ما القيمة الحقيقية لصوتي وصوت جيراني في المدينة إذا كانت النتيجة النهائية تُصنع في الغرف المغلقة

العرائش نيوز:

بقلم طالب باحث : محمد بنحمامة
كثيراً ما أجد نفسي متسائلاً أمام المشهد السياسي عقب كل استحقاق انتخابي: ما القيمة الحقيقية لصوتي وصوت جيراني في المدينة، إذا كانت النتيجة النهائية تُصنع في الغرف المغلقة بعيداً عن صندوق الاقتراع؟
أكتب هذه السطور وأنا أحمل انزعاجاً فكرياً وسياسياً صريحاً تجاه إحدى أكبر المفارقات التي نعيشها اليوم في أنظمتنا السياسية؛ وهي خديعة التحالفات التي تُقصي الحزب الحاصل على المرتبة الأولى، وتُحول إرادة الأغلبية الشعبية إلى مجرد رقم في المعارضة.
المشهد الذي يثير حفيظتي
تخيل معي هذا السيناريو الذي يتكرر دائماً:
يخرج أبناء مدينتنا بكثافة، يختارون حزباً معنياً، يمنحونه ثقتهم وأعلى نسبة من الأصوات ليكون المقود في أيديهم، تعبيراً عن رغبتهم الواضحة في التغيير أو الاستمرار مع هذا الخيار بالذات. ينام المواطن وهو يشعر بفرحة النصر الشعبي، ليستيقظ في اليوم التالي على مفاجأة غير سارة:
> أحزابٌ خسرت الرهان الفردي، تحالفت مع بعضها البعض، وجمعت أرقاماً متفرقة لتشكيل أغلبية مصلحية، بينما الحزب الذي اختاره أغلب سكان المدينة وجد نفسه رغماً عنه على مقاعد المعارضة!
هنا أتساءل وبكل حصرة: كيف لحزب حصد أكبر عدد من أصوات المدينة أن يصبح خارج معادلة التسيير؟
لماذا أرى في هذا ضرباً لروح الديمقراطية؟
أنا لا أجهل القانون، وأعلم جيداً أن قواعد اللعبة السياسية في الأنظمة البرلمانية تمنح الأغلبية العددية حق التشكيل. لكنني في المقابل أفرق بين “الديمقراطية الحسابية الجافة”و”روح الديمقراطية الحقيقية”:
مصادرة رغبة المدينة: عندما تختار المدينة حزباً بأغلبية ساحقة، فهذا يُعد استفتاءً صريحاً على برنامج محدد وعلى أشخاص محددين. إبعاد هذا الحزب عبر “تحالف نكايات” أو “تحالف مصالح” هو في جوهره التفاف على هذا الخيار الصريح.
محو معالم المساءلة: التحالفات الهشة التي تُبنى فقط لإبعاد الفائز الأول غالباً ما تنتج مجالس غير متجانسة، حيث تضيع المسؤولية بين عدة أطراف، ولا يعود الناخب عارفاً من يحاسب عند الفشل.
تكريس الإحباط الشعبي: أليس هذا التلاعب هو السبب الرئيسي في عزوف الشباب والمواطنين عن المشاركة في الانتخابات؟ ما الفائدة من الوقوف في طوابير الاقتراع إذا كانت نتائج صندوق المدينة تُحسم بحسابات التكتلات اللاحقة؟
كلمة أخيرة: بين النص والروح
أنا لا أرفض فكرة التوافق أو التحالف السياسي إذا كانت مبنية على برامج وتكامل، لكنني أرفض تماماً أن تتحول التحالفات إلى أداة لشرعنة الهزيمة وتحويل الفائز إلى خاسر.
الديمقراطية في جوهرها وُجدت ليعبر الشعب عن إرادته وتُحترم هذه الإرادة. وحين تُنسخ رغبة سكان المدينة بجرّة قلم في اتفاق كواليس بين أحزاب صغيرة، فإننا نكون قد حافظنا على “شكليات” الديمقراطية، ولكننا يقيناً قد قتلنا “روحها”


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.