تاريخ العرائش…ملاحم بطولية على ضفاف نهر اللوكوس (الحلقة الثالثة)

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

الهجوم الأجنبي البحري الأول على العرائش سنة 668 هـ 1269م

ما سيذكره ابن أبي زرع بعد قليل يعتبر أقدم نص يتحدث عن الهجوم على مدينة العرائش من جهة البحر، فيذكر ابن أبي زرع الفاسي، وهو مؤرخ مغربي في عهد المرينيين، صاحب أجمع تاريخ للمغرب من لدن قيام الدولة الإدريسية إلى عصره حيث انطلق في تأليف غريب يشابه تـاريخ ابن حيان الأندلسي في تخصيص حديثه عن مدينته لكنه فاق الجميع حين ساحت به الأحداث إلى التاريخ للمغرب الوسيط جملة ويعتبر كاتبه “روض القرطاس في اخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينة فاس” من أهم المصادر التاريخية المغربية واشملها على الإطلاق إلى جانب المعجب للمراكشي و ابن عذاري المراكشي في مصنفه “البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب“، ورجعا إلى ما كنا في صدده، فعند حديث ابن أبي زرع في كتابه السالف الذكر عن وقائع سنة 668 هجرية قال “ودخل الروم مدينة العرائش فقتلوا رجالها و سبوا نساءها وأموالها وأضرموها نارا و ارتحلوا في أجفانهم” لا يضيف ابن أبي زرع أية معلومات عن هذا الهجوم ونعرف فقط أن هؤلاء الروم هجموا من جهة البحر لأنهم خرجوا من المدينة في مراكبهم “أجفانهم” . يبين النص أن مدينة العرائش لم تكن مدينة محصنة تحصينا عسكريا على الأقل من جهة النهر نظرا للمباغتة التي مكنت من اسر كل المدينة وسبي نسائها وتقتيل رجالها . ثانيا سيكون من نتائج هذا الهجوم تحصين مدينة العرائش حيث ستعرف بعدها المدينة أولى بوادر التحصين العسكري على يد السلطان يوسف بن عبد الحق المريني سنة 1279م  لكنها تبدو تحصينات بسيطة، حيث نتبين بالملموس أن مدينة العرائش بعد هجوم 1269 لم يتم تعميرها بالقدر الكافي بل بقيت مجرد حصن دون أهمية، ودليلنا على ذلك أن الأسطول البرتغالي المتجه لإقامة تحصين عسكري بقلب اللوكوس إبان معركة المليحة “لاكراسيوسا” لم يلق أية مقاومة عند مدخل النهر مما ستوضحه تفاصيل المعركة في الأسطر المقبلة. عموما فهذه التحصينات لم تكن لتستجيب للأهمية المتلاحقة التي أصبح يكتسيها المحيط الأطلسي أواخر القرن الثالث عشر، وستوضح بتفصيل معركة “لاكراسيوسا” أو المليحة ذلك.

معركة جزيرة المليحة “لاكراسيوزا” : المعركة التي أعادت العرائش إلى مسرح التاريخ العالمي

عود على تقديم

  • دواعي احتلال جزيرة “لاكراسيوسا”:

سنحاول في  هذا المبحث ان نميط اللثام عن تفاصيل معركة تكاد تكون مجهولة لدى المغاربة لعدم اهتمام مصادرنا التاريخية بها والاكتفاء ببعض الشذرات الشحيحة بالنسبة لتلك التي ذكرت المعركة، وبإشارات سريعة كما نجدها عند احمد ابن القاضي في كتابه “لقط الفرائد” وكذلك المؤرخ محمد الكراسي صاحب أرجوزة “عروسة المسائل فيما لبني وطاس من مسائل” والنص الذي تركه لنا الحسن الوزان المعروف ب “ليون الإفريقي” في كتابه “وصف إفريقيا”. وقد كانت هذه الواقعة نتيجة لأول محاولة برتغالية جدية للتوغل داخل الأراضي المغربية، فإلى حدود سنة 1489 كان البرتغاليون يكتفون بالحصون والمدن الساحلية، وقد استهدفت المحاولة التحكم في مجرى نهر اللوكوس والتمركز على حدود مدينة القصر الكبير التي كانت تعتبر القاعدة الهجومية الخلفية للمغاربة ضد التواجد البرتغالي بأصيلا وطنجة. والاستيلاء عل السهول الممتدة على طول مجرى النهر لضمان التمويلات الغذائية للمدينتين المحتلتين بشمال المغرب نظرا لما أصبحت تشكله المدن المحتلة بالشمال المغربي من عبئ على خزينة الدولة البرتغالية حيث أشار المؤرخ لانوي وفان دير لاندر في كتاب “تاريخ التوسع الكولونيالي للشعوب الأوروبية ” إلا إن المدن المغربية الأربعة المحتلة بشمال المغرب كانت تستهلك عشر مداخيل البرتغال، فكانت محاولة تشييد مدينة، حسب بعض المؤرخين، أو تشييد حصن حسب آخرين في أعالي مصب نهر اللوكوس أو “الاستيلاء على مدينة صغيرة قديمة ” كما أورد ذلك الحسن الوزان في موسوعته وصف إفريقيا، كمحاولة من البرتغاليين لفك الحصار الاقتصادي عن مستعمراتهم و تجديد ارتباط المدن بضواحيها و التحكم في السهل الخصب و محاصيله.

اختلفت المصادر في تحديد الموقع المسمى المليحة أو “لاكراسيوسا” حسب التسمية البرتغالية، لكنها اتفقت أن الموقع كان يوجد بين مدينة العرائش والقصر الكبير داخل مجرى نهر اللوكوس، صادف الاستيلاء على المليحة و الجلاء عنها عهد الملك البرتغالي خوان الثاني ” 1481-1495″ الذي يوافق بالمغرب عهد مولاي الشيخ أبي عبد الله محمد الشيخ الوطاسي مؤسس دولة بني وطاس “1471-1496″ وقد تمكن الشيخ محمد هذا من توقيع معاهدة سلام لعشرين سنة وقعها اب الملك البرتغالي خوان الثاني مع محمد الشيخ. إلا أن الضربات الموجعة التي كانت تتلقاها المدن المحتلة كطنجة وأصيلا انطلاقا من مدينة القصر الكبير جعلت الملك البرتغالي “دون خوان الثاني” يفكر في تشييد قاعدة عسكرية تقطع الطريق على هجومات المغاربة على أصيلة وطنجة بالتمركز بأعالي مصب نهر العرائش، والاستيلاء على السهول الخصبة لوادي اللوكوس من اجول تموين المدن المحاصرة من طرف المغاربة طنجة و أصيلا.

استقر البرتغاليون سنة 1489 في المليحة ” la graciosa” بغرض تأسيس قلعة، لكن ظروفا عديدة حالت دون ذلك ولم يتمكنوا من إتمام عملهم خلال الأشهر القليلة التي مكثوا هناك  “من مارس إلى غشت”  فقد وصلوا إليها في البعثة الأولى في أسطول مكون من أربعة مراكب خرجت هذه البعثة ترجيحا في شهر مارس 1489 بقيادة الجنرال كاسبار جوسارت مكونة من 160 رجلا في مهمة  بناء حصن عسكري في أعالي مصب نهر اللوكوس و بتتبع تقدم الأحداث نجد عند متم شهر يونيو انه كان بالمليحة حوالي 500 جندي برتغالي بجزيرة المليحة وذلك حسب ما أورده الباحث طوماس غارسيا  فيغيراس في هذا الموضوع .

* الصور من أرشيف الموثق العرائشي شكيب الفليلاح الانجري


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.