العرائش نيوز
بقلم : عبد المنعم العمراني
في غمرة مباريات المونديال القطري، نقرأ ونسمع أحيانا آراء من أناس ينتقدون لعبة كرة القدم. بعضهم يصفها بأفيون الشعوب. فيما يقول البعض الآخر إن الإنجليز اخترعوها ونشروها في كل أصقاع الدنيا، لإلهاء شعوب إمبراطوريتهم البائدة. رأي يساري بحسب إدواردو غاليانو، الذي يخبرنا أن بعضا من أهل اليمين يحتقرون جماهير كرة القدم، لأن هذه الجماهير “تفكر بأقدامها، وليس بعقلها.”
الأكيد هو أن الشغف الجنوني الذي تحدثه كرة القدم في وجدان الناس، يظل عصيا على التفسير العقلاني. وهذا ما حاول الأديب الأورغواياني تقديم شرح له في كتاب نشره سنة 1995 تحت عنوان “كرة القدم: شمس وظل”.
يشبه غاليانو في كتابه هذا لعبة الكرة بالحياة، حيث يقول: “كرة القدم هي مرآة الحياة.” مرآة تعكس للمرء ما يمكن أن يقع له طيلة حياة كاملة من أفراح وأتراح، ونشوة وحزن، وانتصار وانكسار. تعكس كل هذا في تسعين دقيقة، أو أكثر بقليل، كما أصبح عليه الأمر منذ انطلاق مباريات كأس العالم القطرية.
حالة وجدانية إذا، تجمع الناس حول هدف واحد: نشوة الانتصار، بغض النظر عن أصلهم وفصلهم وعرقهم ودينهم وانتمائهم الطبقي. إنها “الديانة التي لا ملحدين لها”.
يقول غاليانو في حوار أجري معه قبل وفاته في مونطيفيديو عام 2015، “إنه يكتب انطلاقا مما يسمعه من أصوات وقصص نابعة من واقع الناس، محاولا أن يحيط بكل جوانب هذا الواقع: الماضية والحاضرة والمستقبلية. جوانب تشكل كرة القدم جزءا منها، لأنها جزء من واقع الناس.”
قد يقول قائل إن الواقع الحالي لغالبية الناس، في المغرب وإسبانيا مثلا، واقع مرير، يغلب عليه الخوف من المستقبل. لكن الأكيد هو أن الجميع سيتفاعل مع مجريات ومآلات مباراة ثمن نهائي كأس العالم، التي وضعت الجارين اللدودين وجها لوجه. البعض سيفرح، والبعض سيحزن. البعض سيحتفل، والبعض سيخلد للنوم، إن هو جاءه نوم. البعض سيبكي فرحا، والبعض حزنا. أو ليست هذه هي المشاعر التي تنتاب المرء طيلة حياته؟ من صرخة الولادة إلى حشرجة الموت؟
أما الذي لن يشاهد المباراة، لأنه يكره اللعبة وجنونها، فسيسأل عن نتيجتها، ولو من باب الفضول. قد يبتسم سعادة، وقد يهز رأسه أسفا. ردة فعله تلك هي تذكير للآخرين أن الأمر، في نهاية المطاف، ما هو إلا مباراة في كرة القدم. لعبة لا بد لها من خاسر، ومن رابح.
دعونا نتذكر ذلك، لكي تستمر الحياة
