صُورة المورُو في روَاية “عيُون المنْفى، المورُو خايْمي”

العرائش نيوز:

 

صُورة المورُو  في روَاية عيُون المنْفى، المورُو خايْمي”

للروائي عبد الحميد البجوقي  

 

عزيـــــــــــــز قنــــــــــجاع

 

رواية عيون المنفى للروائي حميد البجوقي تستحق بأن توصف بأنها رواية بمدى وشساعة أفق، لأنها اكتنهت سيلا غزيرا من القضايا التي تناقشها من خلال توسلها إشكال الهوية مدخلا لنبوغ الإحساس بعظمة الإنسان، وبدنيوية العالم وحميمية الإنخراط الشبقي فيه، وإيمانها بضرورة التواصل والتفاعل والإثراء المتبادل بين الثقافات والمجتمعات، فحينما تقوم أية رواية على سرد حكائي ضمن تعدد مجالي، يصبح الفضاء الروائي إشكاليا، بل شيقا. هذا هو شأن رواية عيون المنفى للروائي عبد الحميد البجوقي التي يمكن اعتبارها بحق رواية المفارقات، فهي تقوم فلسفيا على الصراع الذي يتبدى قويا بين الرغبة في امتلاك الفضاء والتحكم به، ورد الفعل المقاوم، هذه المتقابلة تؤطر كل العمل الروائي حيث تلتقي انساق البنية السردية للرواية بأخرى اكتهانية لفضاء ينبغي أن يعاش ويتمتع به بشكل ناشط قبل حتى أن يتمكن من تقبل حدوده أو نظامه، وسردية انتباذية تعيد التذكير بالفواصل والحدود والموانع الهوياتية والثقافية.

لكن كذلك يجب التذكير أن رواية عبد الحميد البجوقي رغم كونها من الجنس الروائي السير ذاتي،، إلا أنها تدخل في علاقة ملتبسة مع الزمان سواء على مستوى المادة التاريخية المستعادة ضمن أطر السرد الداخلي في سياق التذكر، أو على مستوى أحداث السيرة، حيث يحضر البطل  في هذه الرواية إنسانا متوهجا مشعا من داخل ذاته وعبر أعضائه كلها، نفسا هادرة تندفع في طريقها بشهوة لامتلاك العالم كله ووصفه وتحديده ورسمه وتملكه تملكا لا فكاك له منه، وهذا ما يجعل أحداث الرواية – رغم اعتماد الكاتب طريقة الفصل بين مواضيع فصول الرواية-  متداخلة متواشجة حميمية غير خاضعة لصرامة المرجعية التاريخية وسلطة الذاكرة، وتتجاوز حقيقتها الفعلية ظلال العالم الفعلي الذي تحدث فيه الرواية.

 تقوم رواية عيون المنفى على مصادرة التاريخ عبر إعادة تبيئته في وطن الرواية من خلال استعادة أسماء فارقة في محنة المورُو، فتحضر إيصابيل وهو إسم بإحالات جدّ جارحة في محنة الموريسكيين، لكنها هنا امرأة برهبة بالغة في الحب والأنوثة، مطمئنة لذاتها واثقة بقدرها متيمة بحب سعيد المورُو. وكذلك تلك الإحالة الشيقة لوجود سعيد في الرواية مانعا وحدا فارقا بين أي احتمال لإعادة ربط صلة بين إيصابيلاَّ وفرناندُو الصديق المشترك لإيصابيلاّ وسعيد، والذي يحيل التقاؤهما تاريخيا إلى زواج كارثي في تاريخ البشرية وتاريخ الموريسكيين على وجه الخصوص، ورغم استعادة سعيد المورو لإيصابيلا في الرواية ضمن استخطاطية روائية جديدة تعاند التاريخ الحاصل، إلا أن المشكل الأكبر بقي صامدا حيث تعود سلطة الثقافة كعامل لتتفوق من جديد على التاريخ وزمانيته، ورغم كل المحفزات المساعدة  لجعل إيصابيل امرأة بتاريخ مختلف، حيث يحضر سعيد الآخر المورو هو الحبيب وأمُّ إيصابيلا امرأة متعاطفة مع سعيد لاشتراكهما في مسقط الرأس، ومصرة على ضرورة استمرار العلاقة الغرامية بينهما، وبين  قسرية الثقافة التي تعيد رسم الفوارق والتذكير بالاختلاف والمتمثلة في “أب إيصابيل” الذي يطل برأسه في الرواية ليعيد رسم النظام. 

إن والد إيصابيلا بكل إحالته الدلالية لاستمرارية جينية خفية تعطي للتاريخ الأصلي ضروراته الواقعية، حيث يقف سدا منيعا لأية إمكانية استكناه تاريخ جديد يمكن أن يجمع سعيد المورو بإيصابيلا الكاثوليكية، وتبدأ هنا كل الأطراف المشكلة للمتقابل الثقافي في الرواية “إيصابيلا، أمّ إيصابيلا، أبوها وسعيد” لعبة التعاريف المستفزة للانتماء وللوطن وللهوية والدين. فإذا كان أب إيصابيلا يرى وعلى لسان إيصابيلا “أن اختلاف ثقافتنا وديننا وتربيتنا سيجعل حياتنا المشتركة جحيما” وإذا كان سعيد المنتمي لثقافة إنسانية كونية والذي زاده تعلقه بإيصابيلا إلى حد أنه وبعدما استعرضت مبررات الاختلاف الثقافي والديني الذي تقدمت به إيصابيل كمحفزات للإفتراق، قال إنه “منذ تعرف إليها لم يعد يعرف نفسه لا من أين هو، و لا بأية لغة يحلم” أما الأمّ ففي غياهب الذاكرة وروائح تطوان ترى الوطن وعلى لسان إيصابيلا “أنتم لا تعرفون معنى الوطن وتعتقدون أنه يسري في الشرايين وفي الدم ويرتبط الإسم باللغة وبالوراثة… الوطن نسيم وعبير وروائح عطور ونباتات ونعناع، الوطن…. أبدي مستمر وَلارادّ لحبه ولا ينتهي في الحدود الجغرافية”، إن اللغة المثقفية هذه للدفاع عن الهوية والاختلاف والتي يمكن أن تجد مجالات التلاقي والتلاقح وأخرى للتفارق والتضاد والتناحر بسبب بعض المناحي الداعية إليها في الثقافة المعاصرة، لا يمكن فهم فشلها في إيجاد أرضية صلبة دائمة للتلاقي والتلاقح إلا ضمن دعامات معرفية أخرى جاثمة على رؤوس الأحياء أغفلته أبرز الدراسات التي تناولت الاستفراق أو الاستشراق الإسباني كدراسة خوان غويتيصولو أو دراسة سالم يفوت، إنه ذاك الماضي الثقافي الشعبي الذي أصبح جزءا من المتخيل الاسباني عن المورو وضمنه صور عن الذات الاسبانية وعن ماضيها، مندغمة مع الأهواء والتحيزات والافتراضات كما نجدها بادية في العمل الموسوعي الروائي الإشتمالي لميكاييل سرفانطيس، حيث تأسست الصور النمطية والبديهيات الطبيعة والنزوعات والتكوينات العقائدية القارة للمتخيل الإسباني عن “المورو” فعندما توقفت “بالوما” لتستفسر عن ختان الموروس وأضافت أن “الختان يزيدهم فحولة” فقد كانت تحيل إلى مرجعية أخرى صارمة ممؤسسة تكتسب طبيعة السلطة الفكرية والإنشائية كما يصوغها بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وأنهاج تأويله له. ورغم كون سعيد حاول تذكير “بالوما” بأن المعتقد السائد عن المورو عبارة عن “حكايات شعبية لا أساس لها من الصحة ولا فرق بين الرجال موروس كانوا أم مسيحيين” إلا أنه لم يغير شيئا في نظرتها للأمور لأنها طلبت أن تتاكد من هذا الأمر عمليا.

إن عملية الإفتراق بين سعيد وإيصابيلا في الرواية لم تأت إلا كتحصيل مسبق لعلاقة متشابكة توجد محدداتها في بنية الإنتاج الدلالي والقيمي، ولكن هذا الحدث ورغم ذلك يعود ليمنح الصدق والسريانية لموضوع السلطة/الثقافة في مجرى تطور السردية داخل رواية عيون المنفى وليس في هذا مفارقة ضدية.


 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.