فاتح ماي

العرائش نيوز :

محمد جزار

لما هم الجيلالي بالصراخ, لم تسعفه حبال الصوت، حتى مجرد التفكير في ذلك تقلص وارتد إلى ما يشبه الاستسلام واللاجدوى من تأثيت عرس فاتح ماي باحتجاجه المكرور والمزعج.
تساءل مع نفسه باستخفاف : شيئان لا يلتقيان ، الإحتجاج والكمامة وجهان لعملة غريبة أو مستحيلة، ربما ستطرح مستقبلا في سوق البورصة والمعاملات في مرحلة ما بعد هذا الصمت المريب الذي أطبق على العالم بعد غزو الجائحة، التي قدمت هدايا ثمينة لٱل ديناصور لخنق كل الأصوات، أي صوت مشاكس يغرد خارج سرب الخرفان المساقة قسرا إلى حتفها.
لا شيء الٱن سيطلع من الجيلالي غير الخيبات والزعيق الفارغ، في وجه الوحش الزاحف في الجو والبحر والأرض والأنفاس والأحلام أيضا، وهو يستعرض ما تكبدته سواعده الشقية في الحفر والبناء ورفع الأثقال والتعبيد، وما شيدته من أعمال وتحف؛ فهذه عمارة شامخة، وتلك ڤيلا فخمة، وتلك شوارع عريضة وطرقات معبدة، وهذه مصانع ومراكب حديدية وخشبية تبيض في الماء وتتناسل، وأقواس النصر الضخمة، وهذه وتلك والأخرى، العليا والسفلى ، الدائرية والطولية، أينما وليت، كان الأصل فيها سراديب كالحة وٱهات بعيدة..!
بلا حراك أو نطة عين محتجة، رغم الغيظ القابع في أحشائه، انزوى الجيلالي يتأمل جسده المنهك، كنزه الوحيد الذي في ملكه، والٱخذ في الهزال والتقلص شيئا فشيئا أمام جشع الأيادي النهمة التي لم ولن تتوانى للحظة عن تشويهه والٱنتفاع به.
من ينظر إليك الٱن وأنت طريح الرصيف !؟ عزفت سمفونيته البئيسة – تفترش العراء وتتدثر بسمرة الليل القارسة، وأينما عطفت ، اصطدمت عيون المارة بصورتك المشروخة الضائعة في السؤال كٱنية فخار انكسرت فتركت ملقية على الأرض في إهمال قاس..!
من عتمة هذه الزاوية المنسية، وميض بعيد من الذاكرة ينقشع كشرارة متقدة توقظ فيه حبال الصراخ القديم، حين شارك وهو في عز الشباب في تظاهرة فاتح ماي لسنة 1990، لما كان فاتح ماي حفلة صوت حقيقية، صاخبة ومفعمة بالنقمة والغضب..، حين كان الجيلالي يشحذ قواه وينطلق كالسهم الجارح؛ فيحرض الحناجر المكسورة والأصوات الكتومة وقد ترنحت بما يكفي ليغزل منها زغرودة أو تظاهرة ..!
” لا بد من تحرير الصوت حتى لا يمسي مجرد بالونات منتفخة بالهواء ” هكذا أقنع نفسه. هذا هو الإبان تماما. اليوم هو عيد العمال.
ذلك الصباح والجميع منجذب إلى موعد حنجري مختنق, جعبته مكتظة بالصراخات الخشنة والسحنات العرقى والهائجة، وبوق الزعيم الذي لا يفارق يده اليسرى المرتعشة، والهتافات والشعارات والملصقات واللافتات الملونة، البيضاء والصفراء والزرقاء والحمراء وغيرها وكأننا في موسم جيلالة بضريح مولاي علي بوغابة، تبدو للجيلالي الذي لم يخبر القراءة، ملطخة بأحرف سوداء كبيرة لا يشده الى فحواها سوى هذا الصراخ الساخن الذي يسري في دمه بسرعة جنونية ويدفعه لقذف صوته بين الأصوات.
في البدء كان يتتبع المتظاهرين ، وقد ألفت الوجوه تطلعه الطفولي بعينيه المؤيدين لهذا التحدي الذي يشهره شبان في عز عنفوانهم، لا يهابون في السلطة لومة لائم، رغم تعقب خدامها عن قرب لكل حركاتهم وسكناتهم، وهم يحملون أقلاما ومذكرات وأجهزة إتصالات، تجعل المرء يحسبهم بعثة علمية متخصصة في دراسة السعار والعصاب واستنباط بؤره الخلوية العميقة.
وما أن عرج المتظاهرون بالقرب من عمارة أحد أثرياء المدينة من متسلقي ريع الانتخابات، حتى انهالوا عليها سياطا حامية:
” عمارة القمارة على ظهور الفقرا
عمارة القمارة. على ظهور الفقرا ” …
وقد حاموا حول ثلة منهم إلى الوسط تقذف لهيب سخطها كلسان نار مشرئبة، حتى انضرمت نار متأججة في أوصال الجيلالي، فزعق بقوة “الله أكبر الله أكبر الله أكبر” في تتابع حاد شد إليه الأنظار، وقد رفع خنجر يده الخشنة إلى الأعلى، وتخيلات الزمن الغابر للمروءة والشهامة قد تيقظت في خلاياه المتوفزة، فشرع يوغله بشراسة في بطن الهواء، يداري ضرباته ويعاودها، ويهتز الصوت أكثر، والجميع يضربون الأرض التي بالغت في سباتها، في تتابع متصل ومضغوط الأنفاس معرق الجلد وقد انزلقت حباته المالحة من جباههم المتعبة:
” عمارة القمارة على ظهور الفقرا
عمارة القمارة على ظهور الفقرا ” …
فيرفع الرجل يده هذه المرة أكثر، وسيفه الحاد يشع بريقه فوق الرؤوس، فيحسب نفسه قد قطع ألف رقبة طاغية، فيزيد الصوت في هياجه وزفراته المرة أكثر فأكثر :
” عمارة القمارة على ظهور الفقرا
عمارة القمارة على ظهور الفقرا ” …
ساعتها يشمر الجيلالي عن سيف عنتري أحد وأحسم، يطال به كل رؤوس الظلم في الدنيا، ويضرب بقوة برأس العمارة , وقد باركته أمواج البحر الغضبى الصاعدة من الشرفة الأطلسية، فتتداعى العمارة و… يغمى عليه..
تململ الجيلالي بتعب من نومته الطويلة، نظر إلى الكمامة المعلقة قبالته في الجدار البارد المكسو بقشور رطبة، سعال طويل يقج حنجرته، حينها أحس أن صوته لم يعد صالحا حتى للصراخ..!
فقط أحس نفسه مدحورا داخل نفسه، لكن هذه المرة بدون صوت وبدون ضجيج.

العرائش 2 ماي 2020


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.