قراءة في قانون محاربة الغش في الامتحانات

العرائش نيوز:

قراءة في قانون محاربة الغش في الامتحانات

الدكتور: خليل اللواح  باحث في القانون و الشأن الإداري

يمثل الغش أحد المعضلات التي تواجه النظام التربوي، في ظل الثورة التكنولوجية وتطور وسائل الاتصال والتواصل بشكل متسارع وغزوها للفضاءات التربوية ومراكز الامتحانات.

والغش يتنافى مع القيم والمبادئ والغايات التي تسعى المدرسة المغربية لترسيخها في المجتمع، كما يعتبر تجاوزا سافرا لضوابط تنظيم الامتحانات وإخلالا مقصودا للتعاقد التربوي والأخلاقي القائم بين مكونات المنظومة التروية،

ولمجابهة هذه الظاهرة والحد من آثارها، كان المغرب منذ بداية الاستقلال قد عمل على إصدار الظهير الشريف رقم 1.58.060 بتاريخ 25 يونيو 1958 بشأن زجر الخداع في الامتحانات والمباريات العمومية، وتضمن عقوبات جنائية في حق مرتكبي الغش تتراوح بين الغرامة والسجن قد يصل إلى 3 سنوات.

وقد أحال الظهير الشريف السابق فيما يتعلق بالعقوبات التأديبية إلى القرارات الوزيرية، ومنها قرار وزير التربية الوطنية رقم 2111.12 الصادر بتاريخ 31 ماي 2013 في شأن تعزيز آليات ضبط كيفيات اجراء امتحانات نيل شهادة الباكالوريا.

وقد جاء هذا القرار لتوحيد الاجتهادات المتباينة في شأن معاقبة مرتكبي الغش في الامتحانات من خلال التنصيص في المادة 3 منه على ما يلي: يتولى رؤساء مراكز الامتحانات وكذا المكلفون بالحراسة بتحرير محضر ضبط المخالفة، يتضمن هوية المترشح أو المترشحة والرقم الوطني للامتحان ورقم الهاتف أو نوع

الحاسوب المضبوط أو اللوحة الالكترونية وكذا الرقم التسلسلي لهذه الأجهزة. وبمقتضى المادة 2 من القرار تطبق أحكام الظهير الشريف الصادر بتاريخ 25 يونيو 1958 في حق مركبي الغش.

كما قامت الوزارة بالتصدي للظاهرة من خلال إطلاق حملة تحسيسية بمختلف المؤسسات التعليمية لتوعية التلاميذ والتلميذات بمخاطر الغش وتزويد مراقبي اجراء الامتحانات بأجهزة الكشف ورصد الهواتف النقالة والوسائط الالكترونية الأخرى المحظور حيازتها داخل فضاء مركز الامتحانات.

وقد شكل كل ذلك أرضية لبلورة القانون الجديد رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية الصادر بشأن تنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.126 بتاريخ 25 غشت 2016 في سياق توحيد الجهود ومختلف التدخلات لمحاصرة الظاهرة.

ولتسليط الضوء أكثر على هذا القانون، قمت بقراءته شكلا ومضمونا على أمل تثمين الإيجابي من مقتضياته وإثارة نقائصه وثغراته. فمن حيث الشكل يتكون من 10 مواد موزعة على أربعة أبواب، يتضمن الباب الأول تعريف مفهوم الغش ومجال تطبيقه، أما الباب الثاني فخصص للحديث عن إجراءات التأديب، في حين أن الباب الثالث رصد وعدد العقوبات المخصصة لمرتكبي الغش في الامتحانات، الباب الرابع والأخير تضمن المقتضيات الختامية.

أما من حيث المضمون فالقانون الجديد يهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وتعزيز الشفافية والمصداقية أثناء اجراء الامتحانات، كما وضع حدا للغموض واللبس في مفهوم الغش من خلال تعريفه في المادة الأولى: بممارسة المترشحة أو المترشح أو غيرهما أي شكل من أشكال التحايل والخداع في الامتحانات المدرسية المتوجة بالحصول على احدى الشهادات والدبلومات الوطنية.

وبقدرما وسعت المادة من دائرة مرتكبي الغش (المترشحون والمترشحات-المكلفين بالإجراء-المراقبون للإجراء-غير المترشحين المشاركون في عملية الغش) بقدرما حصرت مجال التدخل في الامتحانات الاشهادية المتوجة بالحصول على إحدى الشهادات والدبلومات الوطنية. ويعني ذلك أنه تم استثناء امتحانات المراقبة المستمرة من مقتضيات القانون.

كما عملت المادة على سرد الأفعال الممثلة لحالات الغش، وقد عددها في ثمان حالات تتراوح بين تبادل المعلومات كتابيا أو شفويا داخل فضاء الامتحان وحيازة أو استعمال للوسائل الالكترونية والمخطوطات والوثائق غير المرخص بها، كما منحت المادة للجنة التصحيح وتقييم إنجازات المترشحين صلاحية تحرير محضر مخالفة بناء على قرائن تثبت ذلك.

كما وسعت مجال التدخل ليطال غير المترشحين المساهمون في الإجابة عن أسئلة الامتحان من داخل أو خارج المركز وكذا كل المسؤولين والمتدخلين أو المشاركين في نقل أو حماية عدة الامتحان.

أما المادة الثانية فقد تطرقت إلى الفضاءات المرتكب داخلها الغش وكذا الوسائل المستعملة لنقل مواضيع الامتحانات.

وقد عرج الباب الثاني انطلاقا من المواد  3 و4 و5 و6  على الحديث عن العقوبات المطبقة على مرتكبي الغش، تبتدأ بسحب ورقة التحرير من المترشحين والمترشحات وتحرير محضر في هذا الشأن، والتوقيف الاحترازي عن العمل في حق جميع الفاعلين المشاركين في تحرير ونقل أو حماية أوراق ومواضيع الامتحانات، واحالة ملفهم على أنظار النيابة العامة للتحقيق معهم في الأفعال المنسوبة إليهم.

كما تحدث هذا الباب عن اللجنة التأديبية المشكلة للنظر في محاضر المكلفين بالإجراء والمكلفين بتقييم أجوبة المترشحين، وتبقى مقرراتها التأديبية بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة، فيمكن لها منح نقطة الصفر وإلغاء نقط جميع باقي المواد، أو اتخاذ قرار الإقصاء النهائي من اجتياز الامتحان خلال الموسم الجاري أو الموسم المقبل، أما اذا ارتبطت حالات الغش بحيازة أو استعمال الوسائل الالكترونية كيفما كان شكلها أو نوعها أو مخطوطات ووثائق غير مرخص بها، فيمكن للجنة اتخاذ قرار الحرمان من اجتياز الامتحان لموسمين دراسيين متتاليين.

أما الباب الثالث فقد عمل على سرد العقوبات الزجرية في حق المشاركين في الامتحان بوثائق مزورة أو انتحال صفة مترشح لاجتياز الامتحان أو تسريب مواضيع الامتحان من طرف مختلف المتدخلين في تحرير أو نقل أو حماية مواضيع الامتحان أو المساهمة من غير المترشحين في الإجابة عن أسئلة الامتحان أو الاتجار في مواضيعه وأجوبته باستعمال وسائل تقليدية أو الكترونية بشكل فردي أو في اطار شبكات. وتتراوح هذه العقوبات بين السجن من 5 أشهر إلى 6 سنوات أو بغرامة يقدر مبلغها بين 5000 درهم و 100000 درهم ( عشرة ملايين) أو بالعقوبتين معا.

لقد أحسن المشرع بإخراجه للقانون الجديد لمحاربة ظاهرة الغش في الامتحانات، لدعم تأمينها وتجويدها انسجاما مع الجهود الرامية إلى إرساء الممارسة الامتحانية على معايير الجودة تسهم في التصريف الفعلي لقيم الانصاف وتكافؤ الفرص والاستحقاق وتعمل على تحسين ظروف هذه الامتحانات تنظيما وتحضيرا للنتائج على نحو يضمن الرفع من موثوقيتها ومصداقيتها.

غير أن هذا القانون أغفل بعض الجوانب التالية:

–     تحدث القانون عن الامتحانات المدرسية وأغفل الامتحانات الجامعية؛

–     أغفل القانون حالات الغش المرتكبة في امتحانات المراقبة المستمرة طيلة السنة؛

–     أعفى القانون المترشحين والمترشحات من العقوبات الزجرية واكتفى بعقوبة الاقصاء من الامتحان والحرمان من الدراسة؛

–     عدم تكريسه للضمانات الكافية، سيما للمكلفين بإجراء الامتحانات بعد استفحال ظاهرة الاعتداء عليهم؛

–     احجامه الحديث عن الإجراءات المواكبة والمصاحبة من قبيل التحسيس والإرشاد والتوعية بآفة الغش وكذا تثبيت أجهزة التشويش على شبكة الاتصال بمحيط مراكز الامتحانات؛


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.