العرائش نيوز
وأنت تتابع مباريات كرة القدم يستوقفك تارة المعلق الرياضي وهو يصف هدفا مسجلا ضد مرمى اللاعب ب “النيران الصديقة”، من ثمة ومع باقي المباريات يثيرك معجم المعلقين الرياضيين وهم ينقلون إلى المتفرجين بما أسعفتهم قريحتهم اللغوية من مرادفات وقائع سير المقابلات، محيطين المستمعين علما بما فاتنا من معلومات مهمة في التاريخ الكروي وباللاعبيين وتاريخ الفرق والحكام والملاعب وتاريخ الأهداف، وتاريخ المدارس الكروية والمدربين والأفكار. حتى انك تجد نفسك أمام عمل توثيقي متكامل، بكثافة في الدقة غير معهودة حتى في أكثر العلوم الإنسانية تطورا، وعند كل لقطة او حدث كروي يعود بك المعلق لمئات الأمثلة من التاريخ الكروي كأنك أمام سجل تاريخي شامل سنعود للحديث عنه في سياق هذا المقال.
يبدو المعجم اللغوي المصاحب لعملية التعليق الكروي كاستعارة النيران الصديقة مثلا طبيعيا إذا ارتبط بحالة وصف عادي استحثها ضعف إيفاء المعجم الخاص بالحقل الكروي بالمطلوب، لكن الأمر أعمق من ذلك فاللغة المستعملة في التعليق الكروي كلها مفردات مستمدة من حقل الاكاديمي الحربي، قلنا النيران الصديقة ونضيف مفاهيم الهجوم والمراقبة والدفاع والاستراتيجية والمناورة والتكتيك، اصابة الاهداف ومنها الاهداف القاتلة.
فلماذا هذا التأويل الحربوي للممارسة الكروية؟. وما هي الروابط التي تقيمها الحرب بلعبة كرة القدم حتى تنهل منها اصطلاحاتها وقاموسها ومعجمها.
كان كارل فون كلاوزفيتش اول من فكر في موضوعة الحرب ووضع معجمها فقد كان قائدا بالجيش البروسي، العديد يعزون للمحارب الصيني “سون تزو” افضاله على كلاوزفيتش لكن يبدو ان من يقولون هذا الكلام لم يقرؤوا الكتابين معا، ومن يفكرون بمنطق السلالية لا يستطيعون عادة ملاحظة الفروق الجدرية التي فكر ضمنها المفكرين معا. هزم كلاوزفيتش على يد نابليون في يينا سنة 1805 فهاجر الى روسيا وانخرط في الجيش الروسي، تأمل هناك اسرار النجاحات النابوليونية، وبعد واترلو 1815 وهزيمة نابليون فكر طويلا في موضوعة الحرب وحاول ان يستخرج العبرة من توالي الثورات والحروب، ناقش الحرب من كل جوانبها سواء أثناء السلم او مع نشاط الديبلوماسية او حين المواجهة، ابتكر مفاهيم و طوع أخرى تساءل عن ماهية الحرب وعن العلاقة القائمة بين الحرب والسياسة، أسباب النصر والهزيمة، انواع الحروب ووسائلها واهدافها ومعاني الحرب التاكتيكية،الحرب الاستراتيجية وحضور الديبلوماسية في الحرب وأشكال امتداداتها. كما ساهم في تقعيد مجموعة من الأفكار منها كون الهجوم سابق على الدفاع وان الحرب الهجومية اقوى من الدفاعية.
بعده كان لينين أول من اخرج مقولات كارل فون كلاوزفتش من مضان الحرب القومية الى الحروب الطبقية، فاستعار مفاهيم كلاوزفتش وأبدل الدولة بالتنظيم و من ثم احل المفاهيم الأخرى في سياقات المجابهة مع الأعداء الواقعيين والمفترضين في الجبهات الداخلية، فكان “ما العمل” الكتاب الذي ادخل مفاهيم الحرب للسياسة من باب كلاوزفتش فاخرج السياسة من التعاقد الى المغالبة.
وبعده مع الازمة الاقتصادية لسنة 1929 انتقلت مفاهيم الحرب من التنظيم السياسي الى السوق والانتاج وغزو الاسواق مع منظري الاقتصاد الحديث والنيوليبيراليين.
فأين يشترك كل هؤلاء حتى يسعفهم قاموس كلاوزفيتش في تحديد أهدافهم وغاياتهم ؟.
تشترك كل هذه القطاعات في مميزات محددة، ولكنها تخضع لمنطق واحد. فهذه القطاعات تشترك فيما بينها بمميزات عامة منها وجود خصم منافح على الميدان يجمعه بك هدف واحد هو الفوز وسحقك في انتظار اخراجك من حلبة التنافس والحضور، يؤطر هؤلاء المتخاصمين طاقما ينقسم الى قسمين: قسم خاص بالتاطير النظري, يصنع الخطط و الوقائع و الافتراضات ويقرأ الخصم من حيث تمركزاته واساليبه المختلفة وتقنياته, عيوبه ونقاط قوته، وبناء عليها يشرع في وضع الأساليب التكتيكية للمواجهة. و طاقم خاص بالتاطير العملي يطبق رؤى وأهداف النظرية ويسهر على السير السليم لعمليات الميدنة، هذا هو المنطلق الأساسي الذي يجبر المعلق الرياضي والجنرال الحربي والمسوق السلعي على النهل ضمن معجم الاستعارة الحربية ثم تبقى المتولدات الاصطلاحية الأخرى من باب الحتمية.
الا ان اهم ما يجمع بين هذه القطاعات هو خضوعها لمنطق واحد هو منطق ما يسمى في مباراة كرة القدم ب”الحظ” وعند السياسيين ب”الطالع” وعند الحربيين العسكريين ب”البخت” حيث تبقى النتائج المحصل عليها بعد كل عمليات الاستعداد المثالية التي يقوم بها المتنافسون خاضعة لمنطق البخت او الحظ او الطالع. هذا المصطلح يعرف الجميع انه شكل عصب التحليل الميكيافللي بل كل النصائح التي اسداها ميكيافللي للامراء لم تكن سوى من اجل دفعهم للتحايل على البخت او الطالع عموما، – وسبق وان ناقشت مفهوم الاحتمال في ميدان الحرب في مسرحيتي ” العيادة الاخيرة ” – لان ميكيافيللي كان يرى في تطور الأشياء آثار البخت لا آثار الضرورة الطبيعية، وعالم الانسان في نظره بقي ميدان تصارع بين البخت والارادة البشرية. لا يتوانى كلاوزفتش عن الإشارة للطالع والبخت في حديثه عن حروب الرومان و هنيبعل في نفس السياق الميكيافللي، اما المحلل الرياضي التقني فلا يتوانى في الاشارة للبخت عند كل مباراة كرة قدم تساوت فيها قيمة المنازلة وحسمت احداث خارج الضوابط والاستعدادات في انتصار فريق و انهزام اخر.
هؤلاء المفكرين الثلاثة وان جعلوا من الحظ احد الفاعلين الحقيقيين في مسرح الاحداث فانهم يعودون الى التاريخ للحسم في كون الفوز اولا و اخيرا مرتبط بارادة النجاح ، لذا لا عجب اذا ارتكز الثلاثة على التاريخ للاعتبار.
نعود لسؤال، لماذا تساوت هذه القطاعات في ميدان البخت او الحظ او الطالع؟: الجواب هو كون هذه القطاعات خاضعة لحقيقة كونها تصنع وتنجز داخل وفي الوقت الذي تصنع فيه وتنجز حقيقة أفعال الآخرين كذلك. أي انك حينما تكون بصدد صنع خططك وافكارك للمواجهة يكون الخصم ايضا بصدد الاعداد والاحتمال والقياس ، لذا تعتبر هذه الميادين اكثر الميادين العمومية في الاجتماع الانساني على الاطلاق. فقد قال كلاوزفتش في كتابه: “فن الحرب” :” لو قيل لا يجوز للمرء ان يتكلم على الحرب الا اذا جمده الصقيع وقتله الحر و العطش او صرعته الحاجة وأنهكه التعب ، لكانت الآراء الصائبة الموضوعية حول الحرب قليلة جدا”، اذا كانت مقولة كلاوزفتش تنزع الحرب من اختصاصات المحاربين و تشجع المواطنين على الحديث عن الحرب مثل ما فعل احد الحلاقين في احدى كتب المطالعة عندما اخده الحماس وهو يتحدث عن مسار احدى معارك الحرب العالمية الثانية فقام برسم خريطة مسار الجيوش النازية على راس زبونه. فان السياسة والحرب وكرة القدم كذلك لا تخص التقنيين المتخصصين فحسب. بل هما اكثر المواضيع التي ” تسمو الى معرفتها السوقة والاغفال وتتنافس فيها الملوك والاقيال ويتساوى في معرفتها العلماء والجهال” اعتذر لابن خلدون عن هذا الاقتباس، و لكن كذلك نظريته في العمران كانت احدى النظريات التي ارادت ان تجد قانون يفسر التاريخ كاحد اكثر الميادين الذي تصنع حقيقة الفاعلين فيه داخل حقيقة أفعال الفاعلين الآخرين كذلك. لذا تعد مباراة كرة القدم التجسيد الحقيقي لأبهى أشكال الصراع بين الإرادة والبخت.
