حين يصبح “المؤثر” طبيبا: الوجه المظلم للنصائح الطبية على مواقع التواصل

العرائش نيوز:

في ظل التحول الرقمي المتسارع، تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات موازية للاستشارة الطبية، حيث باتت النصيحة الصحية تقدّم في مقطع قصير أو منشور عابر، دون سند علمي أو رقابة مهنية. هذا الواقع أفرز خطرا متناميا يتمثل في انتشار المعلومات الطبية المغلوطة، التي لا تهدد سلامة الأفراد فحسب، بل تمسّ الأمن الصحي للمجتمع ككل.

اليوم، يكفي مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة ليدفع مريضا بالسكري إلى التخلي عن الأنسولين وتعويضه بـ”مغلي أعشاب”، أو ليقنع مصابا بارتفاع ضغط الدم بأن الدواء “سمّ بطيء” يجب التوقف عنه فورا. وهناك من يروّج لاستخدام مواد تنظيف، أو مكملات مجهولة المصدر، أو خلطات عشبية غير خاضعة لأي مراقبة، باعتبارها علاجات “مذهلة” للسرطان والالتهابات الخطيرة، والنتيجة؟ حالات تسمم، فشل كلوي، نزيف داخلي، وتأخر قاتل في التشخيص والعلاج.

الأكثر فداحة، هو العبث بصحة الأطفال، فقد انتشرت دعوات صريحة على المنصات الرقمية لمقاطعة التلقيح، تحت شعارات زائفة من قبيل “المناعة الطبيعية” و”المؤامرة الطبية”. هذه الادعاءات، التي يفتقد أصحابها لأي أساس علمي، تسببت في تراجع الإقبال على اللقاحات، وفتحت الباب أمام عودة أمراض معدية ظنّ العالم أنه تجاوزها، إنها جريمة غير مباشرة في حق الصحة العامة.

ولم يسلم حتى المرض النفسي من هذا التضليل، إذ تنشر نصائح خطيرة تدعو مرضى الاكتئاب والقلق إلى التوقف عن الأدوية “لأنها تدمّر الدماغ”، مع الترويج للتأمل أو الأعشاب كحل وحيد. أطباء يحذّرون من أن التوقف المفاجئ عن الأدوية النفسية قد يؤدي إلى انتكاسات حادة، ميول انتحارية، أو انهيارات نفسية يصعب تداركها.

ما يجعل هذا الخطر مضاعفا هو أن هذه الأكاذيب تقدم في قالب جذاب، مدعوم بتجارب شخصية وشهادات عاطفية، تغري المتلقي وتمنحه وهم الأمان. لكن الحقيقة الصادمة هي أن التجربة الفردية ليست علما، والمشاهدات ليست دليلا طبيا، وعدد المتابعين لا يصنع خبيرا.

إننا أمام فوضى صحية رقمية، يدفع ثمنها المواطن البسيط، وتتحمل تبعاتها المستشفيات والطاقم الطبي الذي يستقبل حالات متدهورة كان يمكن تفاديها بسهولة. وبينما يلهث البعض وراء “الوصفة السحرية”، يضيع الوقت الثمين الذي قد ينقذ حياة إنسان.

أمام هذا النزيف الصامت، يصبح الصمت تواطؤا. الإعلام المهني مطالب بكشف هذا التضليل بلا مجاملة، والمنصات الرقمية مطالبة بتحمّل مسؤوليتها الأخلاقية، والمواطن مدعو إلى التوقف عن لعب دور “فأر التجارب” في قضايا تتعلق بحياته وصحة أسرته.

الصحة ليست مجالا للعبث، ولا ساحة للاستعراض، فمعلومة طبية واحدة مغلوطة، قد لا تحصد الإعجابات فقط… بل قد تحصد الأرواح أيضا.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.