فن الحلقة بالمغرب: “العرائش و مراكش نموذج”

العرائش نيوز:

 

حين نتكلم عن الفن فيجب أن لا ننسى فن الحلقة والفرجة ورواده والتي كانت مدينتنا تزدهر بها طول السنة وكان السوق الصغير بالمدينة القديمة (العرائش) الذي بناه السلطان مولاي محمد إبن عبدالله في القرن الثامن عشر يعرف رواجا فنيا منقطع النظير وكذلك تجاريا حيث ينشط ما بين صلاة العصر وصلاة المغرب.كان السوق الصغير كما يسميه أهل المدينة المكان الوحيد الذي نجتمع فيه من أجل الفرجة والإستفادة ولم يكن أنذاك أي وسيلة للترفيه سوى قناة تلفزية يتيمة تسيرها وزارة الداخلية ولم يكن هناك هواتف ذكية أو أي شيء من التكنولوجيا الحديثة..كان السوق الصغير مسرحا كبيرا يرتاده سكان المدينة ليتمتعوا بالعروض المقدمة من طرف شيوخ الحلقة من كل الأطياف ومازلت أتذكر منهم عتاد فن الحلقة مثل (ولاد حليمة العويرة للفن الشعبي والعيطة المرساوي ،وولاد أحمد وموسى لألعاب الجينباز والألعاب البهلوانية وبريكيدم ومول القرد ومول الخيط وصاحب قفازات الملاكمة والفرق الكناوية ولا يمكنني أن أنسى ذلك الشيخ الملقب بمولاي علي والذي كان يحكي قصص الأزلية والعنترية لثلاث ساعات متتالية بدون توقف والجميع مندهش لجمالية طريقة الحكي والسرد والتسلسل في الأحداث).مات سوق الصغير بموت فن الحلقة ورواده رحمة الله عليهم جميعا ولم يبقى في المغرب سوى ساحتين فقط ،ساحة الهديم بمكناس وساحة جامع الفنى بمراكش وهي كذلك تعاني من سوء التسيير والإهمال الذي يعانونه الحلايقية القلائل الموجودون في الساحة والذين يعدون على رؤوس الأصابع وكان لي الشرف في اللقاء بإحدى الفرق الغيوانية بقيادة مولاي الطاهر في أخر زيارة لي لمراكش الحمراءصيف هذه السنة الذي مازال يصارع من أجل البقاء كما جالستهم في حلقتهم من أجل الإستفادة من الكلام الموزون الذي يتغنون به .أخدت مقعدي بجانب تلك السيدة الخمسينية والتي مازالت تقدم ما لديها من فن الظاهرة الغيوانية لسنين طويلة وهي شاهدة على الساحة وروادها ،تكلمت والدموع تسبقها على فطاحلة الساحة من دكتور الحشرات وباقشيش والتمساح ومول الحمام والمطرب الشعبي الشهير الملقب بكيلي جولي والتي قيل لي أن حلقته كانت تجلب المئات من المحبين له حيث كان له مونولوك جميل يجمع بين الغناء و التمثيل الفكاهي ونحن في هذا الحوار الشيق فإذا بأحد معتزلي هذا الفن الراقي يلتقط الكلام ويقول بأنه كان يشاهد أكبر الكتاب العالميين والفنانين المسرحيين كانوا يزورون الساحة منهم الطيب الصديقي وبالقاص والممثل العربي الدغمي وغيرهم ولاحظ مرارا وتكرارا أن كلام الحلقة يمر عبر التلفاز من خلال المسرحيات والأفلام التي تقدم عبر الإداعة والتلفزيون .لم يستفد هؤلاء من هذا المكان التاريخي والذي صنف مؤخرا كفضاء تاريخي وتراث شفاهي من طرف منظمة اليونسكو ،إلا أن وزارة التقافة ووزارة السياحة كان لها رأي اخر ألا وهو التهميش والامبالات لهذه الشريحة المهمة من الفنانين الفقراء الذين أعطوا الكثير لمراكش وللمغرب ولولاهم لما زار هذا الكم الهائل من السياح كل سنة لمراكش الحمراء.توفي الواحد تلو الأخر من ممتهني فن الحلقة ولم يتركوا لنا الخلف وتحولت الساحة إلى مجمع تجاري للمأكولات الشعبية وأصحاب بيع الفواكه الجافة والباعة المتجولون وعم الهرج والمرج وسادت فوضى عارمة والغلبة هنا للأقوى في غياب تام للوزارة الوصية والسلطات المحلية.رحم الله الكاتب الكبير إبن العرائش عبدالصمد الكنفاوي الذي كان يستلهم كتاباته من فن الحلقة كمسرحية بوكتاف وساهم في الأغنيةالغيوانية والحمدلله أنه توفي قبل أن يشاهد هذا العفن الفني في مدينتنا اليتيمة.كان الرجل لا يبخل على الممثلين والكتاب العرائشيين بالعطاء المادي والمعنوي وكان لهم السند ويعتبر من المؤسسين للمسرح العرائشي بجانب المسرحي الشهير داخل الأوساط العرائشية السيد حسن لمراني الغني عن التعريف بفرقته الدائعة الصيت أنذاك والتي كانت تحتوي على ممثلين أكفاء كعبدالسلام الكوش وعبد المولى الزياتي والشيسطر والحاج الدراوي وبا عباس وغيرهم من أبناء المدينة كل هؤلاء قدموا الكثير ورحلوا عنا بدون أن يحدثوا أي ضجيج .ثم نسيانهم وكأنهم لم يكونوا بيننا يوما ما.فكيف يعقل اليوم أن يتم إقصاء فنانين المدينة ومبدعيها الشباب من كتاب ومسرحيين وزجالين ومطربين من العيار الثقيل والمشهود لهم بالكفاءة والعطاء في جل الميادين حيث تكالب عنهم من بيدهم زمام الأمور فكان مصير هؤلاء هوالإقصاءوالتهميش من جل المهرجانات التي تقام فوق أرضهم أو مطالبتهم في أحسن الأحوال بالمشاركة بالمجان بينما تقدم الملايين من الدراهم من جيوب دافعي الضرائب لأناس لاعلاقةلهم بالفن لامن قريب ولا من بعيد يلوثون مسامعنا بأغانيهم الرديئة وأصواتهم المزعجةالتي لا تتناسب مع مدينتنا المحافظة أهلها ونحن نقول إن لم تستحيو ففعلوا ما شئتم. -عبدالإله المجدوبي


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.