#-باب البحر-#

العرائش نيوز:

قصة قصيرة
#-باب البحر-#
متماهيا مع الخفق الراشح من صدره كمعزوفة للحياة، وصافيا خاطره كصفاء السماء حينما يتسلل إلى السطح وهي ساطعة تحضن البحر في الأفق البعيد.. وراضيا عن قدره الذي وهبه هذا السطح المغمور شمالا برذاذ الموج الكاسر عند السفح، وجنوبا بأمواج خفية تغمر إحساسه وتشده إلى السطح القريب.. السعيد؛ هو لقبه العائلي، وقد غلب على اسمه الخاص، وصار لا ينادى إلا به. وهو أيضا حصيلة إحساسه الغالب، منذ أن صادفها بعد طول غياب تتفقد الغسيل، ولا يفصله عنها سوى فراغ زقاق ضيق، وجزء من الصومعة العتيقة للزاوية الناصرية..
كانت تنضح بالنضارة.. هكذا رآها، وهي تناور بين الألوان المنتفضة تحت تأثير الرياح القادمة من البحر. وأيضا أحسّها.. رؤية القلب هذه؛ نسخت كل عهد له بها قبل عقد من الزمن، حينما ولجا معا إلى نفس الصف، وأجلسه المعلم إلى جوارها بالطاولة الأولى، وصارا يقطعان بعد ذلك المسافة بين المدرسة وباب البحر جنبا إلى جنب في الذهاب والرواح.. كان الوقت سانحا ليمتلك أوصاف الفرسان في الحب والحرب، ولا يتردد في كشف إعجابه.. مثل هذه المناسبة قد تتعذر مرة أخرى.. ولذلك لم يشأ أن يفلتها من يديه.. كان مجيدا لاختيار الألفاظ.. ومع أول عبارة صدرت عن فيه، سمعت كلمات كالسحر تتناثر في الهواء..
كان هذا أول لقاء بينهما بعد عودتها من إقامة طويلة في مدينة أخرى، وجاء في موعده.. ياسمين هو اسمها الذي طالما أحبه في المدرسة قبل أن يفهم معناه.. الآن وهي تتجسد هذا المعنى ببهاء وتألق، لا يمكن إلا أن يعشق هذه الزهرة الناضرة بعدما أعادها القدر إليه، وهاهي تستعذب حديثه كمن يتلقى شهدا سائغا من حلو العبارات..
وهي تصغي إلى قلبها وإليه، سرعان ما استرجعت شريط ذكرياتها المعطل منذ زمن الجوار المدرسي. جاء جميلا ومفعما بالنسج البريء للمواقف والأحداث في الفصل وأثناء الطريق.. الحنين إلى ذلك متعة وحسرة، ومدخل لذيذ لبعث الروح في الذاكرة بعدما طالها النسيان.. تطلعت في وجهه الهائم بين مسحة الخجل وسهو الانتظار، وجاء ردها ابتسامة عريضة وساحرة.. لكن دون أن تفصح عن شيء. فقد باغتها نداء قادم عبر الدرج يدعوها بإلحاح إلى النزول..
كان نداءً لوالدتها.. وكان آمرا ومُلحا.. وكأنها أحست أن صقرا جارحا يحوم حول حماها فسارعت إلى إخفاء صيده عنه..
آسفا، ظل لبعض الوقت يرقب البحر.. قال في نفسه: لا تخافي يا خالة، فليس في حديقة الأزهار هاته، سوى نورس مألوف شرد عن البحر حينا وسيعود إليه في المساء، حاملا معه باب البحر في الذاكرة وزهرة باب البحر في القلب..
باب البحر هو الحي الذي يحضن هذا السطح الذي بدأت تتألف فيه الأحلام.. وأيضا البيت الذي يحمله.. الحياة فيه بتعلقٍ حدَّ الجنون، تشربها من والده الذي ورثها عن أسلافه القريبين والبعيدين.. قرنان من التداول تخلد لهذا الإرث العابق بشتى روائح البحر..
والده الرايس عمر بحار عصامي متمرس، ووالدته لالة ميرة ابنة بحار، وجده لأبيه الحاج عبد السلام، غلب على اسمه الأمين، لأنه قبل أن يغادر إلى مثواه الأخير بثرى المقبرة المشرفة على البحر كان أمينا للبحّارة..
أن ينشأ في بيت مثل هذا في مدينة هي هبة للبحر مدعاة للفخر، وحظ سخي قلما يجود بمثل هذا القدْر.. ولذلك كان حلمه منذ نعومة أظافره أن يصير بحارا مثل أسلافه.. فروحه الهائمة بحب البحر، لا يمكن أن تبقى كذلك إلا إذا غارت في جوفه، وتشربت آثار سحره.. هذا هو سرّه، وربما هو سرّ كل اليافعين في باب البحر..
وكما هو سره، راسخ وأصيل، كذلك هو عزمه، ثابتٌ ومُلحّ.. ولذلك ترك مسلك والده العصامي في رياسة المراكب الصغيرة والمتوسطة، وآثر التدرج في مسالك المعهد البحري الفاتح أبوابه حديثا بالإفريز الغربي جنب البحر.. وها هو الآن ميكانيكي متخصص، يسبر الغور بدراية، ويرسم طريق تحقيق الحلم.. لا يشغله عنه سوى تنقيبٍ هادئٍ عن زهرة يرويها برحيق عطر البحر…
كان البحر هادئا، وكانت نسائم الربيع تفوح تحت القمر المنير، كان الفأل الحسن، وكان الموعد الأول عند الصخرة البيضاء أسفل الحي.. ساده في الأول بعض الارتباك، لكنه كان حميميا ومتماهيا مع الحديث الصامت للمشاعر الصافية بين القلبين.. منذ البداية أيقنا أن قدرهما الباسم لا يمكن أن يخطئ هذا الانجذاب السلس بينهما. ودون خوض طويل في الحديث، قررا أن يكونا حاسمين، ويُشهِدا صاحبة الصخرة البيضاء أنهما خلقا لبعض، وأن العلاقة التي شرعا في نسج خيوطها اليوم، لا يمكن إلا أن تكون أبدية ومشهودة كحكايتها الساحرة التي وحدت البر والبحر وسطرت خط اللقاء بينهما في الواقع وبين الأساطير..
كان ذلك بتدبير منه؛ أهل باب البحر يعرفون أسرارا لا يكشفون عنها إلا للحاجة. وسر هذه الصخرة الغريبة واحد من هذه الأسرار.. هي لا تزال حديثة عهد بهذا الحي رغم ولادتها فيه. ولذلك كان مثيرا لها أن تكون صخرة “لالة زوينة” – وهكذا تسمى- شاهدة على التأسيس لمستقبلها الملفوف بستار الغيب. مدّ يده للعهد وهو يقول: هنا لا تنقض العهود، ويبقى الوفاء إلى الأبد.. هذا ما تعارف عليه الناس سالفا، ولا يزال ساريا إلى الآن..
قبضت عليها بحرارة، أغمضت عينيها ثم وضعتها على صدرها النابض بتسارع، وقالت: أعاهد.. فعل هو نفس الشيء وزاد قبلة على رحاها وقال: وأنا أيضا أعاهد وأصادق.. كان التماس ساحرا وطويلا.. باركته أرواح البحر وأرواح السطوح. حضر الإحساس بالصفاء والإخلاص في النوايا.. كان الانتشاء باللحظة غامرا، وكان العهد النافد..
وكأنها تعيش في ثنايا حلم لطالما راودها، وهاهو يغمر واقعها وينفخ فيها روح الأمل. وهي شاهدة بكل أحاسيسها المستيقظة.. راضية عن نفسها، وشاكرة قدرها الخيِّر الذي أنهى غربتها في صحاري الشرق، حيث لا بحر ولا لطافة جو. وأعادها إلى موطن الزيادة والصبا، وجمعها بهذا السعيد الذي ألفت فيه كل الذي تاقت إليه النفس.
عشر سنوات وهي تتوق إلى إنهاء غربتها. كانت طويلة وقاسية على طفلة تركت فجأة مسقط الرأس، ورصيدا راسخا من الحياة الصاخبة بميادين الطفولة، ورافقت عائلتها إلى المجهول.. كان والدها في مهمة وظيفية بالصحراء، وكان يعتقد أنها ستنتهي في عام أو عامين.. هكذا كان يقول.. لكن أسرار القدر كانت غائرة فخبأت له عشر سنوات. كانت مهمة وظيفية في الأول فصارت نفيا.. أصبحت تقول والدتها، وترددها هي كلما ضاقت أنفاسها.. العودة إلى باب البحر أوشكت أن تصير حلما مع تزايُد المدة وغياب الأمل. كل المؤشرات من حولها كانت تنبئ بالمكوث لسنوات أخرى.. لكن رياحا مفاجئة هبت من بعيد، حاملة معها الفرج وخبر الانتقال على عجل. وكأن أرواح السطوح بباب البحر ابتهلت وقالت: أيها القدر الخيّر، منذ الأزل وأنت تبشرنا بجمع حبيبين بيننا.. لقد طال الأمد واشتقنا إلى ذلك…
كانت فرحتها عارمة تلك الليلة وهي تستقبل البشرى.. في الأول كان تشكيكها هو الغالب كعادتها في استقبال الأخبار البعيدة، وحقّ لها أن تتصرف كذلك، فكم من المرات يأتيها خبر الرحيل بالليل، ويتبخر مع شمس الصباح. لكن هذه المرة، حينما عاينت والدها يتواصل مع صاحب البيت، ويرتب معه فسخ عقد الاستئجار، أيقنت أن السماء جادت بالفرج، فعانقت والدتها وأختها بجنون وباتت ترقص من الفرح…
وخلاف ما كانت عليه في الصحراء، جاءت حياتها الجديدة بباب البحر مليئة بالمسرات. لا ينغصها سوى البعد المؤقت عن حبيبها حينما يركب البحر.. وكما صار خاطره بعد عهدهما النافذ صافيا من أوهام النط بين المتع الزائفة.. صارت هي مستمتعة بموجات العشق المتراكمة، وبمنازل السعادة الغامرة.. كانت تعانق خلوتها في بيتها وتسافر مع كل لقطة جامعة بينهما، روت حدائق عشقها وأنبتت فيها ورودا تفوح بعطر الحبور. كانت تفتح كتاب ألف ليلة وليلة، وتعاود استذكار قصص الحب التي كانت تتسلى بها في منفاها بالصحراء. وتعيش مع بطلاتها الخارقات حرارة الإحساس ونشوة الانتصار.. كانت واثقة من نفسها، وتخطو خطواتها من غير التفات إلى فخاخ غريماتها بالحي.. كنّ لا ينتهين عن وصفها بالدخيلة، وكانت لا تأبه بهن، ما دامت تعلم أن سبب ذلك هو ظفرها بمن كن يتنافسن على إرضائه، ويتطلعن إلى كسب قلبه.. أحيانا كانت تأتيها منهن بعض الصفعات الموجعة كإشاعة الزيف عنها وعن عائلتها. لكنها كانت ثابتة في تصرفها ولا تقابل ذلك سوى بقليل من الاهتمام. غمها الوحيد هو تطيّر والدتها المستمر من بقاء علاقتها بحبيبها عند هذا الحد، دون انتقالها إلى عقد موثق وزواج..
والدتها هي أقرب الناس إليها، وهي صاحبة القلب المفتوح لها على الدوام، لا يليق أن تحرجها بسلوك خارج عن الأعراف. ولذلك لا تيأس من دعوتها إلى الوثوق في خطواتها الثابتة نحو التتويج القريب. كما لا تكف عن التوسل إليها لثنيها عن ترديد ما يروج من غمز ولمز حولها هي تعرف صائغاته من حسادها.. اعتادت أن تنتظرها كلما عادت من قضاء حاجة خارج البيت، حتى تعيد معها نفس الشريط، وتدحض كل ما التقطته من أخبار رائجة حولها بين دروب باب البحر..
كان ذلك ثقيلا ومرهقا لأعصابها، واستمر طيلة الأسابيع الأخيرة. لكنه لم يؤثر على عزمها وثباتها في التطلع إلى يومها الموعود.. يوم يعزف الغياط فوق سطحهم معزوفة الرواح، وتزف إلى حلمها المحقق..
لكن، ومع اقتراب ترسيم الزواج، يبدو أن حظها المبتسم لم يعد جاريا في روافد تخطيطها كما كان. وعاد قاسيا عليها هذه المرة؛ بل شارخا لصلابتها، وكاسرا عظامها.. فعوض أن يأتي اليوم الموعود، وتفرح العوائل بزفتها ومعها أرواح الصخرة البيضاء، كانت المفاجأة الحزينة، وسبقه الخبر الفاجعة…
كانت لا تزال لم تتخلص من أثر الكابوس الذي بات يخنقها. فإذا بوالدتها تحمل إليها كابوسا آخر حقيقيا وصاعقا من شدة وقعه.. حملته إليها من غير ترتيب، وكأنها لا تقدر أحوالها ومدى الأذى الذي يمكن أن يلحق بها.. لكن هي أيضا لم تكن صدمتها أهون وبيتها لن يرى سوى الأحزان في المستقبل..
“المرسى مقلوبة عن آخرها.. خمسة أيام عن خروجهم إلى البحر، ولا أحد يدل لهم عن أثر..” قالتها وهي تضرب بكفيها على فخديها وتولول من غدر القدر..
ورغم أن ياسمين كانت لا تزال تحت وطء استفاقتها الخانقة، لم تحتج لكبير تفكير كي تفهم قصدها ما دامت قد نامت على وجبة دسمة من تشاؤمها المرير..
كان المقصود هو حبيبها السعيد. وكانت الرسالة واضحة. خمسة أيام في البحر ولا أثر، يعني أن فارس الأحلام قد ضاع إلى الأبد.. ولذلك لم تصبر على المكوث في موضعها ولو لدقيقة.. لبست عباءتها بسرعة وعاجلت إلى بيت أهله.. أرادت والدتها أن ترافقها، لكن دون جدوى. فقد سارعت إلى الخروج قبل أن تسمع نداءها..
قبل أن تصل، بدأت تشعر بقدميها يرتعشان ولا يقويان على حملها فتوقفت لبرهة.. كانت عند ملتقى الزقاقين.. هنا اعتادت أن تتلقى قبلة الافتراق.. كانت تستعذب ذلك بعد كل لقاء.. وهاهي الآن تعزي نفسها فيه.. كان الباب المقصود يقابلها.. وكان مفتوحا والناس أفواج تتناوب بين الولوج والانصراف. كل من سمع بالخبر بالجوار جاء للسؤال.. التضامن في مثل هذه المحن واجب بباب البحر..
معظم الحضور كانوا نساء. وكان الحزن مخيما على الجميع، فكثير منهم يربطهم رابط حزين بالبحر، ويضيرهم أن يضيع أحد فيه.. فأن تفقد العائلة حبيبا وهو بين أحضانها فتلك مصيبة بين أهل باب البحر، لكن أن تفقده إلى الأبد دون أن تودعه قبرا تزوره كل جمعة، فتلك أمرّ المصائب التي ترافق البحارة في رسوّهم وإبحارهم. وعدد من أهل باب البحر عاشوا هذه المصائب ولا تزال آثارها غارزة في دواخلهم.. ولذلك يسارعون إلى المواساة كلما تجددت هذه الفواجع بحيهم..
لأول مرة تجد ياسمين نفسها في قلب عاصفة من الأحزان.. لا أحد يتحدث بحديث آخر سوى عن طقوس الجنازة، وكأن الأمر محسوب في اليقين.. كاد قلبها أن ينفطر وهي تنصت إلى مرير تجاربهم.. علمتهم التجارب الطويلة أن البحر من حين لآخر لابد وأن يأخذ حقه منهم.. ولذلك اعتاد المرزوءون منهم انتظار أسبوعين أو ثلاثة.. وبعده يعلنون الحداد، ويفتحون أبوابهم لاستقبال التعازي، حتى وإن كان القضاء لا يزال لم يحكم بموت الغريق..
كانت مصدومة وهي تعد الساعات وسط هذا الحشد الغريب. أحيانا تلاحقها بعض العيون، لكنها لا تكترث.. فمصيبتها أعظم من أن تلتفت إلى سهامٍ تلفح بالفضول. وخيالها غائر في المستقبل الرهيب، وما ستكابده من زلازل لا يعلم درجتها إلا الله..
لم تحتمل البقاء في بيت كانت تنتظر الالتحاق به وهي عروس. وها هي الآن تودعه، وتودع معه حلمها الجميل إلى الأبد.. لقد ضاع سراجه المنير وضاع معه المستقبل.. قبل أسبوع كانت قد احتفلت معه بحدوث حملها منه. لم يكونا ينتظرانه في هذا الوقت المبكر، لكنه جاء مبعث سعادة لهما، فقالا: جميل أنه جاء قبل الزفاف بأسابيع فقط حتى لا يضطرا إلى تقديم موعده قبل مطلع الصيف.. أقاما للمناسبة عشاء متميزا في مطعم ليكسوس.. واتفقا على تسميته دون أن يطلعا أحد…
غادرت ياسمين إلى بيتها، وانزوت في عالمها المنفرد بين الحزن العميم والأمل المفقود. كان صدى الأخبار يصل إليها بين الحين والآخر، فيوقظ الآلام في أسفل بطنها.. كلها كانت شائعات، لكنها كانت شديدة الانتشار وأقرب إلى التصديق.. فالمرسى هي قلب المدينة النابض، فيها تتفرق الأرزاق وأيضا الشائعات.. أخبار الهجرة والتهريب والإرهاب هي صانعة الإثارة، ولذلك كان التأليف فيها هو الغالب.. فقد تناهى إليها أنه عالق في غابات الأندلس بعدما هاجر إليها سرا.. كما سمعت أنه شارك بحارة “الكانووة” الضائعة في تهريب الحشيش، وهو مقبوض عليه الآن في الضفة الأخرى. وفي رواية أخرى تقول: لعله خان عصابة دولية تنشط في التهريب فتخلصت منه بالقتل.. وأما أغرب ما سمعته عنه وهي المطلعة على أسراره، هو استقطابه من أحد التنظيمات المتشددة وإيفاده إلى إحدى بؤر القتال بالشرق الأوسط.. كانت موقنة أن كل ذلك اختلاقات صاغتها ضمائر متخلفة، ووجدت حقلا خصبا للترويج، فتسلى بها من تسلى وآمن بها من آمن..
رجال باب البحر هم أعلم الناس بخبايا الميناء، وأبعدهم عن مثل هذه الشائعات.. لم ينقطع أملهم في حياة البحارة الضائعين، فبادروا إلى إعلان حالة الطوارئ بينهم، وتقاسموا الأدوار.. والد السعيد الرايس عمر داوم على النزول يوميا إلى المرسى لاستقصاء الأمر من مصادره. أما شباب الحي فقد تفرقوا في الشواطئ الممتدة، ورابطوا هنالك لأيام لعل المد يحمل إليهم أثرا “للكانووة” الضائعة.. إدارة الميناء دفعت بمراكب الإنقاذ إلى الإبحار يوميا وفي جميع الاتجاهات. وكذلك أوصت جميع مراكب الصيد الخارجة إلى البحر بمساعدتها في البحث.. كل الاحتمالات لا تزال قائمة مادام ليس هناك خبر يقين…
لكن مع مرور الأيام، بدأ الأمل يتلاشى، وبدأ الجميع يقترب من تقبل الواقع المرير.. أهل باب البحر يئسوا من تلقي خبر سعيد، وباتوا ينتظرون إعلان الجنازة وفتح الباب للمواساة.. لوحدها ياسمين لم تكن تأبه إليهم. وإلا فمآلها ارتماءة عمودية من أعلى قبة ببرج الفتح تنافح بها عن شرفها وتنهي بها عذابها.. كان أملها حالما ويطلب المستحيل.. كل أيامها بعد الخبر الفاجعة قضتها على الضفة جوار الصخرة البيضاء تنتظر الحبيب.. كانت تخرج إليها كل صباح في أبهى لباس، ولا تغادرها إلا مع رجوع مراكب الإنقاذ عند الغروب.. لا أحد من عائلتها كان قادرا على ثنيها.. فقط كانوا ينتظرون يأسها.. داومت على ذلك لما يزيد عن أسبوع. كانت لا تكلم أحدا ولا تأبه لفضول. تولي بظهرها لباب البحر، وتقعد تلاحق بعينيها الدامعتين كل الداخلين من البحر والخارجين إليه.. شاعت قصتها بين الأوساط، وبدأ الناس يتداولون حكاية “لالة زوينة” جديدة ظهرت في نفس موضع الأولى. لكنها باسم آخر هذه المرة، وكأن قصة الوفاء للحبيب البحّار التي خلدت ذكرها بين الأساطير، ستظل تتكرر مع أهل باب البحر ما داموا أوفياء في الحب والإبحار…
صار الناس يتوافدون على الصخرة البيضاء، ويتناوبون على الاقتراب منها وهي سالية في عالمها المحجوب.. معظمهم نساء غلبهن الفضول، وجئن ليتعرفن عن هذه النسخة الجديدة من “لالة زوينة”.. كنّ ينظرن إليها بإشفاق وأيضا بإعجاب.. ومنهن من تبركت بها عن بعد ورجت حاجتها عند قدميها.. بعض الأطفال من الحي، قبل أن يبعدهم المارّة من هنالك، صاروا يجتمعون في فرق ويشرعون بالتسلي بمناداتها “وا لالة زوينة”.. “وا لالة زوينة”.. كانوا لا يعرفون القصة الخالدة لولية البحر “لالة زوينة”، لكنهم حينما تعلموها من أمهاتهم كفوا عن ذلك..
ثلاثة عشر يوما مرت ولا شيء يذكر، غير الحدث الذي أحدثته ياسمين بالمدينة، وهي تعيد إلى الحياة شخصية إحدى ولياتها المشهورات دون أن تدري.. ثمانية أيام وهي إلى جانب الصخرة البيضاء تستجدي القدر، وتتطلع إلى أمل آخذ في التلاشي كأنه خيط من الدخان.. أما حبيبها الذي افتقدته، ولا تعلم هل تراه مرة أخرى أم لا، فإن خبره اليقين لم يصل إلى باب البحر إلا يوما بعد ذلك.. وكان خبرا سعيدا زفّه قائد البحرية الملكية بالميناء إلى والده.. فما إن وصله الخبر من قبطانية المحمدية حتى استدعاه إلى مكتبه.. هو يعلم أن عائلات البحارة الضائعين جميعها اقتربت من اليأس من سماع خبر عنهم. ولذلك سارع إلى استدعائهم حتى يكون أول من يبشرهم، وكان أول الحاضرين لقرب سكناه من الميناء الرايس عمر..
وبعد التحية الواجبة ومن غير مقدمات قال له مباركا: “سعيد أن أبشرك بعمر جديد لولدك السعيد أَسّي عمر..”
جاء ذلك كبعث روح في جسد شارف على الهلاك.. ظل واقفا وصامتا لبرهة، وكأنه لم يصدق الخبر.. كان يتفحص في الوجه السّار للقبطان. وحينما أحس بدموعه توشك على الانفجار قام وأخذ يقبل رأسه وجبهته ويقول: الله يبشرك بكل خير ألشاف.. الله يبشرك بكل خير ألشاف.. الله يبشرك بكل خير ألشاف…
“كانوا تائهين في غياهب المحيط، لا يدرون موقعهم ولا وجهتهم.. حتى صادفهم أحد المراكب في خطه البحري وساقهم إلى ميناء المحمدية صباح هذا اليوم..”
هذا كل ما علمه القبطان من مجمل خبرهم. أما التفاصيل فقد حكاها البحارة الناجون عند حلولهم، وكانت رواية السعيد هي صاحبة المصداقية في باب البحر..
بدأ ذلك مع تطوعه لإصلاح محرك “كانووة” صديق جدّه الرايس بّا العمراني. وكان ذلك يوم الجمعة حيث لا يشتغل مركبه الذي يبحر فيه.. وحينما انتهى وكان الوقت عشاء، ركب “الكانووة” إلى جوارهم وخاض معهم البحر. كانت نيتهم أن يبحروا لثلاث أميال أو أربع، يجربون فيها المحرك ثم يعودون.. لكن جرت الأقدار بما لا يشتهون.. فعند منتصف الميل الرابع عاود العطل إصابة المحرك، وكان هذه المرة عطلا منهيا للخدمة.. وربما منهيا لحياتهم أيضا.. كما همس أحدهم وكان أشدهم خوفا.. طلبُ النجدة كان مستحيلا بالنسبة إليهم، “فالكانووة” لا تتوفر على رادار لإطلاق الاستغاثة كالمراكب الأخرى.. ولا على مجاديف احتياطية للمحاولة بها في الرجوع .. كانت خالية من كل شيء يساعد على النجاة، سوى برميلين من الماء، وبعض الزاد الذي لا يكفي ليومين. لحسن حظهم كان الجو هادئا ولا ينبئ بحدوث عواصف قريبة.. أضحى المكوث على ظهر “الكانووة” إلى حين وصول النجدة هو سبيلهم الوحيد.. كانوا يعتقدون أن البحر مليء بالسفن، ولن يتأخروا كثيرا حتى تدركهم إحداها.. لكن للبحر قوانين أخرى.. أحيانا تكون قاهرة ولا يسلم منها حتى البحارة المتمرسون. ورغم أن البحر كان ساكنا هذه المرة، فقد كانت التيارات جارفة نحو الداخل فحملتهم بعيدا عن الساحل، وهنالك ظلوا تائهين بين الجوع والخوف. لا يجدون ما يسدون به رمقهم سوى بعض شطائر السمك الذي كانوا يصطادونه ويجففونه تحت أشعة الشمس.. ظلوا على هذا الحال ثلاثة عشرة يوما، لا يرون أحدا ولا يدرون أين هم.. كانوا صامتين طوال الوقت ولا يتحدثون إلا لماما.. الرايس بّا العمراني أصابته حمى شديدة خلال الأيام الأولى من ضياعهم، فتناوبوا على إسعافه وتبريده.. خافوا أن يرحل وهم في هذه الظروف. لكنه بعد ذلك استرجع عافيته وكان هو سندهم وقدوتهم في الصبر والتحمل.. كان يقول لهم فكروا في أحبابكم وأولادكم وأكثروا من الصلاة والدعاء.. وكانوا يحترمونه ويأخذون بتوجيهاته ووصاياه.. مرّت الأيام عليهم وكأنها شهور، وكان السعيد في كل ليلة يضطجع على ظهره ويرمي بعينيه إلى السماء مستأنسا بالنجوم، وسارحا بخياله في المستقبل الذي لا يدري أينتهي في هذه المغامرة أم سيستمر.. كثيرا ما كانت تأتي بين يديه صورة مولوده المنتظر. فيتساءل: ترى هل تكتب له الزيادة أم سينتهي هو أيضا في غياهب الأحشاء مع حاضنته.. حبيبة القلب والروح.. وكأنه يعلم علم اليقين أنها لن تقبل الحياة بدونه وستقدم على الأسوأ إذا ما أيقنت بضياعه.. أغلبهم لم يعد يحسب عدد الأيام التي مرت عليهم.. وفي صباح اليوم الأخير، وكان هو اليوم الثالث عشر حسب عدّ الرايس بّا العمراني، شاء القدر أن يصادفهم أحد المراكب الكبيرة المبحرة في المياه الدولية. كانت متوجهة إلى مرسى المحمدية، فانتبهت إلى إشارات النجدة التي كانوا يطلقونها.. فاقتربت منهم وساقتهم معها، منقذة إياهم ومانحة لهم عمرا جديدا…
عند الصخرة البيضاء، كان أحد المجاذيب قد استقر به الجلوس. بين الفينة والأخرى يأخذ مكانه قربها ويشرع في الدندنة بقصيده الحزين..
حجرة محفورة == لبْناتْ مقهورَة
تبُسْني فخْشُوعي == تبرّكْ بوْفايا
موجة مسْقولة فشْكل مرايا
تكحل بدموعي == تغسل بعطوري
شراوط هْدوبي == عقيقي وكسايا
ومن ملح جبيني تحني برجايا
سنين وانا حداك يا مولاي لبحار
سري فيك عميق لا موجة جابت خبار
غير هياج عاتي يكدي ناري
أمولاي لبحار
أنا لالة زوينة == أمولاي لبحار
عيني عوينة سايلة == حدا مواجك الهايلة
نتسنى بليل ونهار == على حبيبي يجيب شي خبار+

كانت أشعة الشمس قد مالت إلى الاحمرار. وبينما هي تتأهب للمغادرة بعدما أضافت يوما آخر إلى سلة يأسها، فإذا بها ترى المعجزة، وإذا به قادما في وجهها من جهة اليابسة رفقة عائلتيهما وعدد من أهل باب البحر.. جاءت الزغاريد، وجاءت الهتافات، وجاءت أصوات النوارس الحائمة في السماء، وجاء اللقاء والوفاء…

+ من قصائد الغناء الروحي للفنانة زهرة البوعناني، وهي من نظم الشاعر عبد السلام الصروخ.

محمد اليشيري
20 ماي 2020


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.