مراجعة مدونة الأسرة و إشكالية الأصالة و المعاصرة وضرورة استحضار البعد المقاصدي

العرائش نيوز:

تعتبر الأسرة اللبنة الأولى لبناء المجتمع، ودعامته الأساسية المرأة التي تصنع الأجيال، فبين أحضانها يتعلم الأطفال أول خطواتهم ليصبحوا فيما بعد رجال ونساء المستقبل، كما تساهم في وقتنا الحالي إلى جنب الرجل في كل أوجه النشاط السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي.
وقد عرفت وضعية المرأة ببلادنا خلال السنوات الأخيرة عدة تحولات تمثلت في الكثير من المستجدات المليئة بالدلالات:
* تعيين مجموعة من النساء في مناصب سامية، أهم هذه المناصب، مستشارة جلالة الملك، وزيرة، مندوبة سامية، مكلفة بمهمة في الديوان الملكي، سفيرة لدى اليونسكو، قاضية بالمجلس الدستوري، رئيسة محكمة …، إضافة إلى انتخاب النساء كنائبات في البرلمان بغرفتيه ، وهو ما يدل ويبين أن هناك إرادة حقيقية لدعم وضعية النساء باعتبارهن شقائق الرجال.
ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن جميع البلاد الإسلامية يكتسي النقاش حول وضعية المرأة حساسية مفرطة، نظرا لخصوصية هذا الموضوع ولارتباطه بعدة معطيات دينية و حضارية.
ويلاحظ أن تأثير الفقه المالكي كان جد واضح في اول مدونة للأحوال الشخصية، ويستمر هذا التأثير مع انفتاح المشرع الأسري على بعض المذاهب الأخرى و خصوصا منها الحنفي متى تبين أن اعتماه سيرتقي بوضعية المرأة داخل الأسرة هذا مع جرأة لابأس بها في الأخذ بقواعد الإجتهاد حسب تطور المجتمع و العصر مع مراعاة النصوص القطعية للدين الإسلامي.
و الذي يعزز حساسية القوانين المرتبطة بالأسرة لارتباطها بالهوية، هو النقاش الحاد الدائر حولها، فالتنظيمات النسائية تعتبر أن مصادقة المغرب على مجموعة من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وخصوصا اتفاقية القضاء على جميع أشكال الميز ضد المرأة، من الواجب عليه ملاءمة تشريعاته كليا معها، ومنها ما يتعلق بميدان الأسرة، ويقوي من طرحها كون دستور المملكة يعترف بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا.
أما تنظيمات الإسلام السياسي فترى أن مقتضيات الاتفاقيات الدولية تتعارض مع الإسلام، ويقوي من طرحها كون المغرب ارفق توقيعه ببعض التحفظات باسم الإسلام، إضافة إلى نص الدستور على أن الدين الإسلامي من ثوابت الأمة.
وضمن هذا الإطار تظهر إشكالية الأصالة و المعاصرة، ومن هنا يرى بعض الباحثين و المفكرين ضرورة استحضار البعد المقاصدي من أي إصلاح أو تغيير أو مراجعة تستهدف قوانين اجتماعية ذات بعد هوياتي في محاولة للتوفيق بين تنائية الحفاظ على المقومات الإسلامية للمجتمع و ضرورة الانفتاح على العصر و مراعاة تطور المجتمع و وضعية المرأة داخله.
مستندين في ذلك على أن الشريعة الإسلامية لما كانت عبارة عن أحكام تكليفية و أخرى وضعية، وكانت هذه الأحكام لا تنفك عن مقاصدها التي من أجلها شرعت، لأنه من غير المعقول أن يكلف المخاطب بأعمال لا تستهدف منها أية غاية، و المقصد الأسمى من الخطاب الشرعي هو سعادة المجتمع.
و الملاحظ في كل هذا النقاش، أن التركيز ينصب على وضعية المرأة داخل الأسرة و علاقتها بالرجل، في حين أن الأسرة تتكون كذلك من الأطفال و الأبناء، التي من المفروض أن يشملهم تشريع أسري يلائم مصلحتهم الفضلى بتعزيز روابط المودة و الرحمة و حقهم في العيش داخل كنف الأسرة يحظون من خلالها بعطف الأم و رعاية الأب في تكامل، و هو ما يستدعي أن تفكر مقترحات المراجعة في سبل الحفاظ على كيان الأسرة و التقليل من نسب وحالات انحلال ميثاق الزوجية و آثارها السلبية على تربية و تكوين الأطفال.
ومن كل ما سبق نرى أن مؤسسة إمارة المؤمنين بحمولتها الدينية هي صمام أمان وحدة المجتمع و الحكم بين كل فئاته، وهو ما نستشفه أن جلالة الملك حفظه الله قد وضع الإطار العام لمراجعة مدونة الأسرة، بأركان الإجتهاد و تطور المجتمع تحت قاعدة عدم تحريم الحلال ولا تحليل الحرام.
ذ/ عبد الحميد العباس


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.