ضمن أجواء الوباء، متابعة للأقلام المحلية…”مديح الهوامش: قراءة في كتاب “في الثقافة المغربية” لإدريس علوش

العرائش نيوز:

ما ثمة ما يدفع أي كاتب أن يجمع في كتاب مقالات تشترك فيما بينها في موضوع ، ولا ما يجبره أن يجد لها أرضية أو نسيجا يربط الفواصل فيما بينها. غير أن كتاب إدريس علوش “في الثقافة المغربية”، ورغم العنونة التي تحيل إلى تقاطعات ضرورية عمومية، لا تضغط جميعها في اتجاه وحدة الإشكال بسبب التعويم العام الذي يفرضه اصطلاح الثقافة الذي يذيل عنوان الكتاب، وبسبب المواضيع المعالجة فيه، حيث ينكب بعضها على بعض في إدبار وإقبال متشابك، كل مقال يحيل إلى معنى في المقال السابق دون أن يشترك معه في الموضوع، حيث تستوي النصوص في كتاب  “في الثقافة المغربية” كتجارب، وتتحول التجارب ضربا من النصوص، وكأن التجارب لا تطال إلا بالنصوص أو هكذا هو قدرها عند إدريس علوش.

ما لا يحيط به الأدب ولا يلم به الشكل هو موضوع الكتاب. فالكتاب ينغمس في الفوارق وفي التواريخ وفي التجارب المتعددة الأسماء، للآنات متغيرة يلفها مكان متفاعل حي ومتغير وزمن منفلت عن ضوابطه منكرا ” اعني الكتاب” عليهما احتواء ما لا يتحقق إلا فيهما أو بواسطتهما.

تيمات كتاب إدريس علوش تلملم أطراف الزمن من خلال التجارب وترتق فتقا قائما بين الشكل والمضمون، بين الشعر الملتزم و الأغنية الملتزمة، وتوصل فرقا بين الزمان والمكان، فالأغنية الأمازيغية كما سماها إدريس علوش “الجرح الإنساني المستلهم من التاريخ والأرض”، ترسم المسافة القائمة بين الأنتروبولوجي والتاريخي وتعيد صياغة الزمن بذكاء المكان وتجربته الخاصة به كمعطى، و بين الأشكال العقلاني عند محمد عابد الجابري وبحثه العميق في محددات العقل العربي ومضامين الثقافة الشعبية من خلال زجلها وأسمائها.

الكتاب يؤكد على الترابط بين الخاص في أقصى خصوصياته وبين النصوص الناقلة للتجارب الوجودية للحيوات المبدعة، فتنضغم الأمكنة والذوات ، فبين طنجة وشكري تنافر وتلاحم وبينهما يتشكل خيط رفيع يجسر مناطق التماس عبر الثلاثي كما استحضرهما علوش المتخيل والخيال والمخيال، يبغي احدها على الآخر رغم البرازخ والحدود الصارمة، وتصبح حدثية الأحداث الروائية ضربا من الوقائع المبنية على ركام خراب التجارب الشخصية، تنزع عنها واقعيتها في الوقت الذي تحشرها في رزنامة الرؤيا هكذا يحضر الشاعر عبد الله زريقة في كتاب” في الثقافة المغربية” لإدريس علوش، منفي إبداعيا في الوقت الذي تستعيد فيه قصائده الوطن ومشاكله السياسية والاجتماعية، ازريقة هنا توازن بين اغتراب الذات الشاعرة وحضور الذات المناضلة، الحاضرة، المقاومة، تحفر اللغة الشعرية لزريقة هنا سراديبها السرية لتتحقق ثنائية العزلة الشخصية والحضور الفاعل، ولا يفلت من هذه الثنائية كل الشخصيات المرصودة في كتاب إدريس علوش فجون جنيه دفين العرائش أو حتى إدموند عمران المليح اليهودي المغربي، فجون جنيه لم تستمد أعماله مادتها من الشروط وظروف وجوده مباشرة، أو كما كان يجب أن تكون. بل استمد هيولاها الأولى من تلك الثقافة التي يصفها بمثل ذلك النوع من التبصر والألمعية ولكن تحققها تم بالابتعاد المعضل عنها، لذا نجده وبصفة قبلية وكمعطى ومنطلق يتمنى أن لا يتغير العالم لكي يمكنه أن يقف دائما ضده، ففكرة الجماعة الثقافية القومية ككينونة ذات تحقق في مواجهة غيرها من الكينونات الأخرى تحظى بالتحديد بأكمل درجات الوجود التام عنده في الوقت الذي يعمد إلى خدش جلال الجماعة التي تركته على رصيف محك الحياة وقساوتها حسب تعبير إدريس علوش وحتى إدموند عمران المليح لا تكتمل أيهاب استخطاطياته الثقافية إلا عندما يعلن للملأ أو على انفراد انه لا يعرف شيئا اسمه إسرائيل.

إن النماذج التي اختارها علوش والتجارب التي يتناولها والتي ضمنها كتابه “في الثقافة المغربية” لا يستغرقها بنفسه بل يستحضرها من خلال الشهادات التي خبرتها او عايشتها، هي نماذج تحولت بفعل الواقع المفارق والاستيلاب والاغتراب والعزلة الشخصية والمنفى الداخلي، كل هذه الأوصاف التي اختار علوش ان يضفيها على شخصياته المتناولة في كتاب ” في الثقافة المغربية ” استطاعت ان تحول هذه المثبطات إلى إنتاج إبداعي ايجابي من النصوص الراقية، انها نماذج اختارت الوقوف بين الثقافة السائدة و بين الأشكال والنماذج السردية التي ترصد الفوارق وتقبع فيما بينهما.

عندما يبتعد إدريس علوش عن الشخوص المبدعة و ينتقل إلى نقاش القضايا الثقافية التي تعتمل داخل الجسم الثقافي المغربي، كالأغنية الملتزمة، والشعر الملتزم، و قضايا الأغنية الأمازيغية والشعر العامي أو الزجل، وكذلك الشعر الأمازيغي وقضاياه، وهنا يلاحظ القارئ مدى انزياح هذه القضايا إلى مصاف القضايا التي تدخل في صلب الجانب الثقافي من السياسة، او في صلب الاستراتيجيات السياسية للثقافة، وبالتالي فالموقف أساسي في المعالجة سواء من خلال مسائل متعلقة بالمنهج أو من خلال الانحيازات المفترض أنها تتوثب للانقضاض على النتائج و الخلاصات، يسلك علوش مسلكا جديدا فهو يقفز على كل الإشكالات التي صاحبت الكتابات النقدية المغربية حول هكذا قضايا ويعفي نفسه من الانتصار لإحداها على الأخرى و ويتحاشى استذكارها أو التذكير بها ، ويصل مباشرة إلى وضعها الراهن يعالجها لا من حيث مدى اندراجها في باب الثقافة أم الفلكلور؟ أهي تعبير مطابق أم استدعاء انتروبولوجي للثقافة؟، بل بالمدى الذي نحثته لنفسها و تموضعاتها الراهنة فيما بعد كل ذاك الضجيج الإيديولوجي الذي صاحب هذه الظواهر الأدبية والتعبيرية، يكتفي إدريس علوش بتناول مورفولوجي للقضايا، ففي الوقت الذي ينحو منحى ايجابيا في توصيفها كقضايا أساسية من الواقع الثقافي المغربي من حيث تموضعها الراهن، لا يضع علوش موضع تساؤل مدى التطابق الحاصل بين التطور الذي عرفته هذه الأشكال التعبيرية ومطابقتها للهم الحداثي؟ وإلى أي حد ساهمت هذه البنى التعبيرية التي نجدها عند إدريس علوش مستوية القيمة التعبيرية في تعميم عقلية تقليدية حين تحاول أن تطابق بين شكلها والظروف الذي امتاحت منه قولها وهنا قد تكون من حيث لا تدري تعمل على تأصيل التخلف على مستوى الذهن؟.

ان قارئ كتاب إدريس علوش لا يسعه في الأخير إلا أن يصفق لهذا المجهود الكبير الذي يبسط بوعي ثقافي أهم الخطوط و المنحنيات التي أثرت و تأثرت بالأجواء الثقافية في مسار متمعج بأسئلة طرحت و أخرى يعاد صياغتها الآن، وبينهما يبقى هذا الكتاب صلة وصل حد الحذق بين القائم و المأمول .

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.