“مخرجون ونقاد عن كرة القدم: الحب و الخيبة “

العرائش نيوز:

محمد الشريف الطريبق

لم يسبق لي أن مارستُ لعبة كرة القدم، ولا شاهدتُ مباراة منها، إنْ تكن المباراة للمنتخب الوطني، أو في كأس العالم. لم يسبق لي أنْ حاولت حتّى. اللحظات القصيرة والنادرة التي شاهدتها من مباراة لكرة القدم، صدفة، كانت تشدّني بتشويق، خاصة إذا صدف ذلك مع لحظة تحقيق هدف. لكنّي لا أستطيع التوقّف أكثر من دقائق أو ثوانٍ.
رغم ذلك، عندما أشرف على محترفات وورشات لتعليم اللغة السينمائية، يكون نقل التلفزيون لمباراةٍ نموذج أستعمله لأشرح أولويات هذه اللغة، وإحدى نظريات الناقد الفرنسي أندريه بازان. عندما يتعلّق الأمر بنقل مباراة كرة القدم، يتم مسرحتها بجعل المتفرّجين يرون الحدث من جهة واحدة، حيث توضع الكاميرات في الجهة نفسها، ليبقى كلّ فريق مُرتبطاً باتجاه معين. إذا حدث العكس، فالفريق الذي نراه يهاجم من اليمين إلى اليسار، في الشوط نفسه، يتحوّل إلى العكس، ويقع ارتباك.
هذا نسمّيه في السينما “قاعدة زاوية 180درجة” (أي خط). عندما نضع الكاميرا من جهةٍ ما من الفعل/الحدث، يجب ألاّ تقفز الكاميرا وهي تُغيّر زوايا الالتقاط، أي ألاّ تقفز على الخطّ الوهمي الذي يرسمه شخصان يقفان مثلاً وجهاً لوجه، أو مجموعة من الأشخاص، لنضمن بذلك الحفاظ على اتجاه النظرات ومعالم المكان واتجاهاته.
يتحدّث بازان عن مفهوم المونتاج الممنوع، فيقول إنّه، عندما يرتبط جوهر حدث معين بعاملين متزامنين، يصبح المونتاج ممنوعاً، ويكون التصوير باللقطة المشهدية (plan séquence) طريقاً صحيحة للتعبير عن طبيعة الحدث. مثلاً، في نقل مباراة كرة قدم، تُخصّص لذلك كاميرات عدّة، كلّ واحدة تأخذ زاوية مُعينة، وبسلّم مختلف (تتراوح بين العام والخاص). لكنْ، تبقى الكاميرا الرئيسية، التي تغطي أرضية الملعب كاملة، الأهمّ بينها، وتحتوي على الفعل، أي اللعب، بشكل كلّي، ولا تُغيّر من سلّمها. فعندما يكون الحدث بالشكل الذي وصفه بازان، كمحاولة تحقيق هدف مثلاً، يقتصر المخرج على هذه الكاميرا فقط، ولا يكون هناك تقطيع، أيْ يُصبح المونتاج ممنوعاً.
إذا تمّ التقطيع أثناء هذه اللحظة، وتغيير زاوية النظر أثناء محاولة الإصابة، فإنّ اللاوعي يشعر كأنّ الحدث مُفبرك، فيتمّ الرجوع بعدياً إلى الزوايا الأخرى، أي بشكل غير مباشر، أي لقطات مُسجلة. عندما يتعلّق الأمر، في فيلمٍ روائي، بمشاهد أثناء مباراة كرة القدم، تُستعمل لقطاتٍ من الأرشيف، أو تصوير حقيقي لمباراة حقيقية، لصعوبة إعادة تمثيل مباراة، من حيث عدد الجمهور، وقدرة ممثل على أداء دور لاعب كرة قدم. لأنّها لعبة تختلف عن الشطرنج مثلاً، فلا يُمكن إعادة الحركات نفسها، وإعادة تمثيل مباراة سابقة، لأنّ ذلك مستحيل. في حالة إعادة تمثيل مباراة مع ممثلين، يكون ذلك غير مقبول، باستثناء إذا تعلّق الأمر بفيلم كوميدي. هناك حدود “ايتيكية” للتمثيل.
هنا تتوقّف علاقتي بكرة القدم. لا أحبّ فرجةً غايتها في ذاتها. أحبّ الفرجة التي تبلور معنى، وأجد لها صدى في الذاكرة أو الواقع.

العربي الجديد


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.