إجبار طفل على شرب الخمر وتصويره: جريمة تهز الضمير الإنساني وتضع حماية الطفولة أمام اختبار حقيقي

العرائش نيوز:

الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة

مرة أخرى نجد أنفسنا أمام واقعة صادمة تختزل جزءا مرعبا من التحول القيمي الذي بدأ يتسلل إلى المجتمع، مجموعة من الراشدين يحيطون بطفل صغير، يدفعونه إلى شرب الخمر، يضحكون، يصورون، ثم ينشرون المشهد وكأن إذلال طفولة بريئة أصبح مادة للترفيه وحصد المشاهدات.
إن ما وثقه الفيديو المتداول لا يثير فقط الغضب الأخلاقي والإنساني، بل يطرح أيضا أسئلة قانونية عميقة حول المسؤولية الجنائية، وحدود الردع، ودور النيابة العامة في مواجهة أفعال لم تعد مجرد انحرافات فردية، بل مؤشرات مقلقة على تطبيع العنف الرمزي والنفسي ضد الأطفال تحت غطاء الترفيه والمحتوى.
فالطفل، بحكم القانون والمنطق والإنسانية، لا يملك الأهلية النفسية ولا الإدراكية التي تسمح باعتبار قبوله أو تفاعله نوعا من الرضا القانوني، لذلك فإن دفعه إلى شرب الخمر، أو تعريضه لمواد مضرة أو سلوكات منحرفة، يشكل اعتداء مباشرا على سلامته الجسدية والنفسية والأخلاقية، خاصة عندما يصدر ذلك عن راشدين يدركون تماما خطورة أفعالهم.
والأخطر من الفعل نفسه، أن بعض المشاركين لم يكتفوا بارتكاب السلوك المشين، بل حرصوا على توثيقه ونشره، بما يكشف رغبة في تحويل الانتهاك إلى فرجة جماعية، وهنا تصبح الكاميرا شريكا في الجريمة، ويتحول التصوير من مجرد توثيق إلى وسيلة للإذلال والتشهير والانتهاك النفسي الممتد.
فالطفل الذي أجبر على ذلك الفعل لن تنتهي معاناته بانتهاء التصوير، لأن آثار الفعل قد تلاحقه لسنوات، خصوصا في عصر رقمي لا ينسى، وقد يتحول الفيديو إلى وصمة اجتماعية ونفسية تطارد طفولته ومستقبله وعلاقته بالآخرين، وهو ما يجعل الضرر المعنوي أشد أحيانا من الضرر الجسدي نفسه.
ومن الناحية القانونية، فإن الواقعة تضعنا أمام أفعال قد تثير المسؤولية الجنائية على أكثر من مستوى، تعريض قاصر للخطر، المساس بسلامته المعنوية والنفسية، التحريض على سلوك ضار واستغلال طفل في محتوى مهين ومخل بالكرامة الإنسانية، مع إمكانية تكييف الفعل ضمن جرائم العنف أو الإيذاء النفسي ضد قاصر. كما أن المسؤولية لا ينبغي أن تقف عند من قام بالفعل المباشر، بل يجب أن تمتد إلى كل من شارك أو صور أو شجع أو نشر.
وبما أن الواقعة موثقة ومتداولة على نطاق واسع، فإنها تندرج ضمن الحالات التي يمكن، بل يجب على النيابة العامة التحرك بشأنها تلقائيا، حماية للنظام العام ولمصلحة الطفل الفضلى، فالجرائم التي تمس الأطفال لا ترتبط فقط بحق فردي خاص، بل تمس أيضا الأمن الأخلاقي والاجتماعي للمجتمع، خاصة عندما تتحول إلى محتوى متداول بشكل علني.
فالدستور المغربي يقر بضرورة توفير الحماية القانونية والاجتماعية والمعنوية للأطفال، والمغرب ملتزم باتفاقيات دولية لحماية حقوق الطفل، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدولة بحماية الأطفال من كل أشكال الاستغلال والإهانة والعنف، والتساهل مع مثل هذه الوقائع لا يهدد فقط طفلا واحدا، بل يهدد فكرة الحماية القانونية للطفولة برمتها.
ويبقى أخطر ما في هذه الواقعة ليس فقط أن طفلا أجبر على شرب الخمر، بل أن مجموعة من الراشدين استطاعوا أن يضحكوا وهم يشاهدون براءة طفل تهان أمامهم، ثم اعتبروا أن تصوير ذلك ونشره أمر يستحق التباهي لا الخجل، وعليه فحين تتحول الجريمة إلى مادة للترفيه، يصبح تدخل القانون ضرورة أخلاقية قبل أن يكون مجرد إجراء قضائي.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.