المقاومة الفلس طينية وسياسة الخوف

العرائش نيوز:

من كتابة محمد المطماري

كتب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في مذكراته “رأيت رام الله” أنه “من السهل طمس الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة: ابدأ حكايتك من “ثانيًا”!  ويكفي أن تبدأ حكايتك من “ثانيًا” حتى ينقلب العالم” (البرغوثي، 2000).

لهذا السبب، نجد أنه عند كل مسائلة للقادة الإسرائيليين على جرائم الحرب التي يرتكبونها، يتهربون من السؤال بالعبارة الشهيرة “ماذا عن حماس؟” كما لو أن حركة حماس تمثل كل المناطق الفلسطينية الأخرى التي تحتلها وتسيطر عليها إسرائيل. نفس هذه العبارة يتم استخدامها من طرف الساسة الأمريكيين عندما يتم انتقاد دعمهم الأعمى لدولة الاحتلال بالأسلحة والمال وحتى  بالإعلام.

في سبيل توفير سياق عام للأحداث، أصبحت غزة مخيم للاجئين الفلسطينيين تحت السيادة المصرية بعد نكبة 1948. و في حرب الأيام الستة أو نكسة 1967, تم احتلالها من طرف اسرائيل الى جانب مرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء و كذا الضفة الغربية. وبموجب اتفاقيات أوسلو لعام 1993-1995 بدأت إسرائيل في عملية نقل السلطة الحكومية في القطاع إلى السلطة الفلسطينية. لكن لم يتم تسليم القطاع بشكل فعلي إلا بعد الانتفاضة الثانية (2000-2005) حيث سحبت إسرائيل جنودها ومستوطنيها. ومع ذلك، فإنها استمرت في السيطرة على حدود غزة وغطائها الجوي.

أخذ مصير غزة منعطفًا مختلفًا بعد انتخابات السلطة التشريعية الفلسطينية لعام 2005. ففي هزيمة قاطعة لحركة فتح، تم انتخاب حركة المقاومة الإسلامية (المعروفة باسم حماس) ديمقراطيًا في غزة. بعد ذلك بوقت قصير، تم تصنيف الحركة كـ “منظمة إرهابية” من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل. لذلك نجد أنه كلما حاول المجتمع الدولي إدانة إسرائيل لقتلها للمدنيين والأطفال العُزَّل في اشتباكاتها مع فصائل حماس العسكرية، فإنها تدعي اولا انها تمارس حقها الثابت في الدفاع عن نفسها، وتلقي اللوم بعدها على فصائل حماس، والتي، وفقًا للسردية الإسرائيلية، تستخدم الأطفال والنساء كـ “دروع بشرية.”

ومع زخم الآلة الإعلامية الأمريكية في تجميل مثل هذه الفظائع، تستخدم إسرائيل هذه السردية لتجريم وشيطنة المقاومة في غزة و بالتالي سلبها أي تعاطف أو دعم شعبي لها دوليا، او حتى عربيا بعد التطبيع. فمن سيجرؤ على التعاطف مع مجموعة من “الحيوانات البشرية”، كما أطلق عليهم يوآف جالانت، الذين يفضلون رؤية تلاشي إسرائيل وموت “اليهود الأبرياء” بدلاً عن أطفالهم أحياء؟ على الرغم من أن هذه الدعاية الإسرائيلية تخلو تمامًا من الأساس، إلا أن العديد في المجتمعات الغربية يؤمنون بها بصدق ويدعمون إسرائيل بسببها.

الحقيقة هي أنه منذ عام 2007 فرضت إسرائيل، بمباركة من الولايات المتحدة، حصارًا جويًا وبريًا وبحريًا على قطاع غزة، وبالتالي فرضت عقوبة جماعية على قطاع يبلغ عدد سكانه 2.2 مليون، وليس فقط على أعضاء حركة المقاومة الإسلامية. هذا يعني ببساطة أنه حتى لو حاولت مجموعات المقاومة في حماس إخلاء غزة من نسائهم وأطفالهم، فليس لديهم أي مكان آخر للذهاب إليه في ظل هذا الحصار الغاشم. لهذا نجد أن منظمات مرموقة لحقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش تطلقان على غزة لقب “أكبر سجن مفتوح” على وجه الأرض.

وبسبب هذا الحصار، نجد أنه في كل عدوان إسرائيلي على غزة، تكون الخسائر المدنية بين الأطفال والنساء دائمًا مرتفعة. هذا الوضع جعل من الفلسطينيين المحاصرين في غزة بدون بديل آخر للتخلص من هذا الحصار إلا من خلال المقاومة، سواء عن طريق رمي الحجارة أو المقاومة المسلحة. هذا ما لا يفهمه العديد من الغربيين اذ انه بالنسبة للمواطن العادي في غزة، إما أن يقاوم للحفاظ على حياته، أو يموت تحت القصف الإسرائيلي. الأمر بهذه البساطة.

ومع ذلك، بعد عملية حماس في السابع من أكتوبر، تم تجريم وشيطنة الفلسطينيين أكثر من أي وقت مضى من قبل القادة الإسرائيليين ووسائل الإعلام الغربية عموما. ففي كل خرجة إعلامية لهم، يقوم المسؤولون الإسرائيليون باستحضار كل أشكال الخوف والرعب بجعبتهم، محاولين رفع الانتباه عن الحالة القاسية للفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال.

أيضًا قام كبار المسؤولين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بالموازاة مع حملات الدعاية الصهيونية، بالترويج لشتى خطابات الخوف والترهيب وذلك من أجل تضليل الرأي العام و منعه من اصدار اي خطاب فيه مساءلة ومحاسبة لجرائم إسرائيل. فعلى سبيل المثال، في خطابه الأول بعد العملية العسكرية، أعرب الرئيس جو بايدن عن اندهاشه، مؤكدًا أنه طوال مسيرته السياسية الطويلة، لم يتخيل أبدًا أنه سيرى صورا “مؤكدة لإرهابيين يقومون بقطع رؤوس الأطفال”.

وعلى الرغم من عدم وجود أي دليل واقعي يدعم قيام مقاومي حماس فعليًا بقطع رؤوس 40 طفلًا يهوديًا، إلا أن هذه القصة تم تكرارها مرارًا وتكرارًا من قبل أكثر وسائل الإعلام والمجلات البارزة في الساحة الغربية، مما جعل الكثيرين يعتقدون بأنها حادثة وقعت بالفعل. وقد أظهرت اخر التحقيقات أن هذه القصة ليس لها أي أساس من الصحة على الإطلاق. حتى الآن، تم تأكيد مقتل طفلين فقط في السابع من أكتوبر. لم يكونا مقطوعي الرأس ولا محروقين داخل فرن.  بل من الممكن أن تكون وفاتهما نتيجة مباشرة لنيران صديقة من الجانب الإسرائيلي.

بالإضافة إلى قصة قتل الأربعين طفلا، هناك قصة أخرى انتشرت عن حدوث اغتصاب جماعي لنساء اسرائيليات من طرف مسلحين فلسطينيين في نفس اليوم. ليس هذا فقط، بل تفيد هذه القصة الإعلامية ان افراد حماس قد قطعوا اثدائهن بعدها. ورغم مدى الوحشية الذي قد يبدو عليه الأمر، إلا أن فضيحة مراسلة صحيفة نيويورك تايمز الأخيرة كشفت أيضًا أن اتهامات الاغتصاب الجماعي هذه هي أيضا لم تكن مسندة على أية دلائل.

علاوة على ذلك، فإنه لا يمكن تصور أن مثل هذه الادعاءات الشنيعة، في فترة حساسة من هذا النوع، تم تقريرها من طرف شخص غير مطلع وليس لديه أي خبرة سابقة في المراسلة الصحفية الفعلية أو الصحافة عموما قبل السابع من أكتوبر.

ومع ذلك، تم تكليف أنا شوارتز، وهي مخرجة سينمائية عملت سابقا لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي، بالمراسلة في أحد أكثر المواضيع الحساسة الممكنة في ذلك الوقت، ببساطة بسبب علاقتها بإسرائيل. أما توقيت هذه المراسلات لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة حيث نجحت بشكل فعال في تحقيق أهدافها في تخويف وتحريك الخوف في كل من يسمع هذه القصص الرهيبة.

أما شركات الإعلام الغربية ليست داعمة لهذا النوع من الخطاب لأن أصحابها لديهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بإسرائيل فقط، ولكن أيضًا بسبب ارتفاع أرقام المشاهدة. فليس من غير المعتاد سماع قصة عن قطع رؤوس 40 طفلاً، أو اغتصاب جماعي لنساء يهوديات يختتم بقطع أثدائهن.

بالنسبة لهم يعتبر الخوف منتجًا متجددًا باستمرار وناجع دائما في تحقيق هذه الغاية، حيث تنتظر مثل هذه الشركات وقوع أشياء مروعة مثل هذه للاستفادة للتعويض عن تراجع أرقام المشاهدة والاشتراكات لديها. ومن المرجح ان تلجأ الى المبالغة في حجم هذا الخطر. ومع ذلك، تقديم أخبار مروعة مثل هذه دون التحقق من وقوعها الفعلي هو أدنى معايير الممارسة المهنية والتي يمكن نسبها لمهنة الصحافة.

 

من الواضح أيضا أنه منذ عملية طوفان الأقصى، ركزت وسائل الإعلام الغربية على تصوير حماس ككيان معادي للقيم الغربية ككل؛ لذا نجد تصويرها كجماعة معادية للمثليين، ومعادية للنساء، ومعادية للسامية، ومتعصبة تجاه الليبراليين. بهذه الطريقة، يجد المواطن الغربي نفسه في أزمة أخلاقية حيث لا يمكن أن يتعاطف او ينتقد معاملة الفلسطينيين في غزة إلا وأن يُغذى هذه السردية عن وحشية حماس والتي تتعارض مع قيمه الحديثة.

 

.   .   .   .

 

ومن ناحية اخرى لطالما كان الخوف آلة سياسية ناجعة لتوجيه الرأي العام. فهو لا يعمي عقول الناس فحسب، بل يزيد من نسبة انصياعهم للسلطة أيضا. وبالتالي، في خضم الفوضى والرعب الشديدين، لا يستطيع الناس تحمل عبء البحث عن الحقائق والتمييز بين ما هو يقيني وما هو دعاية وأخبار كاذبة. بدلاً من ذلك، يتقبلون أي حقيقة يقدمها لهم أمثال نتنياهو أو بايدن و الذين يصورهم الاعلام  كـ “الابطال” المخلصين من هذه الأزمات.

 

ووفقًا ل آل غور، و هو نائب سابق لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فإن سياسة الخوف تشير إلى “استغلال الخوف لخدمة أغراض سياسية”، خاصة عبر تصوير الآخر كـ “إرهابي متطرف” (آل غور، 2004).

ويؤكد آل غور أن خطر هذه السياسات يتمثل في كون أن  “الخوف يقمع اي سياسة للحوار ويفتح المجال أمام سياسات الدمار” (آل غور، 2004).

وفقا لهذا، نجد أن استخدام الخوف أصبح خطة سياسية كسولة يلجأ لها الساسة الغربيين للحفاظ على سيطرتهم على الرأي العام، مما يجعل مواطنيهم لا يعارضون تمرير وتنفيذ أي سياسات مثل غزو الدول وقتل وتهجير شعوبها من أجل الموارد بها، تماما مثل ما حدث في العراق و الشرق الاوسط عموما في حقبة جورج بوش وباراك أوباما.

وكما تنبأ الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا في رسمته الشهيرة فإن “نوم العقل ينتج عنه ولادة الوحوش.” ولهذا السبب تنشأ سياسيات الخوف في أوقات الكوارث حيث يعلن الطغاة أنفسهم أبطالا دون أن يكونوا عرضة للمساءلة من طرف  الفئات التي انتخبتهم للسلطة.

وتاريخيًا، استخدمت هذه السياسات الأورو لية للخوف من قبل معظم الأنظمة الاستبدادية لتهدئة الاحتقانات لدى مواطنيها.  لتجنب أي انتقاد داخلي للدولة و خدامها، تبني هذه الانظمة السلطوية عدوًا صوريا في ذهن مواطنيها، مصوّرة إياه كتهديد وجودي لسلامتهم وأمن الدولة. وكنتيجة مباشرة لهذا، ينشغل الناس بالخوف من هذه الكيان الغير معروف بدلاً من انتقاد استبداد أنظمتهم للشعوب في الخارج، والتي قد تبرر وجود هذا العدو في المقام الأول.

 

هذه الممارسة ظهرت خصيصا في أوج حقبة الاستعمار الأوروبي، حيث بررت الانظمة الرأسمالية استعمارها للشعوب والدول بحجة تحضير و تنوير “الآخر الهمجي” على قيم الحضارة الأوروبية. أما السيطرة على صورة هذا “الآخر” فقد كانت ممارسة استعمارية محضة تهدف الى تجريد مقاومته للاحتلال من أية شرعية أو تعاطف جماهيري. و في حالة إسرائيل و أمريكا، يعتبر “الإرهاب” هو ” الطلاء الذي يدهن به الفلسطينيون” لخدمة هذا الغرض، حسب تعبير الصحفي الأمريكي جو ساكو (ساكو، 2003).

 

كما أن تصوير الفلسطينيين كإرهابيين ينطلق من تقليد طويل للفاشية الغربية المعادية للإسلام. فوفقًا لإدوارد سعيد، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، استبدل الإسلام الشيوعية كأكبر تهديد للحضارة الغربية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية (سعيد، 1981). وليس من الغريب ان يكون العرب الفلسطينيون في مركز هذا الخوف لأنهم شاركوا في مواجهات رئيسية ضد اي برنامج توسعي لأمريكا في الشرق الأوسط، أي مع قوى الاحتلال الإسرائيلية.

 

وبلا شك، يعتمد نجاح هذا الخطاب بشكل كبير على أجواق من الدعاية والتغطية الإعلامية و التي دائما ما تبدي استعدادها اللامشروط للتحالف مع المصالح المشتركة لملاكها الحقيقيين. فبقوة الخوف، تستطيع أبواق هذه الشركات توجيه الرأي العام في أي اتجاه يرغبون فيه.

 

لذلك نجد أنه في صميم الدعاية الصهيونية دائما ما يتم تصوير الفلسطينيين كإرهابيين متعصبين يشكلون تهديدًا جليا على الأمن القومي لدولة الاحتلال. و عَبْر زرع الخوف من الفلسطينيين، يقدم الإعلام الغربي مبررًا تاما لفرض الحصار والمراقبة المكثفة عليهم من أجل حماية الدولة اليهودية من أي تهديدات محتملة من طرفهم.

 

و بعد اشتباك حركة حماس مع قوى الاحتلال بعد عملية طوفان الأقصى، أمر وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بفرض حصار كامل على غزة بعد تصريح مُذل و يفتقر إلى الإنسانية حيث قال: “نحن نحارب حيوانات بشرية وسنتصرف وفقًا لذلك.”

 

وعلى إثر أوامره، قامت إسرائيل بقطع المياه والكهرباء وإمدادات الغذاء والوقود والمساعدات الإنسانية من الوصول إلى المرافق المدنية في غزة. ليس هذا فقط، بل استخدمت القوات الإسرائيلية أسلحة محظورة دولياً ضد سكان غزة، مثل الفسفور الأبيض، بغرض تطهير القطاع عرقياً.

 

كنتيجة مباشرة لهذه السياسة المستندة على الخوف، لم يتم انتقاد هذا الحصار الوحشي بنفس القدر، ولا حتى التشكيك فيه عبر وسائل الإعلام الغربية كما هو الحال مع عملية حماس في ذلك اليوم.

 

.   .   .    .

 

كتب آل غور مقاله حول سياسة الخوف بعد غزو الولايات المتحدة للعراق تحت رئاسة جورج بوش الابن. فمن أجل إضفاء شرعية على هذا الغزو، اعترف آل غور أن وسائل الإعلام الامريكية شنت حملة تشويه مسعورة ضد صدام حسين ونظامه، على غرار ما فعلته مع أسامة بن لادن وأفغانستان.

 

فربطت هذه الحملات المرعبة بشكل كاذب نظام صدام حسين بتنظيم القاعدة، وبالتالي بهجمات 11 سبتمبر الارهابية، والتي أعلنت عن البداية الفعلية لسياسة الخوف والحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة و حلف الناتو. ولذلك، الخوف الذي أنتجته هذه الهجمات في سيكولوجية الإنسان الغربي جعله غير قادر على انتقاد غزو الولايات المتحدة للعراق  والتي بنيت على أسباب واهية كُشفت حقيقتها بعد سنوات على الغزو.

 

بنفس الطريقة التي تم فيها تشويه صورة صدام حسين وطالبان وغيرهم، يقود الغرب الآن حملات إعلامية هستيرية ضد حماس. فبعد عمليتها، أصبحت الجملة “هل تدين حماس؟” هي الأكثر استخدامًا من قبل مقدمي البرامج الإعلامية والصحفيين. هذا أدى إلى تضليل الرأي العام عن مناقشة الجزء الآخر من القضية.

 

و في نفس سياق غزو العراق في عهد جورج بوش، تم تغذية الرأي العام  بخوف مبالغ فيه من حماس يفوق بشكل مفرط التهديد الفعلي الذي تمثله المقاومة الفلسطينية. لدرجة انه في الوقت الحالي يظن الكثيرون أن حركة حماس هي أكثر خطورة من دولة تمتلك ما بين 80 و 400 رأس نووي.

 

لذلك، يمكن القول أن مصيرًا مشابهًا للعراق يُخطط له وينتظر قطاع غزة، حيث تعمل الحكومة الإسرائيلية على خطة احتلال عسكرية تهدف إلى ضم للقطاع بذريعة القضاء على “مجموعات حماس الإرهابية”. و بينما كانت احتياطيات النفط العراقي  سببًا رئيسيًا وراء الغزو الأمريكي، يشير الكثيرون الآن إلى أن حقل الغاز البحري في غزة يعتبر من بين الأسباب الرئيسية وراء  محاولة إسرائيل فرض احتلالها  على القطاع ووضعه تحت سيطرتها الجيواستراتيجية.

 

بإصرارهم على تجاهل جميع أعراف القانون الدولي، أعلن المسؤولون الإسرائيليون منذ البداية على انعدام رغبتهم لوقف عدوانهم على غزة حتى يتحقق هدفهم بالقضاء على حماس. ومع مرور الأيام، تحول تركيزهم في هذا العدوان من الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين الذين تحتجزهم حماس إلى عدم ترك أي “بذرة” لحماس في غزة. كان واضح في خطابهم أنهم لا يريدون الخوض في أي صفقة لوقف إطلاق النار حتى تُحكِم إسرائيل سيطرتها الكاملة على القطاع.

 

لكن بعد انخفاض التقييمات العامة لإدارة بايدن بشكل حاد في بداية السباق الانتخابي بسبب دعمها الثابت لحرب الابادة الاسرائيلية، قامت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس، في بادرة غير مسبوقة،  بالدعوة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة في 3 مارس في مدينة سيلما بولاية ألاباما. بعد خطابها، عبر وزير الأمن الوطني الإسرائيلي المتطرف ايتمار بن غفير عن امتعاضه عبر تغريدة  قال فيها انه “حان الوقت لتدمير حماس، كامالا” (دون الإشارة إليها بوصفها نائبة الرئيس).

 

من الجلي الآن أن الهدف المزعوم من القضاء على حماس و التطرف في غزة لا يعدو كونه إلا غطاءً لضم المنطقة بأكملها والسيطرة عليها بطريقة أو بأخرى من قبل إسرائيل. كما أن شمال غزة يقبع مسبقا تحت السيطرة الإسرائيلية، حيث أن وزراء إسرائيليون بارزون من اليمين المتطرف مثل بن غفير و بتسلئيل سموتريتش عبروا بقوة على ضرورة استعادة إسرائيل السيطرة على القطاع منذ البداية. وفي وقت لاحق، في 29 فبراير تحديدا، اقتحمت مجموعة من المستوطنين المتطرفين شمال غزة بجرأة، داعين إلى إعادة استيطانها مجددا.

 

وفي هذه الأثناء، قام قادة إسرائيل ببذل قصارى جهدهم لتحويل انتباه الناس عن هذا الواقع من خلال رسم أبشع صورة لحماس للرأي العام، محولين انتباه الناس عما يقومون به بالفعل.

 

كما ذهب المتحدثون الإسرائيليون إلى أبعد من هذا في تشويه صورة حماس من خلال مقارنات متكررة ومتواصلة مع النازية، وتنظيم القاعدة، وخاصة تنظيم داعش الإرهابي، وكلها هذه العناصر تمثل تضاد تاما مع القيم والمثل الغربية. على الرغم من عدم وجود أي تشابه بين حماس وأي منها، إلا أن الدعاية الإسرائيلية مصممة على مواصلة هذه المقارنات.

 

في العديد من الحالات، يقوم المتحدثون الرسميون لدولة الاحتلال بنطق كلمتي “حماس” و”داعش” في نفس الجمل عمدا لكي يستحضروا الذكريات الصادمة التي تركتها داعش في قلوب الناس و لكي يتم حصر الفلسطينيين في نفس هذا الإطار الوحشي.

 

و في ظل الاحداث الاخيرة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي أول من يؤكد و بجرأة تامة أن “حماس تساوي داعش“. نجم عن مثل هذه التصريحات ارتفاع نسب المؤيدين للغزو الإسرائيلي لغزة وصل صداه الحقل الأكاديمي أيضا حيث صرح  المفكر الكندي جوردن بيترسون على تويتر (سابقا) قائلا ” اذقهم طعم الجحيم، يا نتنياهو.” ببساطة، هذا تأثير سياسة الخوف على أحكام الناس في وقت الأزمات.

 

كما اصدر مسؤولون أمريكيون، مثل وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، تصريحات مشابهة و موالية  لمجلس وزراء نتنياهو. فخلال زيارته إلى إسرائيل بعد وقت قصير من عملية طوفان الاقصى، قال أوستن إن أفعال حماس  “الارهابية” تعتبر “أسوأ من داعش”.

 

و منذ السابع من أكتوبر، انتشرت هذه المقارنات و التشبيهات بين حماس وداعش عبر وسائل الإعلام الغربية. ونتيجة لذلك، تحول النقاش العام إلى أن حماس تستحق نفس المصير الذي ألم بداعش.  هذا الخطاب السياسي المبني على الترهيب يتجاهل حقيقة أن حماس هي حركة قومية تحررية تم انتخابها ديمقراطيًا وملتزمة بالكفاح المسلح نيابة عن اللاجئين الفلسطينيين الذين  يعانون من حصار شديد منذ عام 2006.

 

ومن المؤسف رؤية أن السياسة ووسائل الإعلام الأمريكية تلوثت أيضًا بهذه التكتيكات الإسرائيلية. إذ لم يقتصر المسؤولون الأمريكيون الصهاينة فقط على تكرار نفس نقاط الحديث الإسرائيلية التي لا أساس لها، بل استمروا أيضًا في مقارنة السابع من أكتوبر بأحداث 11 من سبتمبر. هذا الحدث الخاص هو من أشعل وَقيد سياسة الخوف أو ما يعرف بالحرب على “الإرهاب الإسلامي” و التي استمرت لمدة عقدين كان نتاجها هو ضخ موجة ضخمة من الإسلاموفوبيا في الغرب. و من الجلي ان الغرب لا يرى في حملته على حماس سوى استئنافا لحربه المقدسة على أية جماعة إسلامية مناهضة لهيمنته الامبريالية.

 

و من خلال استحضار الذكرى الاليمة لأحداث سبتمبر، فإن السياسيين الأمريكيين يتيقنون على أنهم لن يكونوا محل مسائلة من طرف الشعب الأمريكي حول دعم بلادهم الأعمى لنظام إبادة جماعية. إذ تهدف مقارناتهم بالتحديد إلى خلق  تعاطف أمريكي أعمى تجاه الإسرائيليين والذين صورهم الإعلام كإخوة للشعب الأمريكي كونهم ضحايا للإرهاب “الاسلامي” ايضا.

 

لهذا نجد أن كل من  الساسة الإسرائيليين والأميركيين على السواء قد استغلوا ذكرى المحرقة واضطهاد اليهود و جعلوها سلاحًا سيكولوجيا إضافيًا لتبرير إبادتهم في غزة، حيث تم مقارنة أعمال حماس باستمرار بالمحرقة النازية؛ هذا الحدث خصيصا يثير صدمة وجودية في سيكولوجية الشعب اليهودي خاصة  والغربي عامة.

 

فخلال زيارته إلى تل أبيب بعد السابع من أكتوبر، بدأ الرئيس جو بايدن تصريحاته في إسرائيل قائلاً: “قامت حماس بجرائم تذكرنا بأسوأ ما تعرض له العالم من شرور داعش، حيث أُطلق العنان ل نوع من الشر الخالص على العالم.”  ثم أكد أن هذا الشر “لا يمكننا عقلنته أو تبريره. نقطة.” و بعدها  أضاف، “كان بإمكان هذه الوحشية أن تحل بأي مكان بالعالم، لكنها حلت هنا، في إسرائيل. فأصبح السابع من أكتوبر، و الذي كان … يوما يهوديًا مقدسًا، أكثر يوم دموي للشعب اليهودي منذ المحرقة النازية.”

 

ملوثًا بالمصالح السياسية لإدارته في المنطقة، ذهب الرئيس بايدن أبعد من هذا إذ أعلن أن هذا الحادث “جعل من ذكريات مؤلمة وجراحًا تركتها آلاف السنين من معاداة السامية وإبادة الشعب اليهودي تعود للواجهة مجددا”. لكن بايدن تعمد أن لا يذكر أن معاداة السامية هذه هي نتاج غربي محض، كما أنه لم يتجرأ للإشارة على أن الاحتلال الإسرائيلي الغير قانوني للأراضي الفلسطينية قد بدأ 76 عامًا قبل السابع من أكتوبر. كيف يمكن له أن يفعل هذا ؟ اذ ان عدم اظهار صهيونيته بشكل كافي قد يعرض الكثير من المصالح الأمريكية إلى الخطر؟

 

و باتخاذ هذا الموقف المشين، يمكن اعتبار بايدن تتمة لعرف اسرائيلي قديم يتم فيه مقارنة الفلسطينيين بالنازيين. فقط في 12 من أكتوبر، عندما تمت مساءلة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت على شبكة سكاي نيوز حول قطع الكهرباء والوقود عن المستشفيات في غزة و التي تحتوي بدورها على حاضنات للرضع، دافع عن سياسة بلاده بالرد صارخا على مقدم البرنامج: “هل انت جدي بسؤالك عن المدنيين الفلسطينيين؟” ثم أضاف: “نحن نحارب نازيين هنا.”

 

و وسط هذه المقارنات الشنيعة،  يتم دفن سياق كامل عن حقيقة الاحتلال و التي دائما ما يتم حجبها كليا. فمن الواضح تمامًا أن قطع الكهرباء والوقود عن مستشفيات تقع داخل قطاع يضم 2.2 مليون نسمة و قصفها عمدا هو فعل إبادة جماعية. ومع ذلك، لم يثير قتل هؤلاء الرضّع الفلسطينيين نفس الهستيريا التي أحدثتها قصة قتل 40  طفلاً رغم زيفها.

 

 .  .   .   .

 

علاوة على هذا، نجد أن سياسة الخوف متجذرة بعمق في جدلية الثنائيات المانوية ل “الخير ضد الشر”  “نحن ضد الاخر”، و”الأخيار ضدّ الهمجيين”. فعندما يلجأ المسؤولون الإسرائيليون أو الأمريكيون لهذه الخطابات حول المقاومة الفلسطينية، فيجب أن نتأكد انهم  ينصبون أنفسهم  سيكولوجيا على الجانب الصالح من هذا المبدأ المانوي.

 

على سبيل المثال، فإنه ليس مفاجأة أن ينظر نتنياهو لعدوانه على غزة على أنه “صراع بين أبناء الظلام و أبناء النور، و بين الإنسانية وقانون الغاب”، كما عبّر في تغريدة  قام بحذفها فيما بعد. ومع ذلك، فإنه فقط عَبر خطاب خَوفٍ مماثل وتقسيمات ثنائية مثل هذه، يمكن لزعيم شعبوي مثله أن يشتت انتباه الإسرائيليين عن فشل حكومته.

 

و لا يفاجئنا أيضًا عندما يصر رئيس الامبريالية الامريكية، و التي تعلن عن نفسها للعالم، بمصطلحات مانوية أيضا، كزعيمة “للعالم الحر”، على قول أن حماس تمثل نوعا من “الشر الخالص.” بايدن هنا يقدم في طبق طازج جميع الأسباب المحتملة لتمكين المجزرة الاسرائيلية في غزة. يشكل هذا السرد في نهاية المطاف تصور المواطن الغربي العادي للصراع: اذ ان حماس هي شرّ خالص وإسرائيل هي ديمقراطية بريئة. و كنتاج مباشر لهذا المنطق المانوي،  يجب على الصالحين أن يقضوا على الشر.

 

كما أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاجاري، الذي يُعتبر وجه الدعاية الإسرائيلية طوال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، عندما أعلن بجرأة، في رسالة اعتبرها جيش الاحتلال الإسرائيلي هامة، أن “حماس مكرسة للموت والدمار بينما إسرائيل فمكرسة ومصممة على تقديس الحياة”.

 

لقد وصل تشويه الفلسطينيين إلى حدود قام فيها المسؤولون الإسرائيليون بالاستشهاد بمراجع عبرية من الإنجيل لتبرير إبادتهم في غزة. ففي محاولة أخرى لتحريك الخوف والكراهية اليهودية تجاه المقاومة الفلسطينية، استشهد بنيامين نتنياهو بقصة أماليك العبرية. وفقا لتعاليم الكتاب المقدس، فقد تم أمر بنو اسرائيل  بمسح قوم اماليك عن وجه الأرض كفعل  انتقامي منهم. داعيًا إلى حرب مقدسة لإبادة سكان غزة، استشهد نتنياهو بالعبرية قائلا: “يجب أن تتذكروا ماذا فعل أماليك بكم، كما يقول كتابنا المقدس. ونحن نتذكر.”

 

و كما جاء في تحليل المؤرخ نورمان فينكلستين،  فإنه “عندما تعتبر أن عدوك هو أماليك”، في خضم صراع، وفي بلد متطرف و مكرس على تعاليم الكتاب المقدس، “فإنك تدعو إلى تدمير وقتل كل رجل وامرأة وطفل.”

 

عند النظر إلى هذه الوصف المرعب للفلسطينيين من قبل قادة إسرائيل وأنصارهم في الغرب، فلا عجب أن العديد من الإسرائيليين أو الامريكيين يجدون اقتراح وزير التراث الإسرائيلي، اليميني المتطرف أميخاي إيلياهو، بـ “إسقاط قنبلة نووية” على غزة خيارًا معقولا أيضًا.

 

و كما حدث مع إدارة جورج بوش، هذا اللجوء اليائس إلى الخوف و شيطنة المقاومة  هو فرصة حكومة نتنياهو الوحيدة للبقاء على قيد الحياة سياسيًا. إذ يمكن القول أن الخوف هو  الذي أطال مساره السياسي في المقام الأول، وكان الخوف هو الذي جنبه  عزلا بدا محتوما لولا أحداث السابع من أكتوبر.

 

نتنياهو على علم تام أنه في أوقات الخوف، يستنجد المواطنون بأي شخص يقدم نفسه لهم كَمُخَلص. ولذلك، لجأ إلى سياسة الخوف لحماية نفسه من الاحتقان المتراكم لدى المواطنين الإسرائيليين تجاه حكومته الفاشلة. و ليس من المفاجئ ابدا كون حكومته عارضت أي نوع  من صفقات الهدنة وذلك لتمديد  بقائه في السلطة. بل اكثر من هذا، رفضت حكومة نتنياهو الانصياع لقرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن في 25 من مارس وقررت الاستمرار في جرائمها في غزة و سعيها لضم رفح وتهجير الفلسطينيين منها.

 

و كنتيجة حتمية لخطاب الخوف هذا، تم وضع جميع الفلسطينيين داخل نفس إطارات الإرهاب التي يوضع فيها أفراد حماس. وبالتالي، يتم تبرير الجرائم في حقهم كعقوبة جماعية لهم لتصويتهم على حماس و السماح لهم بحكم غزة منذ 2006.

 

و من ناحية أخرى، عندما ننظر إلى الفلسطينيين أنفسهم، فهم شعب أعزل، مسلوب الحق في دولة مستقلة ذات سيادة خاصة به، وبالتالي، ليس للفلسطينيين جيش للدفاع عنهم من اعتداءات قوى الاحتلال المتكررة. اذا، ظهور أي مجموعة أو أفراد مسلحين  في غزة على وجه الخصوص ليس اختيارًا؛ بل هو الخيار الوحيد المتاح لهم للدفاع عن أنفسهم ضد الاحتلال وسياساته.

 

بل أكثر من هذا، يعترف القانون الدولي بحق أي جماعة أو شعب  قابع  تحت أي احتلال غير شرعي  في الدفاع عن نفسه، ولو عبر المقاومة المسلحة، طالما أنهما لا تستهدف عمدا المدنيين الأبرياء. فبالتأكيد، لدى الفلسطينيين الحق في الدفاع عن أنفسهم ضد أي مكون من مكونات الاحتلال الإسرائيلي؛ سواء كانوا مستوطنين مسلحين، جماعات اليهود المتطرفين أو جيش الاحتلال الإسرائيلي. لكن من المؤسف أن يتم تشويه حقهم في الدفاع عن أنفسهم وتصويره بدلاً من ذلك كفعل إرهابي وشر خالص.

 

لكن حقيقة الأمر هي أن كل جبهة تحريرية يتم تسميتها من قبل الجهة التي تحتلها ككيان شرير. فقد تم تصنيف المغاربة والجزائريين كمتوحشين لمقاومتهم الاستعمار الفرنسي، وتم تصنيف نلسون مانديلا كإرهابي لاستنكاره نظام الفصل العنصري، و الآن يتم تصنيف الفلسطينيين كإرهابيين و نازيين لمقاومتهم للصهيونية الإمبريالية. و على الرغم من أن إسرائيل تدعي أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، فإن سياسة الخوف تلعب دورًا حاسمًا في الممارسة السياسية لقادتها منذ نشأتها.

 

للأسف، تمكنت إسرائيل ووسائل الإعلام الغربية من إقناع العالم بأنه يجب عليه أن يخشى المقاومة الفلسطينية ويدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضدها، بدلاً من العكس. وهذا مثال جلي على حكاية يتم سردها بالبدء بـ “ثانيًا”.

 

في النهاية، يظل التوصل لأي حل سياسي في فلسطين غير ممكن إلا بعد التخلص من سياسات الخوف والكراهية، واعتماد اللغة الإنسانية للتسامح. في الوقت الحالي، لا يشير الوضع إلى أن الفلسطينيين سيحصلون على دولتهم المستقلة في أي وقت قريب، على الأقل ليس مع نتنياهو في السلطة، حيث أن فلسطين محتلة تخدم مصالح القوى المهيمنة بشكل أفضل.  لكن إذا كان سيتم حرمانهم من حقهم في تقرير المصير، فإن أقل ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي هو منحهم كرامة الموت كشهداء من أجل التحرير، وليس كإرهابيين لا نعي بجودهم سوى في مؤشرات حصيلة القتلى.

نشر هذا النص في الأصل بالإنجليزية على موقع Countercurrents.org

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.