العرائش نيوز:
تساءلت وأنا أحضر فعاليات الدورة السادسة والعشرين من “عيد الكتاب” بمدينة تطوان: لماذا لا تعيش العرائش نفس الدينامية الثقافية؟ ولماذا لا يتحول ما ينظم فيها إلى معرض حقيقي للكتاب، بدل أن يظل مجرد تظاهرة تحمل الاسم فقط؟
عرفت تظاهرة تطوان مشاركة أزيد من 53 عارضا، من دور نشر وطنية وجهوية، بل وحتى من خارج إسبانيا، ما منح الحدث إشعاعا خاصا وجعل منه فضاء حيا للكتاب والقراءة. في المقابل، تظل التظاهرات المنظمة بالعرائش محدودة جدا، إذ غالبا ما تقتصر على مشاركة مكتبة واحدة تعرض كتبا قديمة مكدسة في رفوفها لسنوات وبأثمنة ليست في متناول عينة واسعة من الساكنة، دون حضور فعلي لدور نشر أو إصدارات حديثة، أو بأثمنة مخفضة كما هو معهود في معارض الكتاب.
ساكنة العرائش تستحق معرضا حقيقيا يتيح لها الاطلاع على جديد الكتب، ويمنحها فرصة اقتنائها بأسعار مناسبة، بما يساهم في تشجيع القراءة. كما أن حضور دور النشر يشكل فرصة مهمة لكتاب المدينة من أجل التعرف على الناشرين وفتح آفاق لنشر أعمالهم.
وتبرز هنا الأهمية المحورية لدور النشر في أي معرض كتاب، فهي ليست مجرد عارضين، بل فاعل أساسي في صناعة الكتاب. إذ تتيح هذه الدور للكتاب إمكانية عرض مخطوطاتهم، والحصول على التوجيه المهني، والدخول في مسارات نشر احترافية تضمن وصول أعمالهم إلى جمهور أوسع. كما تسهم في اكتشاف أصوات جديدة، وتواكب تطور المشهد الثقافي من خلال تقديم أحدث الإصدارات في مختلف المجالات. وبدون حضور فعلي لدور النشر، يفقد المعرض جوهره كحلقة وصل بين الكاتب والقارئ.
وقد جاء في بلاغ منظمي “عيد الكتاب” بتطوان أن ساحة العمالة بالحي الإداري تحولت إلى فضاء مهيأ لاستقبال أروقة الناشرين والكتبيين، في صورة تعكس العناية بالتنظيم والرؤية الثقافية الواضحة. كما تميز برنامج التظاهرة بغناه وتنوعه، على غرار ما يشهده معرض الكتاب بمدينة القصر الكبير، حيث يستدعى كتاب ومفكرون من داخل وخارج المدينة، مما يخلق حوارا ثقافيا واسعا ويثري تجربة الزوار.
في المقابل، يظل “معرض” العرائش محدودا من حيث البرمجة والمشاركة، إذ يعتمد في الغالب على مبادرات تطوعية لكتاب من أبناء المدينة، دون تعويضات أو دعم يليق بمجهوداتهم. بل إن بعض المسؤولين يفاخرون بكون هذه التظاهرة لا تكلف ميزانية تذكر، وهو طرح يثير تساؤلات حول مدى إدراك أهمية الاستثمار في الثقافة.
فالكاتب المحلي ليس مجرد عنصر لتأثيث برنامج شكلي، بل هو فاعل أساسي في الحركية الثقافية، ويستحق التقدير والدعم. كما أن استضافة كتاب من خارج المدينة، مع توفير شروط مشاركة لائقة، يعد أمرا ضروريا لإعطاء التظاهرة بعدا حقيقيا.
لقد عرفت تظاهرة تطوان مشاركة أكثر من 120 مفكرا ومبدعا، تم تعويضهم عن مشاركاتهم، وهو ما تحقق أيضا في معارض سابقة بمدينة القصر الكبير عرفت مشاركة نفس العدد من الكتاب والمفكرين من داخل المدينة وخارجها. أما في العرائش، فيبقى الوضع مختلفا، حيث تغيب هذه المقومات الأساسية لأي معرض كتاب حقيقي.
إن الرهان اليوم هو أن تعمل الجهات المعنية على تنظيم معرض كتاب فعلي بمدينة العرائش، يليق بتاريخها الثقافي وساكنتها، من خلال استقطاب دور النشر، وتوفير برنامج ثقافي غني، والاحتفاء الحقيقي بالكتاب والقراءة. أما إذا استمرت الأمور على حالها، فسيظل السؤال قائما، وسيبقى النقاش مفتوحا.
-ياسر امين
