العرائش نيوز:
في زمن باتت فيه الرقمنة معياراً أساسياً لقياس تقدم الأمم وتطور قطاعاتها الحيوية، يشهد المغرب قفزة نوعية جديدة تضع قطاع الصيد البحري على سكة الحوكمة والشفافية. ففي خطوة استباقية تعكس الالتزام الجاد بتحديث آليات التسويق البحري، أعلن يوم السبت 14 مارس 2026 عن اكتمال المرحلة النهائية من مشروع رقمنة سوق السمك للبيع الأول بميناء العرائش. هذا الإنجاز الذي يوجع مساراً طويلاً من العمل الدؤوب، لم يعد مجرد تحديث تقني، بل تحول إلى نموذج متكامل للنجاعة والشفافية في تدبير الموارد البحرية، ليجعل من ميناء العرائش قبلة للحديث عن مستقبل التسويق السمكي في المملكة.
هذه المحطة الحاسمة التي شهدتها المدينة الساحلية، تميزت بإدماج أصناف الأسماك السطحية، وعلى رأسها السردين والأنشوبة، ضمن المنظومة الرقمية المتكاملة. بهذا الإجراء، تكون جميع سلاسل الإنتاج السمكي بالعرائش قد خضعت لعملية الرقمنة الكاملة، لتشمل بذلك قوارب الصيد التقليدي، ومراكب الصيد بالجر، ومراكب السردين، بالإضافة إلى مراكب الصيد بالخيط. وهكذا، وُضع حد نهائي للتعاملات التقليدية الشفوية التي كانت سائدة لعقود، ليحل محلها نظام تقني ورقمي دقيق يضبط كل صغيرة وكبيرة في عمليات التفريغ والبيع.
انعكاسات هذا التحول الجذري لم تنتظر طويلاً لتظهر على أرض الواقع، حيث أكدت مصادر إدارية رسمية أن دينامية السوق السمكي عرفت نقلة نوعية غير مسبوقة. فقد ساهمت الرقمنة بشكل مباشر في ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة بين جميع المتدخلين، كما عملت على الرفع من سرعة وتيرة عمليات البيع والمزايدة، مما خلق حركية تجارية أكثر حيوية وتنافسية. والأهم من ذلك، أن هذه المنظومة الجديدة ساهمت بشكل كبير في تجويد عمليات تثمين المنتوجات البحرية، حيث أصبح بإمكان الباعة والمشترين التفاوض على أساس بيانات دقيقة وشفافة، مما انعكس إيجاباً على أسعار البيع الأولى ودخل الصيادين.
بفضل هذه الوتيرة المتسارعة من الإنجاز والالتزام بالتنزيل السليم لمشروع الرقمنة، استطاعت مندوبية المكتب الوطني للصيد بالعرائش أن تتبوأ مكانة الصدارة على الصعيد الجهوي، لتصبح بذلك أول مندوبية تحقق نسبة رقمنة كاملة تصل إلى 100%. هذا التتويج لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة عمل مؤسساتي متكامل وإرادة قوية لتحديث القطاع، مما يجعل من تجربة العرائش نموذجاً يحتذى به لبقية الموانئ المغربية. إنها خطوة استراتيجية كبرى تندرج في إطار تنزيل استراتيجية “أليوتيس” الوطنية لتنمية قطاع الصيد البحري، والتي تهدف إلى تعزيز الاستدامة والتنافسية، ليس فقط على المستوى المحلي، بل امتداداً للطموحات الوطنية الرامية إلى جعل المغرب فاعلاً رئيسياً في الاقتصاد الأزرق على المستويين الإقليمي والدولي.
