التحول السكني بجهة الشمال: من الملكية إلى الكراء ومن الأفقى إلى العمودي

العرائش نيوز:

 

تشهد جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تحولات هيكلية عميقة في أنماط السكن، تعكس ديناميات ديموغرافية وعقارية متسارعة. فبين تراجع نسبة التملك وانتشار الكراء، وصعود السكن العمودي (الشقق) على حساب النمط المغربي الأفقي، ترتسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ الإسكان بالجهة، تعيد تشكيل العلاقة بين سكان المدن ومساكنهم. تستند هذه الورقة إلى معطيات رسمية من المندوبية السامية للتخطيط، مع استحضار سياق وطني أوسع لفهم هذه التحولات.

أولاً: تحول جذري في طبيعة المساكن

تقدم سريع للشقق داخل المدن

تكشف أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن النسيج الحضري بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة يعرف تغيرا نوعيا في شكله المعماري. فبين سنتي 2014 و2024، تراجعت حصة السكن من النوع المغربي داخل المدن من 77,9 في المئة إلى 73,6 في المئة، بينما قفزت حصة الشقق من 15,2 في المئة إلى 23 في المئة. أن نحو ربع الأسر الحضرية بالجهة تقيم الآن في شقق، وهو مؤشر واضح على التوجه نحو السكن العمودي، خاصة في طنجة ومحيطها حيث الضغط السكاني والعقاري في تصاعد مستمر.

وهذا المنحى ليس محليا فحسب، بل يندرج ضمن تحول وطني أوسع. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، ارتفعت نسبة الشقق على المستوى الوطني من 16% سنة 2004 إلى 31,7% سنة 2024، لتحتل المرتبة الثانية بعد المنازل المغربية العصرية التي تتصدر المشهد بنسبة 59,2% من السكن الحضري .

وعلى مستوى مجموع الجهة (مدنا وقرى)، انتقلت حصة الشقق من 10% إلى 16,1% خلال العقد الأخير، بينما سجل السكن المغربي ارتفاعا طفيفا من 65,7% إلى 66,3%، وهو ما يفسر بسيطرته الواسعة على المجال القروي.

تراجع السكن غير اللائق

لا يقتصر التحول على الانتقال من الأفقى إلى العمودي، بل يشمل تحسنا ملموسا في جودة السكن. ففي المدن، تراجعت مساكن الصفيح وغيرها من السكن غير اللائق من 2,3% سنة 2014 إلى 1,1% سنة 2024. كما انخفض السكن القروي أو المحلات غير المعدة للسكن من 1,7% إلى 1%. ونتيجة لذلك، أصبح 97,8% من الأسر الحضرية تقيم في مساكن تعتبر “سليمة” من حيث طبيعتها.

ويعكس هذا التراجع مجهودات وطنية مكثفة لمعالجة السكن غير اللائق، حيث انخفضت نسبة السكن الهش (الصفيح والبناء البدائي) على الصعيد الوطني من 12,9% سنة 2004 إلى 3,4% فقط سنة 2024 .

الفيلات: حضور محدود

على النقيض من الشقق، لا تمثل الفيلات سوى 1,2% من مساكن الأسر داخل المدن، مما يعكس محدودية هذا النمط الرفيع مقارنة بالسكن المغربي والشقق، اللذين يشكلان معا القاعدة الأساسية للبنية السكنية بالجهة.

ثانيا: تراجع تدريجي للملكية لصالح الكراء

المدن: الملكية تتراجع والكراء في صعود

بعد ارتفاع طفيف بين 2004 و2014، عرفت الملكية داخل المدن تراجعا ملحوظا، حيث انخفضت نسبة الأسر المالكة لمساكنها من 56,7% سنة 2014 إلى 53% سنة 2024. وجاء هذا التراجع لصالح الكراء الذي صعدت نسبته من 31,5% سنة 2014 إلى 35% سنة 2024.

وتتماشى هذه المعطيات مع الاتجاه الوطني، الذي يشير إلى أن نسبة التملك على الصعيد الوطني (مدنا وقرى) تبلغ 75%، مع تباين كبير بين الوسط الحضري (67,3%) والوسط القروي (92,8%) .

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن معطيات المندوبية السامية للتخطيط الصادرة في ديسمبر 2024 تشير إلى “استقرار” نسبي لنسبة الأسر المالكة في الوسط الحضري (61,5% سنة 2024 مقابل 61,9% سنة 2014)، وهو ما يعكس اختلافات في منهجيات القياس أو في الفترات الزمنية .

القرى: الملكية لا تزال الغالبة لكنها تتراجع

في القرى، رغم بقاء الملكية هي النمط الغالب، فقد سجلت تراجعا هي الأخرى من 91,3% سنة 2014 إلى 85,3% سنة 2024. وهذا يعكس، ولو بدرجة أقل، توجهات متشابهة مع المدن.

الطنجة-أصيلة تحتل الصدارة في الكراء

تظهر الفوارق المجالية داخل الجهة بوضوح. فالملكية تبقى أكثر حضورا في إقليم الفحص-أنجرة (73,9%) وفي العرائش (65,2%)، بينما تسجل عمالة طنجة-أصيلة أعلى حصة للأسر المكتَرية داخل المدن، بنسبة 42,3%. ويعزى ذلك إلى كون طنجة قطبا اقتصاديا وحضريا جاذبا، حيث تتدفق عليها الساكنة الجديدة وتتجه إلى الكراء بدل التملك.

ثالثا: قراءة تركيبية: معنى التحولات

1. تعاقب أجيال وضغط عقاري

يعكس تراجع الملكية وتقدم الشقق تحولا جيليا وضغوطا عقارية متزايدة. فمع ارتفاع أسعار العقارات، تجد الأسر الشابة صعوبة في الولوج إلى الملكية، فتضطر إلى الكراء، ومع ارتفاع الكثافة السكانية، يصبح السكن العمودي حلا حضريا ضروريا.

2. تحديث السكن مع تغير العلاقة بالفضاء

يشير تحسن جودة السكن (تراجع السكن غير اللائق) وتزايد الشقق الحديثة إلى تحديث مستمر للبنية السكنية. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، 60% من السكن الحضري بالمغرب تم بناؤه بعد سنة 2004 . لكن في المقابل، يعكس تراجع الملكية تحولا في علاقة الأسر بمساكنها، من علاقة ملكية مستقرة إلى علاقة كراء أكثر مرونة، لكنها أقل استقرارا.

3. أزمة السكن تبرز في الواجهة

تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تسجل نسبة بطالة في السكن تبلغ 12,7% (من حيث السكن الشاغر) . وبشكل عام، يعاني المغرب من مفارقة: ففي الوقت الذي يعاني فيه 372 ألف أسرة من مبيت “مزدوج”، يظل حوالي 2,4 مليون مسكن حضري شاغرا أو مستعملا كمقر ثانوي، أي ما يقارب 30% من السكن الحضري . وقد أشارت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نسبة السكن الشاغر تتركز بشكل رئيسي في الشقق (45,2%) والمساكن المغربية الحديثة (47,3%) .

تؤكد المعطيات الرسمية أن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تعيش مرحلة تحول سكني غير مسبوق، تتجلى معالمه في: (1) صعود السكن العمودي (الشقق) على حساب النمط المغربي الأفقي داخل المدن، (2) تحسن ملحوظ في جودة السكن وتراجع السكن غير اللائق، (3) تراجع تدريجي للملكية لصالح الكراء، خاصة في المدن الكبرى مثل طنجة.

وتعكس هذه التحولات ثلاثة تيارات أوسع: التحديث والضغط السكاني/العقاري، وأزمة الولوج إلى الملكية. وتبرز استمرارية السكن المغربي خارج المدن، مما يعكس تباينا بين أنماط العيش الحضري والقروي. ويظل الرهان الأساسي هو تحويل هذه التحولات إلى فرصة لتحسين ظروف السكن، مع معالجة إشكالية التملك والكراء، والفجوة بين السكن الشاغر والحاجة الفعلية للسكن.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.