مرسى العرائش: حيث التسامح والتدافع الحضاري في تاريخ المغرب

العرائش نيوز:

يمثل تاريخ الموانئ المغربية نافذةً مشرعةً على تفاعل الحضارات وتدافعها، وتكشف الوثائق التاريخية عن طبقات متعددة من العلاقات الدولية والسياقات المحلية. وفي هذا الإطار، يبرز ظهير سلطاني شريف صدر عن السلطان العلوي مولاي سليمان عام 1208 هـ (1794م) كشاهد حي على سياسة التسامح الديني التي انتهجها المغرب في علاقاته مع القوى الأوروبية، قبل أن تتحول هذه السياسة لاحقًا مع تغير الظروف.

الظهير الشريف: عقد تسامح في زمن الاضطراب

يأتي هذا الظهير، الذي صدر بعد عامين فقط من تربع مولاي سليمان على عرش المملكة، في سياق تاريخي دقيق. فالمغرب كان يحافظ على علاقات دبلوماسية وتجارية مع عدة ممالك أوروبية، لا سيما إسبانيا. ينص الظهير بشكل واضح وصريح على “تجديد” وتأكيد الامتيازات التي منحها أسلافه من السلاطين العلويين للرهبان المسيحيين الإسبان (“الفرايلية من جنس الاصبنيول”).

وتتمثل هذه الامتيازات في:

· الإعفاء من الرسوم الجمركية: “إسقاط الكلف اللازمة في مراسي إيالتنا السعيدة عنهم”.
· حرية التنقل والتجارة: ضمان عدم تفتيش أمتعتهم (“فلا تفتش صناديقهم ولا تمتد الأيدي إليها”) وتمكينهم من الدخول والخروج والإقامة دون عوائق (“لا يحال بينهم وبين ما يريدون”).
· الحماية في الموانئ الرئيسية: حيث شمل الحكم موانئ طنجة وتطوان والعرائش وسلا، مما يدل على الأهمية الاستراتيجية لمرسى العرائش كواحد من محطات التجارة والاتصال الرئيسية مع العالم الخارجي.

بين الطابع الرمزي والمتن: رسالة سياسية ودينية

لا يقتصر أهمية هذا الظهير على مضمونه القانوني فحسب، بل يمتد إلى شكله الرمزي البليغ. فـ الطابع الشريف الذي يزوجه يحمل في طياته رسالة هوية عميقة. إن وجود النجمة السداسية واسم السلطان في الوسط، محاطًا بأسماء الخلفاء الراشدين (أبو بكر، عمر، عثمان، علي) وشهادة التوحيد (“لا أومن إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت”)، يرسخ شرعية الحاكم كخليفة للمسلمين وزعيم لأمة إسلامية. إنه يجمع بين السلطة الزمنية (“سليمان بن محمد”) والسلطة الروحية (أسماء الصحابة وشهادة التوحيد). هذا المزيج بين منح الامتيازات للأجانب مع التأكيد على الهوية الإسلامية يشير إلى سياسة واعية تقوم على القوة والثقة بالنفس، حيث يكون التسامح نابعًا من موقع قوة وليس ضعف.

التحول: من التسامح إلى الترحيل

لكن قصة هذا التسامح لم تكن خطًا مستقيمًا. يشير النص إلى أن السلطان مولاي سليمان، “بعد أن ظهر له خطرهم على الدين والعقيدة ببلاد ملكه”، أمر بترحيلهم ومن بينهم البعثة المسيحية الفرانسيسكانية من مرسى العرائش. هذا التحول الجذري يعكس التدافع الحضاري والديني الذي ميز تلك الفترة. فتنامي الأنشطة التبشيرية التي هددت الثوابت الدينية للمجتمع المغربي، جعلت السلطة تنتقل من منطق المصالح التجارية والدبلوماسية إلى منطق حماية الحوزة الدينية والهوية الوطنية. وهو قرار يظهر أولوية الحفاظ على السلامة العقائدية للمجتمع عندما يشكل الوجود الأجنبي تهديدًا لها.

الآثار المادية: كنيسة سان خوسيه شاهد صامت

تبقى كنيسة القديس سان خوسيه في العرائش، الواقعة بحي “كايي ريال” بين درب الحارثي ودرب الرزامي، أثرًا ماديًا صامتًا على هذه الحقبة التاريخية الغنية. إنها لا تذكرنا فقط بفترة التسامح في عهد مولاي سليمان، بل أيضًا بعودة هذه البعثات خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في سياق تاريخي مختلف تمامًا، تميز بتزايد النفوذ الأوروبي والمطامع الاستعمارية.

ظهير مرسى العرائش ليس مجرد وثيقة أرشيفية، بل هو قصة مصغرة عن سياسة المغرب المتزنة في تعامله مع الخارج. فهو يروي لحظة من لحظات الانفتاح الحذر القائم على المنفعة المتبادلة والثقة، ثم التحول إلى الحماية والدفاع عن الهوية عندما دعت الضرورة. thus, تظل هذه الوثيقة تذكيرًا بقدرة الدولة المغربية، عبر تاريخها الطويل، على المناورة بين متطلبات الانفتاح العالمي وضرورات الحفاظ على السيادة والهوية.

– صورة الوثيقة عن صفحة شكيب الانجري


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.