التنظيمات التقليدية أو الحديثة أو في معزلٍ عنها، يؤكّد أن ما حقّقته النساء في المنطقة مجرد خطوة ضمن مسيرة طويلة؛ مع العلم أن الإشارة إلى هذا الامتداد والتشابك لا يجب أن يستفاد منها أن لا شيء أُنجز بقدر ما تنبه إلى أن أمورا كثيرة لم تنجز بعد، وأن ما تم إنجازه يحتاج إلى حماية ورعاية وتطوير دائمين. القول بالتعقيد خضوعٌ للواقع وتحدياته؛ لا تزال الممانعة قائمة بصور وتحت ذرائع مختلفة، وسيكون من المفيد مستقبلاً مواصلة الاشتغال على بعدين متداخلين على الأقل: اجتماعي يتوخّى أفقيا وعموديا خلخلة المخيال الاجتماعي للنساء والرجال على حدّ سواء عن طريق الإنتاج الفكري والفني والثقافي والعمل المنظم في أفق جعل الوعي بالمسألة النسائية لدى الجميع مؤسَّساً على قيمتي الديمقراطية والحداثة، وسياسيّ يروم إخراج مسألة المرأة من دائرة الصراع السياسي ومتاهات توازناته التقليدية، والحرص على التعامل مع هذه المسألة وباقي المسائل العالقة من زاوية التحديث المجتمعي الشامل حتى لا يستمر التناقض في التمدّد:التمييز الإيجابي في المؤسسات والنيات، والتمييز السلبي في السلوكات والاختيارات“.
