اليوم العالمي للتعليم… أيّ مدرسة نريد للمغرب؟

العرائش نيوز:

يخلّد العالم، في الرابع والعشرين من يناير من كل سنة، اليوم العالمي للتعليم، باعتباره حقا إنسانيا أساسيا، ورافعة مركزية لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء المجتمعات العادلة، وضمان تكافؤ الفرص بين الأفراد. ويأتي هذا اليوم ليذكّر الدول، وفي مقدمتها البلدان النامية، بأن الاستثمار الحقيقي لا يكون إلا في الإنسان، ولا يُصنع الإنسان إلا بتعليم جيد، منصف، ودامج.

ورغم التقدم المحرز عالميا، تشير تقارير دولية إلى أن نحو 265 مليون طفل حول العالم ما يزالون خارج أقسام الدراسة، بسبب الفقر والنزاعات والهشاشة الاجتماعية وعدم تكافؤ الفرص بين الجنسين والمناطق. وهو رقم صادم يعكس حجم التفاوتات التعليمية عالميا، ويجعل من اليوم العالمي للتعليم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل محطة للتذكير بمسؤولية المجتمع الدولي في ضمان الحق في التعليم للجميع، دون تمييز أو إقصاء.

في السياق المغربي، يتزامن الاحتفاء بهذا اليوم مع تنزيل إصلاحات تعليمية متواصلة، توجت بإطلاق خارطة الطريق 2022–2026، التي ترفع شعار “مدرسة عمومية ذات جودة للجميع”. ورغم التقدم المسجل في تعميم التمدرس والحد من الهدر المدرسي نسبيا، فإن المدرسة المغربية ما تزال تواجه اختلالات بنيوية، في مقدمتها ضعف التعلمات الأساسية، والتفاوتات المجالية، وإشكالية ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق الشغل.

ومن بين أبرز مداخل الإصلاح التي أثارت نقاشا واسعا، مشروع “مدارس الريادة”، الذي راهنت عليه وزارة التربية الوطنية باعتباره نموذجا بيداغوجيا جديدا يهدف إلى تحسين التعلمات، خاصة في المستويات الأولى من التعليم الابتدائي، عبر مقاربات تدريس حديثة، ودعم تربوي مكثف، وتتبع دقيق لمستوى التلاميذ.

غير أن هذا المشروع، الذي قدم كرافعة لإصلاح المدرسة العمومية، لم يمر دون جدل وانتقادات. فبينما يعتبره مؤيدوه تجربة واعدة من شأنها الرفع من جودة التعلمات والحد من الفشل الدراسي، يرى منتقدوه أنه يكرّس نوعا من التمييز داخل المدرسة العمومية نفسها، ويطرح إشكالات تتعلق بتكافؤ الفرص، وانتقائية الاستفادة، إضافة إلى الضغط المتزايد على الأطر التربوية، وغياب تقييم مستقل وشفاف لنتائجه الأولية.

كما أثار تعميم النموذج تساؤلات حول جاهزية البنيات التحتية والموارد البشرية، خاصة في العالم القروي، حيث تعاني العديد من المؤسسات التعليمية من خصاص في التجهيزات والاكتظاظ، ما يجعل تنزيل نموذج موحد أمرا محفوفا بالتحديات. ويذهب بعض الفاعلين التربويين إلى أن نجاح أي تجربة إصلاحية يظل رهينًا بتحسين أوضاع المدرسين، وتوفير ظروف عمل ملائمة، بدل الاقتصار على تجارب نموذجية محدودة الأثر.

وفي هذا السياق، يظل المدرّس في صلب معادلة الإصلاح، باعتباره الفاعل الأساسي في تنزيل أي مشروع تربوي. فلا يمكن الرهان على نماذج جديدة أو مقاربات مبتكرة دون إشراك فعلي لهيئة التدريس، وتحفيزها، وضمان تكوين مستمر يواكب التحولات البيداغوجية والرقمية.

إن اليوم العالمي للتعليم يشكل مناسبة ليس فقط للاحتفاء، بل لفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول مستقبل المدرسة المغربية، وحول مدى قدرة السياسات العمومية على إرساء تعليم منصف وذي جودة، لا يكرس الفوارق، بل يقلصها. فالتعليم، في نهاية المطاف، ليس مجرد أرقام ومشاريع، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان، وضمانة أساسية للاستقرار والتقدم.

وبين الرهانات المعلنة والواقع الميداني، يبقى السؤال مطروحا بإلحاح: هل تنجح الإصلاحات، بما فيها “مدارس الريادة”، في استعادة الثقة في المدرسة العمومية، وجعلها رافعة حقيقية للارتقاء الاجتماعي؟ سؤال مفتوح، تفرض الإجابة عنه إرادة سياسية صادقة، وتقييما موضوعيا، وإشراكا فعليا لكل المتدخلين في المنظومة التربوية.

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.