السيرة السياسية للقراءة

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

القراءة مشروع عام:

اهتمت العديد من التحليلات النقدية بالقارئ وعملية القراءة، حيث جعلت القارئ محور دراساتها وأبحاثها النظرية والتطبيقية، حتى ارتبطت هذه النظرية أو تلك بالقارىء إلى حد كبير. وتعددت بذلك التوجهات النقدية للموضوع من سوسيولوجيا القراءة الى سيميائية القراءة، وكذا فينومينولوجية القراءة ومدارس أخرى اهتمت بجمالية التلقي مستعملة مفهوم القارئ الضمني رامية إلى استبيان الوسائل والطرائق التي تتم بها عملية استقبال الكتابات الإبداعية. إلا ن جل هذه الدراسات افترضت وجود قارئ نبه ونبيه، وبنت على هكذا افتراض مضامين رؤاها النظرية وعملياتها التنظيرية.

إلا أن الوصول إلى عملية استيلاد قارئ نبيه، نهم وفطن، تبدو عملية أكثر من صعبة، وتخضع لسلسلة جد معقدة من التحديدات المتداخلة مستويات متشابكة ذاتية، مجتمعية وسياسية، ويود هذا المقال أن يراقب إشكالية القراءة من خلال مدخل مجتمعي عام. وذلك باعتبار الفعل القرائي ليس مرتبطا بتدخلات إرادية يمكن الزيادة في منسوبها أو النقص منها حسب تواطؤ جهة شريرة ترمي إلى جعل معدل القراءة منخفض بقرار سياسي عام أو من خلال استهداف الوسائط التي تعمل على نشر القراءة والحد منها أو توجيهها في سياق معاكس كدور النشر والمدارس والمكتبات، أو عبر بروز فئة تود الارتقاء بظاهرة القراءة والزيادة في عدد القراء، بل القراءة تتأثر سلبا او ايجابا بتموجات مجتمعية وتدافعات سياسية، من خلال تتبع القراءة كمردودية سياسية، تتعمق داخل الفعل السياسي و تلازمه لاعتبارات دقيقة نفسية ارادية ومتبلورة في سياق تفرضه العملية السياسية التنظيمية والاستشرافية الهيمنية.

القراءة جسر الهيمنة السياسية:

القراءة كمشروع سياسي، وكأفق استراتيجي ينفتح على معضلات مؤرقة لجماعة صاعدة تطمح لبسط هيمنتها الاجتماعية بالمعنى الغرامشي وهي غير مفهوم السيطرة، فالهيمنة اجتماعية المضمون، ووجهها السياسي هو السيطرة.  الهيمنة عملية ممتدة في الزمن وتلامس البنى التحتية الاجتماعية، في حين أن السيطرة حاسمة ومحدودة وتطمح لطي المسألة السياسية من خلال الدولة. تنحو الهيمنة المجتمعية لقوة صاعدة إلى تسوية المعضلات العالقة الإيديولوجية والدينية و التاريخية عبر تنميط هذه المستويات لتنسجم وروح مشروعها السياسي، فتقدم قراءات تراجعية lecture de régression  تريد من خلالها إعادة قراءة الماضي موجها بحيث يستجيب لمطامحها وأسئلتها الراهنة. وبما أن هذا المشروع المتوثب من المفروض أن يسيح في المجتمع فيتم بالمناسبة استحداث الوسائط الضرورية لتصريفه مدارس حرة والأنوية العائلية كما هو شأن الحركة الوطنية إبان الاستعمار أو الجامعة والجمعيات الثقافية والمؤسسات النقابية بالنسبة لحركات اليسار، والمساجد بالنسبة لحركات الإسلام السياسي مستفيدة من إرث الحركات السالفة كمردودية المدارس الحرة في هذا الشأن والتركيز على الأنوية الصغيرة كالعائلة والجمعيات، تبقى هذه الوسائط دون فائدة إذا لم تستثمر في تصريف مادة معرفية تطمح إلى توحيد قيم المجموعة ومرجعياتها الفكرية، وجعلها استواء جديدا بعيدا عن أصولها الاجتماعية أو الإثنية حيث يحتل مبدأ التأطير الحلقة المركزية في مبادئ التنظيم الأساسية المتمثلة في  مسائل التأطير، التوجيه والتحريض.

يقوم التأطير غالبا على عنصرين اثنين، المحاضرة المباشرة أو الحلقة وهي عملية قديمة ارتبطت بالمساجد والزوايا وأخدت أشكالا متطورة في الحاضر. والثاني التأطير الغير المباشر، ويقوم على المنشورات الداخلية والمراجع الداعمة للمشروع من كتب ومجلات وتسجيلات، والقراءة الموجهة نحو المرجعيات القائمة في صلب المشروع.

تشكل القراءة عنصرا أساسيا خلال هذه المرحلة، وفي حالة الهيمنة المتواصلة، تكتسح هذه المرجعيات أرقام مبيعات مهولة في سوق الكتب والمعارض وتصبح مقولاتها منسابة داخل المجتمع ودالة دلالة التعاطف أو الانتماء. تحتل القراءة موقعا مركزيا في مسار هذه المشاريع المجتمعية وتصير القراءة داخل هذه الحركات اختبارا يوميا لصيقا بالفرد الذي يجر معه أسئلة يومية تفرضها ظروف التعبئة المستمرة، فتتبوأ القراءة مكانة مهمة وتتنطح لملء فجوات وثغرات وسد بياضات تستوجب من القارىء إتمامها حسب أفق انتظاراته وطموحاته داخل المشروع العام، وهذا هو الدور الذي تضطلع به القراءة كفعل يبتغي تقوية الداخل التنظيمي وشد لحمته والرد على المخالفين وتسفيه مقولاتهم، وضمان حد عال من اليقين والإيمان. فتكون القراءة بالنسبة للقارئ حينها مطية لتحديدات استكمالية، وجسر متواصل لتحيين الإمكانيات المعرفية، وملء للفراغات. وتبقى دائما في هذه الحالة القراءة هي تلك الرغبة الحاصلة بين رغبتي التخلص من الضلال الإيديولوجي السابق والرغبة والتوق إلى الاكتمال الشخصي ، فهي خلاصة زواج الرغبة في الخلاص مع الرغبة في الاكتمال. وهي مرتهنة بالخبرات الشخصية والأمزجة والرصيد المعرفي والمتغيرات الزمنية والمكانية المتراكم وغير ذلك. تخضع القراءة ضمن المشاريع السياسية الى استراتيجية ذهنية متخيلة تمتحن نجاعتها.

الاستراتيجية السياسية للقراءة التنظيمية:

كل حركة سياسية تعتبر نفسها علامة لتباشير ولادة عالم جديد ومنعطف في مسير مجتمعاتها، تتماسك الحركات حول منطق داخلي مستقل وتنتمي إلى تاريخ ينهض على مسبقات خاصة ويفترض مشاعر وقيما منفصلة، وتتمثل نفسها ثمرة قرار فكري ذهني خالص، نتاج استشراف العقل المجرد للحقيقة في مجال السياسة.

تنبني أسس القراءة داخل المجموعات السياسية على قواعد على هديها تتم قراءة التاريخ ومغزاه، أو الظواهر التي يمسي التاريخ مقروءا على هديها من خلال مسبار موجه مفاهيميا، كالرأسمالية، الخلافة، الدولة، السلطنة، الطبقة العاملة، الجماعة، الصراع، التدافع، النموذج التطوري الغربي، النموذج المثالي السلفي …الخ، مفاهيم دورها الأساسي توجيه القراءة في استخطاطية قبلية دقيقة، فكل قراءة تصير هنا تراكم معارف تفترض خصما نقيضا محاورا داخليا على إثره وفي أثره يتم بناء رزنامة من الأدلة  والردود، فتمد محاورها المفترض بالحجج وترد عليه على وجه ينبغي أن لا يرقى معه الشك إلى قوة الرد وإلى تمثيله للحركة السياسية صاحبة المشروع – الحقيقة، التي على الأطراف الأخرى أن تنضوي في صفوفها، صيغ القراءات المتراكمة من خلال هذا الحوار المفترض  تخرج دائما منتصرة من هذا اللقاء المتخيل والنقاش المفترض، بل يتم إصدار كتب تشير الى نضج هذا التراكم السجالي المتخيل كالكتاب الذي أصدره مثلا مصطفى محمود . ” حوار مع صديقي الملحد” حيث يتم شحن استدراج النقيض المحاور المتخيل بأسئلة موجهة ليتم رجمه وتسفيهه بأجوبة ناضجة معدة سلفا تلقي بالمخالف خارج الحلبة. من هنا تبدو فاعلية القراءة تخضع لطبيعة استدلالية، تراكم معارف وترتبها أجوبة منتقاة لافتراضات تمليها طبيعة الإشكالات المطروحة في الساحة السياسية، وحول أسسها المعرفية التي تسندها . فأن نقرأ هنا معناه أن نستنبط ، وأن نخمن، وأن نستنتج انطلاقا من النص سياقا ممكنا مخالفا مناقضا يجب على القراءة المتواصلة والمتراكمة ان تدحضه وان تسكته ولا تتوخى تصحيحه، وفي عملية التخمين والردود تبنى  مجموعة وترسانة من الافكار الجاهزة  التي يتم إشهارها في منابر الخطابة والحلقيات ووسائط التعميم الكلامي. فالقراءة تصبح في حدّ ذاتها استراتيجيّة يمكن أن نسميها اقتصاد سياسي  للقراءة معقّد  المستويات، وربّما كانت أيضا مؤسّسة يمكن أن نطلق عليها “المؤسّسة القرائيّة”. يقوم هذا النوع من القراءة على رؤية تستهدف الفرد في أخص خصوصياته لا تنقص الذاتية المبالغة الظاهرة من شأن العمومية أو تلقي عليها  الريب  بل إنها ترفعها إلى قمة توهجها وتضفي عليها ألقا لألاء غير منقوصين، فكثرة القراءة والاطلاع ودعم الاستراتيجيات القرائية للمجموعة هي سمة تنفذ من أعماق الذات والجهد الفردي إلى تلمس العام  في أكثر جوانبه بعدا ومنه تطل على الآخرين الذين يشتركون فيه.

ترتبط القراءة في السيرة السياسية بالنقاش الداخلي أيضا، النقاش الذي يستمر ليالي كاملة وأحيانا معتبرة من الوقت، ويقفز بين المواضيع والقرون من الاجتماع إلى الفلسفة إلى الاقتصاد والتاريخ دون أن يكون للقفز بين المواضيع ضرورة سوى الاسترسال ذاته دون وجل أو حذر، فيتحول النقاش إلى محاولة ملئ فوهة لا أحد يعرف حدها، سمة النقاشات الداخلية حاسمة في مسار المنضوين في المجموعة فهي فرصة بسط هيمنة منظورة للأفراد داخل المجموعة ويتحول الواحد والعضو جزء تام في المجموعة في أخص ما هو وفي أعمق وأوثق ما يشترك فيه مع الآخرين.

القراءة من المنظور السياسي فعل لا حضاري:

كل الحضارات التي تم إنشاؤها وانتشرت في ربوع الدنيا وشغلت شعوبا وجالت في الأقاصي والأمصار، لم تبن حضارتها إلا بناء على فعل قرائي سابق، على اعتبار أن الحضارة متأخرة عن القراءة، ومن متولداتها وليست مندرجة فيها بالضرورة. فقد تجد حضارة متقدمة وذات هيمنة واسعة النطاق إلا أن شعوبها لا تقرأ بالمعنى الذي يكون فيه فعل القراءة ليس مجرد تفكيك للرموز والعلامات التي تشكلها اللغة، وإنما بتحليل الرموز والعلامات المكتوبة وترجمتها إلى أفكار بمستوى إدراكي يطال التذكر والفهم والاستنتاج. وهذا راجع إلى اعتبار أن الجيل الذي ينعم بالحضارة ورخائها لم يساهم في بنائها ووضع أسسها مرتخيا عن مطالبها. والأمثلة كثيرة على ذلك ويكفي القول أن المؤرخين دائما ما يتعجبون من أن ثمار قوة الدول التي هي الحضارة تأتي  في مرحلة دخول هذه الدول مرحلة الهرم. تنحو الدول المستقرة الكبرى إلى بناء وعي جمعي مضبوط وموجه للحفاظ على إجماع عام وطني حول الاستعمالات الممكنة للسياسة والقوة، هكذا هي الدول القوية مع شعوبها، إذن فالقراءة عملية لا حضارية بالضرورة وترتبط عادة بالشعوب الصاعدة والدول المتوثبة وعندما تصل دروتها تتوغل نزولا إلى الحركات الصاعدة والمجموعات المتوثبة الجديدة. فعندما تستوي التنظيمات السياسية دولا وحضارة، تخبو القراءة و توجه وجهة جديدة.

خاتمة: إن مراقبة عملية القراءة من خلال الفاعلية السياسية يمكننا من إمكانية رؤية تطورية العملية القراءة من زاوية جديدة لها نتائج محفزة على المزيد من الحفر و التفكير.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.