الذكاء الاصطناعي ومهنة المحاماة -الفرص، التحديات، المسؤولية –

العرائش نيوز:

– الاستاذة رحمة الطيبي هيئة المحامين بطنجة

 أصبح الاقبال على استعمال الذكاء الاصطناعي عنصرا جوهريا في السياسات العمومية والتدبيرية لبلدان العالم سعيا لتعزيز التنافسية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، حيت يتنامى دوره وتتعاظم قدراته، ومهنة المحاماة ليست بمعزل عن التحولات التكنولوجية والرقيمة الكبرى التي يشهدها العالم عموما والمغرب على وجه الخصوص، اذ يشهد قطاع العدالة تحولا رقميا متسارعا لم يسبق له مثيل، حيث انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه مجرد دعم فني وتقني بسيط إلى أداة جوهرية تعيد رسم معالم المهنة لتصبح أمام فرصة تاريخية لإعادة توصيف طريقة اشتغالها وتقديم خدماتها القانونية والاستشارية بكفاءة وفعالية ونجاعة،

   فالسؤال اليوم لم يعد يتمحور حول إمكانية تأثير الذكاء الاصطناعي على مهنة المحاماة؟ بل أصبح يتمحور حول كيفيةاستفادة المحامي من هذه التقنيات وتطويعها لتعزيز تنافسيتهدون تأثر بالمخاطر المدقة باستعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مختلف مناحي المهنة.

   ولا يوجد تعريف محدد ومضبوط للذكاء الاصطناعي (I A) لكنه في الاعم يبقى فرعا من فروع الكومبيوتر يشغل على تطوير أنظمة الحاسوب لجعلها تحاكي الأداء البشري لتمكينها أداء مهام معقدة مثل التفكير المنطقي، وفهم اللغات، واتخاد القرارات وحل الاشكاليات.

    وحتى نستطيع الالمام بهذا الموضوع من مختلف جوانبه، سنستعرض الفرص التي يقدها استعمال الذكاء الاصطناعي لمهنة المحاماة في (محور اول) وابرز الأدوات المستعملة في الوقت الراهن (محور ثاني) ثم التحديات والمخاطر في (محور ثالث)؛ على ان نتطرق لمسؤولية المحامون في الاستعمال الرشيد لهذه الالية خدمة للمحامي وللعدالة عموما في (محور رابع)

1المحور الأول: الفرص التي يقدمها استعمال الذكاء الاصطناعي للمحاماة

       تتعدد المجالات التي أثبت فيها الذكاء الاصطناعي كفاءة تتجاوز القدرات البشرية في السرعة والدقة وخاصة على المستويات التالية:

مجال البحث القانوني الذكي: يستند البحث القانوني المدعوم بالذكاء الاصطناعي الى نماذج التضمين الالي التي تعمل على تحليل ملايين النصوص والسوابق القضائية في ثوانٍ لاستخراج المقتضيات القانونية ذات الصلة بموضوع البحث. وتقوم بمطابقة مفاهيمية عبر قواعد بيانات ضخمة من التشريعات والاحكام القضائية والآراء الفقهية والاتفاقيات الدولية للوصول الى النتيجة المرجوة بدقة عالية تفوق ما توفره محركات البحث العادية مع الإشارة الى المصادر والمراجع في احترام تام للأمانة العلمية والموثوقية وبذلك تحرر ذهنية المحامي من الاستنزاف المضني في البحث والتنقيب الى التركيز على التحليل والاستدلال والبحث عن الحلول لقضايا الزبناء المكلف بها.
اقتراح التكييف القانوني للقضايا: حيت يتم توظيف الذكاء الاصطناعي في اقتراح التكييفات القانونية عن طرق تحليل الوقائع والباسها النصوص القانونية ذات الصلة، عن طريق الاستعانة بنماذج التصنيف الدلالي القادرة على فهم العلاقة القانونية بين النص والواقعة، مستعينا بقراءة الاحكام والسوابق القضائية المشابهة لاستخلاص الأنماط المستعملة في تكييف الوقائع الماثلة واختيار التكيف الأنسب والادق.
صياغة العقود والاتفاقيات: او ما يسمى بالأتمتة(Automation) حيت تعتمد أنظمة الصياغة المستخلصة من الدكاء الاصطناعي على صياغة مسودات أولية للعقود ومقالات الدعاوى والمذكرات، بناء على نماذج توليدية مدربة على   مدونات ضخمة من العقود والاتفاقيات القانونية المتخصصة،مع رصد الثغرات والمخاطر القانونية المحتملة. واقتراح صياغات بديلة مما يمكن المحامي من اختيار الصياغة المناسبة لموقف الموكل وقانونية قضيته مع تعزيز ذلك بالمراجعة والتصحيح والتدقيق قبل صياغة المسودة النهائية.
توقع النتائج القضائية: استخدام الخوارزميات لتحليل اتجاهات المحاكم وتوقع احتمالية كسب القضايا بناء على بيانات ومعطيات تاريخية سابقة. حيت يوظف الذكاء الاصطناعي في توقع الاحكام القضائية من خلال تدريب نماذج التعلم الالي على قواعد بيانات واسعة من الاحكام المصنفة حيت يتم مقارنة خصائص القضايا ونتائجها ، مثل طبيعة النزاع وموضوع الدعوى والمحكمة المختصة والدلائل المقدمة من الأطراف لتقدير التفكير القضائي مما يسمح للمحامي بتقدير الحلول الممكنة بين الاستمرار في التقاضي او الركون للصلح والتسوية الودية
إدارة مكتب المحامي: عن طريق أتمتة المهام الإدارية مثل تتبع الوقت، الفوترة، وإدارة الموكلين عبر منصات متكاملة.

2) المحور الثاني: أبرز الأدوات المستخدمة في الوقت الراهن.

تعتمد مكاتب المحاماة الحديثة على مجموعة من الأدوات المتطورة، منها:

تطبيق chat Gpt plus: يستخدم على نطاق واسع في صياغة مقالات الدعاوى والمذكرات والمراسلات الرسمية.
منصات متخصصة: مثل وثيق  watheeqللمحامين العرب، و Lawgeex لأتمتة مراجعة العقود.
المساعدين القانونيين الرقميين: مثل ClickUp AI لإدارة المشاريع القانونية، و Pre-Lawyer AI لتقديم استشارات أولية.

3) المحور الثالث: التحديات والاخطار المحدقةباستعمال الذكاء الاصطناعي في مهنة المحام

اختفاء بعض الوظائف التقليدية: بحيث أن بعض الاعمال الروتينية ستتقلص او تختفي مثل ادخال البيانات يدويا واستقبال وخدمة الزبناء والاعمال الإدارية المتكررة واعمال المحاسبة البسيطة لكون الذكاء الاصطناعي يمكنه القيام بها بدقة وبجودة اعلى وتكلفة اقل مما سيساهم في فقدان وظائف عدد كبير من مساعدي المحامون وبالتالي فقدان مورد عيشهم.
ازدياد الاحتكار واختلال التوازن بين مكاتب المحاماة: بحيث ستحدث فجوة بين المنتمين لمهنة المحاماة حيث سيصبح من يملك مهارات رقمية وتكنولوجيا يتمتع بفرص اوفر وعائدات مالية أكبر، بينما ستقل او تنعدم الفرص والارباح لدى من لا يملك هاته المؤهلات.

المحدودية التقنية: تعاني الأنظمة أحيانا مما يعرف بـ “الهلوسة” عن طريق تقديم معلومات خاطئة بصيغة واثقة، مما يجعل المراجعة البشرية ضرورة مهنية في غاية الاهمية.
البعد الإنساني: تفتقر الآلة للحس الأخلاقي، والقدرة على التفاوض المعقد، وفهم السياقات الإنسانية والاجتماعية التي تحكم النزاعات.
مخاطر اختراق البيانات: حيت تعتبر برامج الذكاء الاصطناعي السلاح المفضل للمخترقين لسرقة البيانات والمعطيات عن طريق التصعيد الاحتيالي المتقدم والتزييف العميق …الخ، إضافة الى الثغرات البنيوية الكامنة في أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها مثل تسرب البيانات أو هجمات الحقن الموجه …الخ.
ارتفاع تكلفة البرامج: خاصة بالنسبة للبرامج التوليدية التي تتطلب بنية تحتية و لوجستيكية ضخمة، حيت تقدر النماذج اللغوية الكبيرة بمئات الدولارات، يضاف الى ذلك تكاليف التشغيل والطاقة واعداد البيانات وتنظيفها وتحديثها المستمر مما سيرهق مكاتب المحاماة الصغيرة.

4) المحور الرابع: المسؤولية الأخلاقيات القانونية

تفرض هذه التكنولوجيا تحديات قانونية جديدة يجب معالجتهاوالتفكير في إيجاد حلول للإشكاليات الناتجة عنها:

المسؤولية القانونية: في حال ارتكاب الآلة لخطأ قانوني، تقع المسؤولية عادة على المحامي المشغل أو المشرف مما يفرض تحديد المسؤوليات بين مكاتب المحاماة والشركات المطورة لهذه البرامج وابرم تأمينات واضحة لتغطية التعويض عن هذه الأخطاء.
حماية الخصوصية: حماية بيانات الموكلين عند إدخالها في أنظمة و برامج الذكاء الاصطناعي التابعة لجهات خارجية في احترام تام للسر المهني وحماية المعطيات الشخصية.
التكوين في مجال استعمال الذكاء الاصطناعي: وذلك بإبرام شركات مع منظمات حكومية وغير حكومية ولا سيما وزارة العدل كجهة مشرفة على المهن القانونية لتكوين المحامون في كيفية الاستفادة من مزيا الذكاء الاصطناعي واستغلال ندوات التمرين لتكوين المحامون المتمرنون بهذا الخصوص.
الانحياز الخوارزمي ضرورة ضمان عدم وجود تحيز في البيانات التي تدربت عليها الخوارزميات لضمان عدالة التنبؤات.
وفي الختام لا يسعنا القول الا ان الذكاء الاصطناعي هو شريك استراتيجي يحرر المحامي من الأعباء الروتينية ليركز على التفكير الإبداعي والاستراتيجي. بحيث سيشكل فرصة حقيقية يتعين اغتنامها لتطوير المهنة وتحسين الخدمات التي تقدمها، لكنه في الان ذاته يفرض تحديات ومسؤوليات تتطلب الحذر والتنظيم وأن المحاماة الرقمية لن تغني عن المحاماة الواقعية او الحقيقة لذلك، سيبقى دور المحامي هو الفيصل في تحيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على المبادئ الإنسانية السامية والأخلاقية للعدالة التي تجسدها مهنة النبلاء.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.