المجلس الوطني لحقوق الإنسان يصدر تقريره الأولي حول تدبير الفيضانات: دعوة صريحة لمقاربة حقوقية شاملة
العرائش نيوز:
أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقريره الأولي حول تدبير الفيضانات التي شهدتها مؤخراً مناطق متفرقة من المملكة، خاصة في الشمال والغرب. التقرير، الذي استند إلى معاينات ميدانية قامت بها اللجان الجهوية للمجلس، حمل رؤية نقدية بناءة، وأكد على ضرورة التعامل مع الكوارث الطبيعية في إطار مقاربة تضع حقوق الإنسان والكرامة في صلب كل التدخلات.
التقرير الذي جاء في عدة محاور أساسية، لم يكتف برصد تداعيات الفيضانات على البنية التحتية والممتلكات، بل انطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن ضمان حقوق المتضررين في جميع مراحل التدبير، من الإنذار المبكر إلى الإغاثة، وصولاً إلى إعادة البناء والتعويض؟
جاء في التقرير أن الفيضانات أحدثت خسائر مادية جسيمة طالت مساحات فلاحية واسعة، وشبكات طرق رئيسية وثانوية، مما تسبب في عزلة العديد من القرى والمراكز الحضرية الصغيرة. كما تضررت شبكات التزود بالماء الصالح للشرب والكهرباء في عدة مناطق، مما طرح إشكالية الحق في الخدمات الأساسية حتى في أوقات الأزمات. التقرير لفت الانتباه إلى أن الأضرار طالت منازل تقليدية بدرجات متفاوتة، بعضها انهار جزئياً أو كلياً، مما استدعى تدخلاً عاجلاً لتوفير الإيواء المؤقت للأسر المتضررة.
في محور الإنذار المبكر، سجل التقرير أن النشرات التحذيرية صدرت بشكل رسمي، لكنه أثار تساؤلاً جوهرياً يتعلق بمدى وصول هذه المعلومات إلى جميع الساكنة، خاصة في المناطق النائية. التقرير شدد على أن الحق في المعلومة في حالات الكوارث ليس مجرد إجراء إداري، بل هو حق أساسي يسمح للأفراد بحماية أنفسهم وممتلكاتهم. وأوصى بتعزيز آليات التواصل مع المواطنين، وتطوير وسائل إنذار مبكر تصل إلى الجميع بلغة واضحة ومفهومة.
أما بخصوص مرحلة الإغاثة، فأشار التقرير إلى التعبئة الملحوظة للسلطات العمومية والمصالح اللاممركزة، مع تدخل القوات المسلحة الملكية والسلطات المحلية لإنقاذ العالقين وإعادة فتح الطرق. غير أن التقرير دعا إلى ضرورة أن تراعي عمليات الإيواء المؤقت معايير الكرامة الإنسانية، وألا تقتصر على توفير مأوى عشوائي، بل أن تضمّن فضاءات تحترم خصوصية الأسر، خاصة النساء والأطفال.
التقرير أولى اهتماماً خاصاً للفئات الأكثر هشاشة. جاء في التقرير أن النساء والأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة هم الأكثر تضرراً من تداعيات الفيضانات، سواء من حيث صعوبة الولوج إلى الخدمات أو من حيث الحماية داخل مراكز الإيواء. وأوصى بضرورة أن تدمج جميع برامج الإغاثة وإعادة البناء مقاربة النوع الاجتماعي ومقاربة الإعاقة، لضمان حماية متساوية للجميع.
في الشق المتعلق بالتعويضات، دعا التقرير إلى ضرورة أن تكون عمليات إحصاء الأضرار شفافة وسريعة، وأن تشمل جميع المتضررين دون تمييز. الحق في جبر الضرر، يؤكد التقرير، هو حق أساسي، وأي تأخير أو بيروقراطية في صرف التعويضات يشكل إخلالاً بالتزامات الدولة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
الخلاصة المركزية التي خرج بها تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، هي أن ما بعد الفيضانات يجب ألا يكون استمراراً لما قبلها. التقرير دعا إلى الانتقال من منطق “تدبير الكوارث” التفاعلي إلى منطق استباقي قائم على الوقاية والتخطيط. وشملت توصياته ضرورة إعادة النظر في خرائط التعمير بالمناطق المعرضة للخطر، وتعزيز مقاومة البنية التحتية والمساكن للتقلبات المناخية، وإشراك المجتمع المدني والساكنة في وضع مخططات الطوارئ والتنمية المحلية.
تقرير المجلس، برؤيته الحقوقية الواضحة، يذكر الدولة والمؤسسات بأن الكوارث الطبيعية ليست قدراً محتوماً فقط، بل هي اختبار حقيقي لمدى نضج السياسات العمومية في حماية كرامة المواطنين. فالاستجابة الطارئة واجب، لكن الوقاية حق، وإعادة البناء فرصة لتصحيح الاختلالات وضمان مستقبل أكثر أماناً للجميع.
