العرائش نيوز :
ذ. إلياس طلحة، باحث في العلوم الإدارية والسياسية
اختارت فعاليات جمعوية بمدينة القصر الكبير أن ترفع رسالة مباشرة إلى المؤسسة الملكية، ملتمسة تدخلا ساميا لفتح تحقيق في اختلالات تتعلق بتعثر بعض المشاريع التنموية بالمدينة، ورغم ما يعكسه هذا السلوك –في ظاهره– من غيرة على الشأن المحلي، فإنه يطرح إشكالا جوهريا: هل فعلا كل تعثر تنموي يستدعي مخاطبة أعلى سلطة في البلاد؟ وهل المؤسسات الدستورية المكلفة بالمراقبة الإدارية والرقابة القضائية على أعمال الجماعات الترابية أصبحت غير قادرة على ممارسة أدوارها؟
الجواب، ببساطة، لا.
ليس لأن الموضوع غير مهم، بل لأنه في جوهره يدخل ضمن اختصاصات مؤسسات قائمة ومحددة دستوريا، فالمغرب، منذ دستور 2011، لم يعد يشتغل بمنطق التركيز المطلق للسلطة، بل بمنطق توزيعها، على أساس تنظيم ترابي لامركزي قائم على الجهوية المتقدمة، حيث يخضع التدبير الترابي، بما فيه الاختلالات والتعثرات، لقنوات واضحة دستوريا للمساءلة والمعالجة.
في هذا الإطار، ورغم تمتع الجماعات الترابية بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وارتكازها على مبدأ التدبير الحر، فإنها لا تشتغل في فراغ مؤسساتي، بل ضمن منظومة رقابية متكاملة، فقد أسند الفصل 145 من الدستور للولاة والعمال مهمة مراقبة مشروعية أعمال هذه الجماعات وشرعية أشخاصها، في توازن دقيق بين المراقبة الإدارية واحترام الاستقلالية، وهو ما عززه القانون التنظيمي رقم 113.14 بتحديد آليات واضحة للتتبع والتدخل عند رصد الاختلالات، تكريسا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن المراقبة المالية مؤطرة بمقتضى القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، الذي يمنح للمجالس الجهوية للحسابات صلاحيات تقييم تدبير الجماعات الترابية وتتبع مشاريعها ورصد تعثراتها، وبموازاة ذلك، يضطلع القضاء الإداري بدور أساسي، استنادا إلى الفصل 118 من الدستور الذي يضمن حق التقاضي، وإلى القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، حيث يمارس رقابته على أشخاص وأعمال وأنشطة الجماعات الترابية، بما يضمن خضوعها لمبدأ المشروعية.
ومن جهة أخرى، لم يُقصِ الدستور المجتمع المدني، بل منحه أدوات فعلية للمشاركة والتأثير، من خلال التنصيص في الفصل 12 على دور الجمعيات في إعداد وتتبع السياسات العمومية، وضمان حق تقديم العرائض من طرف المواطنين والجمعيات بموجب الفصلين 15 و 139 من الدستور، وهو ما عززه القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، كما أقر الدستور مؤسسة الوسيط بموجب الفصل 162 لتلقي التظلمات، إلى جانب تكريس الحق في الحصول على المعلومات بمقتضى القانون التنظيمي رقم 31.13 بما يتيح تتبع المشاريع العمومية وفهم أسباب تعثرها، وتندرج ضمن هذه الآليات القانونية كذلك هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، التي ألزم المشرّع الدستوري الجماعات بإحداثها واعتماد مقترحاتها، بما يعزز بُعد الديمقراطية التشاركية في السياسات العمومية الترابية.
أمام هذه الترسانة القانونية المتكاملة، يبدو القفز المباشر نحو المؤسسة الملكية خيارا غير منسجم مع منطق الدولة الحديثة، بل يطرح إشكالا أعمق يتعلق بأزمة الثقة في المؤسسات، ويزداد هذا الإشكال وضوحا في سياق اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تعرف الساحة المحلية أحيانا ممارسات توظّف الرمزية الدستورية لبعض المؤسسات، وفي مقدمتها المؤسسة الملكية، لتحقيق مكاسب ظرفية ضيقة.
إن مثل هذه الممارسات لا تنسجم مع قواعد التنافس الديمقراطي، ولا مع المكانة الدستورية السامية للمؤسسة الملكية باعتبارها ضامنة لوحدة الدولة واستمراريتها، وحكَما أسمى بين مؤسساتها، بل قد تُفضي إلى إفراغ النقاش السياسي من مضمونه البرامجي، وإضعاف الثقة في الفعل العمومي.
لذلك، فإن صون المؤسسة الملكية، يقتضي، تحييدها عن التجاذبات الانتخابية والصراعات الحزبية، وحصر اللجوء إليها في نطاق أدوارها الدستورية، ذات الطابع التحكيمي والاستراتيجي، بما يحفظ تمايز الأدوار ويصون التوازن المؤسسي، فالمثير في الحالة موضوع النقاش، ليس مضمون الرسالة في حد ذاته، بقدر ما هو دلالتها، التي تعكس إما توظيفا للرمزية الملكية لإضفاء ثقل سياسي على ملف محلي، أو قصورا في استيعاب المساطر القانونية المتاحة لمعالجة الإشكالات بفعالية أكبر، وفي كلتا الحالتين، تكون النتيجة، إضعافا غير مباشر لفكرة المؤسسات.
والحال أن الدولة، كما أقرها دستور 2011، تقوم على تكامل المؤسسات لا تجاوزها، وعلى توزيع الأدوار لا اختزالها، ومن هذا المنطلق، فإن الثقة في المؤسسة الملكية لا تُترجم بكثرة استدعائها، بل بتقوية باقي المؤسسات، والاحتكام إلى الآليات التي أرساها الدستور تحت إشرافها.
إن الدفاع عن التنمية الترابية لا يكون برفع الرسائل، بل بتفعيل آليات المساءلة داخل المؤسسات المختصة، حينها فقط، تتحول المواطنة من رد فعل إلى ممارسة، ومن خطاب إلى أثر، في انسجام تام مع روح الدولة المغربية ومؤسساتها، وفي إطار من الاحترام العميق لثوابتها، وعلى رأسها المؤسسة الملكية.
