لماذا اهتم جان بول سارتر بجان جيني، بينما لم يهتم به دولوز وبارت وفوكو وكريستيفا؟

العرائش نيوز:

اهتمام جان بول سارتر بجان جيني لم يكن مجرد فضول أدبي أو نزوة فلسفية، بل كان موقفًا وجوديًا وأخلاقيًا وفكريًا عميقًا. رأى سارتر في جيني تجسيدًا حيًا للفرد المتمرد، للذات التي تعيد اختراع نفسها في مواجهة النبذ الاجتماعي، وللكائن الذي يصنع من قبح العالم شعرًا ومن الجريمة لغة ومن النفي هوية. هذا ما دفعه لتأليف كتابه الضخم “سانت جيني، قديس ولص وشاعر”، حيث منح جيني مقامًا نادرًا في فلسفة الحرية والخلق الذاتي.
أما بالنسبة لدولوز وبارت وفوكو وكريستيفا، فرغم تقاطع أفكارهم مع عوالم الهامش والرغبة واللغة والسلطة، فإنهم لم يمنحوا جيني ذلك التركيز أو القراءة الموسعة. السبب لا يكمن في تجاهل أو رفض مباشر، بل في اختلاف زاوية الرؤية والسياق النظري. جيني كان مفرطًا في شخصيته، في ذاتيته، في اشتغاله على “الأنا” كخرافة شعرية متوحشة، بينما كان هؤلاء المفكرون ينزعون نحو تفكيك الأنا، ونحو بنى الخطاب والسلطة والمعنى. فوكو، مثلاً، اهتم بجيني بشكل عابر في إطار تحليله للجنس والجريمة، لكن لم يحتله كموضوع رئيس كما فعل مع ساد أو نيتشه أو أرشيف السجون.
كذلك فإن كتابات جيني، المغرقة في البوهيمية المظلمة والرغبة المثلية واللغة الرمزية، لم تكن قابلة دائمًا للموضعة ضمن أنساق تحليلية مثل السيميولوجيا (بارت) أو التحليل الخطابي (كريستيفا). ربما أيضًا لأن جيني كان شاعرًا مقاومًا للتأطير، يحيا في نثره أكثر مما يُحلل، ويقارع اللغة أكثر مما ينتج نظامًا يمكن تفكيكه. كان مفرطًا في فرديته، وهذا ما جذب سارتر الوجودي ونفّر من هم أكثر ولاءً لبنية اللغة والخطاب.
في النهاية، كان جيني شاعر الضياع والجريمة والفقد، وكان سارتر فيلسوف الحرية والمشروع الفردي، فالتقيا. أما الآخرون، فرأوا فيه أطيافًا تمر، لا موضوعات تفكيك أو بناء.
-يوسف السباعي

شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.