العرائش نيوز:
في خطوة تعكس إرادة سياسية واضحة لمواجهة الاختلالات البيئية والعمرانية المتفاقمة، تتجه الدولة المغربية نحو مراجعة شاملة للقانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، من خلال تشديد العقوبات والغرامات المالية المرتبطة بعدد من المخالفات التي طالما شكلت نزيفا حقيقيا في الثروة الساحلية للبلاد. ويأتي هذا التوجه في سياق تصاعد حدة البناء العشوائي، واستغلال الرمال بشكل غير قانوني، والتعدي المتزايد على الملك العمومي البحري، وهي ظواهر تهدد ليس فقط الموروث البيئي للمغرب ولكن أيضا السلامة العامة والاستدامة الاقتصادية للمناطق الساحلية التي تمتد لأكثر من 3500 كيلومتر.
يعتبر القانون رقم 81.12، الذي صادق عليه البرلمان سنة 2015، نصا قانونيا طموحا يرمي إلى حماية الساحل المغربي من خلال مجموعة من المقتضيات الأساسية، أبرزها منع البناء في المنطقة المحاذية للبحر بعرض 100 متر، وتجريم احتلال الشواطئ وخوصصتها، وحظر استخراج الرمال من الكثبان الشاطئية دون ترخيص. لكن التجربة العملية أثبتت أن الطابع الردعي لهذا القانون ظل محدودا، حيث أن الغرامات المالية المقررة في النصوص العقابية المرتبطة به، وخاصة قانون التعمير رقم 66.12، كانت تتراوح بين عشرة آلاف ومئة ألف درهم للبناء بدون رخصة، وهي مبالف اعتُبرت غير رادعة بالمقارنة مع الأرباح الطائلة التي يحققها المخالفون والمستثمرون العقاريون غير القانونيين.
واقع الاختلالات البيئية والعمرانية بالساحل المغربي مقلق بكل المقاييس، فالتوسع العمراني غير المنضبط يستأثر بحوالي 60 في المائة من الضغط على السواحل، كما أن تصريف المياه العادمة المنزلية والصناعية يؤثر على نسبة تصل إلى 70 في المائة من الوحدات الفندقية و90 في المائة من الوحدات الصناعية القريبة من الشواطئ. أما بالنسبة لظاهرة نهب الرمال، فتشير معطيات ميدانية إلى استمرار عمليات استخراج غير مشروع للكثبان الرملية، مما يساهم في زعزعة استقرار الشواطئ وتفاقم ظاهرة التآكل الساحلي، ناهيك عن التعديات المتكررة على الملك العمومي البحري عبر إقامة منشآت سياحية أو سكنية عشوائية تحت عناوين مختلفة.
لهذه الأسباب كلها، باشرت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة عملية مراجعة شاملة للقانون 81.12، تروم رفع قيمة الغرامات المالية بشكل يتناسب مع خطورة المخالفات، خاصة تلك المرتبطة بالبناء في المنطقة المحظورة البالغ عرضها 100 متر. وتشمل التعديلات المقترحة أيضا تشديد العقوبات السالبة للحرية لتصل إلى حدود قصوى جديدة، مع جعل بعض المخالفات غير قابلة للتصالح، وهو ما من شأنه أن يحرم المخالفين من أي مخرج قانوني يسمح لهم بتبرير وضعيات غير قانونية. كما تتجه التعديلات إلى توسيع دائرة المسؤولية لتشمل المهندسين والمقاولين والوسطاء العقاريين والمكاتب الدراسية المتورطين في عمليات البناء العشوائي أو التعدي على الملك الساحلي، وهي فئات كانت في كثير من الأحيان تخرج من دائرة الملاحقة القانونية. إضافة إلى ذلك، ستُدرج عقوبات تكميلية نوعية كالنشر القضائي للحكم الصادر ضد المخالف، وإلزامه بهدم البنايات المخالفة على نفقته الخاصة، مع مضاعفة الغرامات في حالة العود.
لكن تعزيز الطابع الردعي للنص القانوني لا يمكن أن يقتصر فقط على رفع قيمة العقوبات والغرامات، بل لابد من توفير آليات مراقبة فعالة قادرة على كشف المخالفات وتوقيفها قبل استفحالها. وفي هذا الإطار، تعتمد الدولة مقاربة تكنولوجية حديثة تعتمد على الأقمار الاصطناعية والطائرات بدون طيار لمسح البنايات العشوائية ومقارنتها بالصور التاريخية، مما يجعل عملية إثبات المخالفات أكثر دقة وأقل اعتمادا على الخبرات الميدانية التي قد تتأثر بعوامل النفوذ أو المحسوبية. كما تم إطلاق منصة “رخص” الرقمية التي تربط كل ورش بناء بلوحة إلكترونية، حيث يعتبر البناء بدون هذه اللوحة المرتبطة بالمنصة مخالفة تستدعي التدخل الفوري من طرف السلطات المحلية. ومن جهة أخرى، سيتم تفعيل مسطرة المساءلة الإدارية بحق رجال السلطة والمقاولين المتقاعسين عن تطبيق المقتضيات القانونية، لضمان أن تكون الرداعية شاملة لكل حلقات سلسلة المراقبة والتنفيذ.
لا شك أن هذه المراجعة القانونية المرتقبة تأتي في وقت بات فيه الساحل المغربي يعاني من تهديدات وجودية، حيث يتوقع بعض الدراسات أن تفقد البلاد جزءا مهما من شواطئها الرملية بحلول سنة 2050 بسبب التآكل والزحف العمراني واستغلال الرمال. غير أن نجاح أي إصلاح قانوني يظل رهينا بتوفر إرادة سياسية قوية لتنزيله على أرض الواقع، وكسر أي شكل من أشكال النفوذ أو المحسوبية التي طالما عطلت تطبيق القانون في بعض المناطق الساحلية الحساسة. فالكثير من المشاريع العشوائية الكبرى أقيمت بفضل شبكات نفوذ محلية وجهوية تمكنت من تعطيل قرارات الهدم أو الإزالة، وهو ما يستدعي، إلى جانب تشديد العقوبات، إحداث آليات رقابية مستقلة ومحاكم متخصصة للبت في قضايا البيئة والتعمير بسرعة وفعالية.
كما أن الجانب التوعوي لا يقل أهمية عن الجانب الزجري، إذ لا يمكن بناء نموذج حقيقي لحماية الساحل دون إشراك المواطنين والمجتمع المدني في هذه الدينامية. إن تبسيط مساطر التسوية للبنايات التي يمكن تدارك مخالفاتها مع إغلاق الباب أمام أي تسوية في الحالات الخطيرة، كالبناء فوق الملك العمومي البحري أو داخل المنطقة المحظورة البالغ عرضها 100 متر، من شأنه أن يرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة ويشجع على الامتثال الطوعي للقانون. وفي المقابل، فإن أي تساهل في تطبيق العقوبات الجديدة سيجعل منها مجرد حبر على ورق، وسيشجع المخالفين على مواصلة استباحة الثروة الساحلية.
في الختام، تشكل مراجعة القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل وتشديد العقوبات والغرامات المالية مرتبطة به فرصة حقيقية لإعادة التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة الساحلية. فالمغرب، الذي يستعد لاستضافة تظاهرات كبرى ككأس العالم 2030، مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى إظهار وجه حضاري يحترم القانون ويحمي تراثه الطبيعي. إن ضمان احترام أكبر للمقتضيات التنظيمية والبيئية يمر عبر عقوبات رادعة، ومراقبة فعالة، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني منخرط. غير أن الهدف الأسمى يبقى هو تحقيق تنمية ساحلية مستدامة ومتوازنة، تجعل من الساحل المغربي فضاء للعيش الكريم والاستثمار المسؤول والسياحة البيئية، وليس ساحة لمشاريع عشوائية تستنزف ثروات الأجيال القادمة وتشوه جمالية السواحل وتعرض سلامة المواطنين للخطر.
