العرائش نيوز
عزيز قنجاع
احتضنت قاعة الحفلات الأوسطال يوم الأحد الرابع من رمضان المعظم لسنة 1444 حفلا أندلسيا بهيجا نظمته جمعية عشاق الطرب للموسيقى الأندلسية والصوفية والإبداع الفني بالعرائش، بقيادة الاستاذ احمد الدراوي. وكما هو مسطر في اسم الجمعية الفني, فقد شملت فقرات الحفل حصة الموسيقى الأندلسية وأهازيج الحضرة الصوفية، ونظرا لكون الموسيقى الأندلسية جاءت من خلال الأداء الجماعي للكورال النسوي وبتقدم صوتي مفارق ومساند للفنان احمد الدراوي الذي هيمن على الاداء الصوتي دافعا معه ضيفه الفنان سعيد مشبال الى مستويات مقامية جد متقدمة مما أعطى للحفل طابعا طربيا متميزا وبهيجا. وعموما، ونظرا لكون الاداء الموسيقي الأندلسي لم يعرف تغييرات جوهرية منذ قرون خلت نظرا لإنبنائه الصارم على محددات موسيقية ثرية، تختلف من حيث الإطار المرجعي، والسياق التاريخي، والثقافي المحدد لخلفيتها النظرية، خاصة وأن هويتها الموسيقية الاندلسية بمثابة فسيفساء وبوثقة انصهرت فيها موسيقات عديدة واستقرت على المنوال الذي وصلتنا اليه بالمغرب منسجمة، وتأخذ طابعا خصوصيا متميزا.

وما يهمني في هذا المقال هو النهج التجديدي الذي ينهجه الأستاذ احمد الدراوي والذي بدى جليا في هذا الحفل خصوصا في الفقرة الثانية من الحفل المتعلق بالمديح الصوفي ، غير انه قبل أن ادخل إلى التحليل الخاص بالأداء الصوفي لدى احمد الدراوي لا بد أن أشير إلى أن الكراسة او الكتيب المعد للحفل والذي جمع باقة من النصوص التي ستؤدى خلال الحفل، قد خلط فيما يخص القصائد، حيث أدرجت في صفحتها الحادية عشرة أبيات لسيدي حمدون بلحاج من مطولته الشعرية غريبة الحسين مع قصائد من ديوان ابي الحسن الششتري في الوقت الذي اشار الكتيب الى انها للششتري فقط، فابتداء من اول بيت شعري بالصفحة الحادية عشرة الى قوله من بعد موتي تراني حيا ” هي لسيدي حمدون بلحاج وبعدها تأتي قصائد الششتري التي اختير منها مقطوعات غاية في الذوق والروعة.

فمن خلال الأمسية الصوفية التي عشناها رفقة الأستاذ احمد الدراوي يتبين ان الأستاذ احمد الدراوي مصمم على نقش اسمه في عالم الحضرة، فالرجل يمتلك حس المغامرة و جرأة التجديد في مواضيع تراثية لا يدخلها سوى الواثقون من مستواهم وأدائهم وتاريخهم الموسيقي على اعتبار ان التدخل التجديدي في التراث إما يؤدي الى مسخ هذا التراث, واما الى الرقي به الى مستويات تصل الى العالمية احيانا ،ثم ان الإكتفاء بما هو قائم واحتراز النبش في التراث والتقليد يجعل هذا التراث منكفئا على نفسه ولا يستطيع ان يسيح الى ذائقية الاجيال الجديدة المتشبعة بايقات ومدارس موسيقية متعددة تستجيب لحاجياتها الخيالية والذوقية. لذا كانت الوصلة الثانية من الحفل الموسيقي الخاص بالحضرة الصوفية عبارة عن مختبر تجريبي للإمكانيات الموسيقية الجديدة لدى الاستاذ الدراوي ,ليس فقط على مستوى المزج بين الإيقاع الأندلسي المغربي الصوفي وهو موضوع تم تناوله بكثرة في الكتابات النقدية الموسيقية. بل الجديد هو إقحام الإيقاع الكناوي كرافعة لباقي الإيقاعات ولحمة لنغمها الشامل.

وبهذا يمكن القول ان مغامرة الاستاذ الدراوي تحتاج الى متابعة نقدية وفكرية وموسيقية ودعم متخصص يساعده على الانطلاق الأرحب الى مستويات واعية بعمق فضيلة التمازج الموسيقي بين الإيقاع الصوفي وحامله الإيقاع الكناوي خصوصا وانه محاط بخيرة المعلمين الكناويين نذكر الاستاذ الكبير وارث الفن من اصول اسرة فنية عريقة حملت معها الفن الكناوي الى العرائش حين دخلتها خلال القرن الثامن عشر ونقصد هنا الاستاذ ادريس بجية.

قسَّم الاستاذ الدراوي حصة الحضرة الصوفية خلال هذا الحفل الى قسمين, قسم استعان به بالجوق الموسيقي الاندلسي الذي رافقه في الموسيقى متبوعا بالكورال النسوي، واحتلت آلة الطبل هنا الآلة الموسيقية الأساسية وتحكمت في قوة الانشاد من خلال الاستدراج الصوتي للفنان احمد الدراوي الذي رافق بإتقان الوتيرة المتصاعدة للإيقاع الطبلي، بل تناوبا على الهيمنة الصوتية في الأداء الانشادي وبقي الشكل العام على مستوى المقام على صيغة النوبة، اي ان الوصلة الموسيقية اعتمدت على مجموعة متتابعة من القطع الغنائية التي تؤدى من خلال آلة موسيقية على مقام واحد، وإيقاعات مختلفة تحكم في ضبطها الاستاذ ياسين آيت تمليحات قارع الطبل، وجاءت عبقرية الاستاذ احمد الدراوي بارزة في اختياره لنصوص ابي الحسن الششتري الخمرية المتصلة ببحر المعاني الذي لا ساحل له و التي أغناها ابن عطاء لله االسكندري في حكمه العطائية وضمنها سيدي احمد بن عجيبة كتابه” تقييدان في وحدة الوجود” وأسال معانيها حد السكر الروحي سيدي احمد الحراق في ديوانه الغريب الأخاد ” ديوان الحراق “. وبذلك يكون احمد الدراوي قد تفوق في اختيار نصوص صوفية مغربية لشعراء متصوفة كالششتري والذي بعيدا عن المضامين الروحية لقصائده فقد كان ثوريا جهة النظم الشعري حيث اعتمد طريقة الموشح في تبليغ المعاني فبقي بعيدا عن الغموض الذي يلف القول الصوفي وكسر قواعد اللغة واستعان بالدارج اللغوي فدمج بين العامية المعربة والعامية الملحونة مكسرا احيانا عديدة قواعد النحو والوزن، ولقد شكل الانتقال الثاني في الحصة الصوفية قمة الابداع في الامسية الفنية لاعتبارين اثنين في نظري اولا ان جميع القصائد المغناة بالحصة الثانية من الوصلة الصوفية للحفل كانت من تلحين الاستاذ الفنان احمد الدراوي وهو امر مهم جدا بالنسبة لنا، على اعتبار ان هذه العملية تتطلب قراءة نقدية مصاحبة تقيم العمل من جميع جوانبه حتى يتسنى لهذا الفنان الباحث والمجدد من شق طريقه بمعاول فنية مصاحبة مصقولة تساعده على استشراف الآفاق الرحبة للتجديد والمعاصرة.

ثانيا هو اشتغال احمد الدراوي في مطلع الحصة الثانية من الحفل على نص شعري جد صعب، حيث قام باستدعاء نصوص شعرية لاحد اهم الشعراء الصوفية الذي لقب ب “سلطان العاشقين ” والأمر يتعلق هنا ب أبي حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، والمشهور بابن الفارض. هذا الاختيار ساعده بالإضافة إلى حذقه في اختيار البراول من نظم الإمام شمس العارفين سيدي احمد الحراق في مد الكورال بمساحات صوتية مختلفة تميزت الأستاذة غيثة النقموش في اداء مقطع منه على الباص المنخفض، وذلك باعتماد الأستاذ الدراوي على تمديد الأحرف التي لا تمد وتجزئة الكلمة الى مقاطع منفصلة لإيصال الجملة الموسيقية المغناة وهي طريقة ملهمة وجديدة نقلها لنا الأستاذ الدراوي الى مجال الحضرة رغم انه بشكل عام لازالت موسيقانا الأندلسية المغربية والترانيم الصوفية الانجيلية المرتلة بالكنائس الارتودوكسية تستعمل هذه الطريقة في إيصال المعنى الشعري إلا أن احمد الدراوي استعملها في تثبيت السياق الموسيقي للحضرة الصوفية وهنا لا بد من الإشادة الوافية بهذا الهرم الموسيقي الصاعد من البحر المديد لمدينة العرائش الجميلة .
ثالثا: قيام الستاذ الدراوي باستدعاء كذلك الايقاع الكناوي كاملا بجميع مكوناته في المصاحبة الموسيقية وإدخاله ضمن الجوقة الأندلسية دون أن نحس نحن كجمهور بأي نشاز موسيقي أو انضغاط نفسي، حيث وفي إحساس مشوب بالرهبة والحضرة استطاع الأستاذ احمد الدراوي ان يتملك الجمهور والقاعة بشكل كامل. وجاءت الفواصل الموسيقية التي أقامها في الانتقال بين البراول مجددة أيضا اذ أعطيت فيه الغلبة و الهيمنة لآلة الهجهوج فيما توارى الطبل الى الخلف بصفة داعمة للهجهوج بتناوب مع القراقب فكان الامر فعلا غاية في الاتقان وفي إشارة واضحة أننا كجمهور أمام قامات فنية موسيقية كبيرة وبسعة معرفية عالية بأصول الموسيقى وقواعدها. وهنا لا بد لنا من وقفة وتحية لهذا التعاون المثمر بين كل مكونات الابداع الموسيقي التراثي بمدينة العرائش .
غير ان ما كان مثيرا وغير قابلا للتصديق بتاتا وكان مفاجئا حقيقة هو المقاطع الانتقالية التي تراجع فيها الاداء الكناوي واحتفظ الهجهوج فقط بتنظيم الايقاع وتسلمت آلة الكمان بتقديم فواصل رائعة من التقسيمات على المقامات الحسانية الصحراوية مقام كرْ و فاغوُ و لكحالْ و لبياظْ و بيك. مازجة بين العمق الافريقي والمقام العربي و الانكسارات النغمية الأمازيغية ، حيث انتقل بنا الاستاذ الهاشمي المريني امده الله بالعمر الطويل والصحة باختيارات واشتغالات حملتنا الى العوالم الصوفية للمغرب الممتد الى رمال شنقيط ومساجد أودغست وقصور الرمال بتمبوكتو ومجالس الشاي بسجلماسة وروائح البخور بفاس وليالي المولد النبوي بفناءات العزفيين بسبتة. ولم يكن الامر صدفة بل ان كل من الاساتذة فؤاد المدياني والاستاذ منير التدلاوي والاستاذ غيلان احمد والاستاذ محمد الزاوي سيعيدون على اسماعنا تقسيمات عميقة من نفس المقام مما يدل ان الوصلة لم تكن عفوية بل ان هذه الانتقالات كانت بشكل متعمد علمي معرفي ومسبق، واذا كانت الموسيقى الصوفية التي ندعوها نحن المغاربة بالحضرة تتغيَّى إحداث تلك النشوة العارمة التي تفيض بها النفس لدى المتلقي الصوفي وقد امتلأت ذاته بحب الله حتى غدت قريبة منه كل القرب. وقد عبر الصوفيون بكلمات متقابلة عن حالات النشوة ودرجاتها الغيبية كالحضور والصحو و السكرة والذوق و الكشوف و الحلول، فان الرقص النغمي في المقامات الصوفية يعتمد الجدب كرقص طولي بالمغرب أو دائري تركيا والشام. إلا أن كلا الرقصتان تحافظان طيلة الأداء على ريتمية واحدة مستمرة عكس الرقص الكناوي الذي يستمد أصوله من الرقص الإفريقي جنوب الصحراء فانه يعتمد على إمكانيات الجسد الافريقي المتوثب في جعل الجسد في تمفصلاته العدة قابلا للتعبير بطريقة متقطعة لكن متناسقة. فجاءت الفقرة التي أتحفنا بها المعلمية من فرقة الاستاذ ادريس بجية حافلة بالمعنى المغربي للحضارة اذ التحمت حضارة الاندلس بافريقيا على ارض هذا البلد العظيم، لقد كان رقص المعلمية من فرقة الاستاذ ادريس بجية حالة اندماج ووصل روحي بين الجمهور والحضرة الصوفية بقواعدها البهية وبأداء اكثر من كونه تقنية آلية لبراعة التنفيذ والإلهام بل بملكة وكاريزما ابداعية وموهبة نفسية اجتماعية والرغبة اللاواعية الممكنة والمستحيلة للتجرد من الذات وعالم الحس.

وماذا بعد ؟ سبق ان كتبت سابقا مقالا عن الكورال النسوي في اشتغال الاستاذ احمد الدراوي نتمنى ان يعود له لاخد بعض أرائنا فيه لتطوير ذاك الخزان الغنائي الذي يرصع جمال فرقته اخص بالذكر الأستاذة الكبيرة ذات الأصول الموسيقية الوارفة للاآسية الشاعر والاستاذة غيثة النقموش والاستاذة بنحيون والدكتورة كاميليا والأستاذة فضيلة الحمدوشي وباقي اللائحة..
وهو أمر يلزمنا الكثير من الاعتراف بهذا المجهود الصامت لكنه دائم ومتواصل و الاعتراف لهؤلاء الذين يفنون وقتهم في تجويد اليوم ما اجادوه البارحة وباستمرار، هؤلاء من يحتاج التشجيع والمديح والانتباه، انهم حماة الهوية والحضارة .
