جوق عشاق الطرب للموسيقى الاندلسية بين حضور المرددات وغياب الكورال

العرائش نيوز: عزيز قنجع 

كان جمهور الموسيقى الأندلسية بمدينة العرائش على موعد موسيقي متميز مساء يوم السبت 09 مارس 2019 بقاعة سينما أبينيدا، ضمن فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للمرأة حيث أحيى جوق جمعية عشاق الطرب للموسيقى الأندلسية والصوفية والإبداع الفني بالعرائش حفلا فنيا أندلسيا صوفيا تحت شعار ” نساؤنا فخر لنا “، وقد كانت مفاجأة الحفل هو إشراك جمعية عشاق الطرب للموسيقى الأندلسية برئاسة المقتدر المتألق الأستاذ احمد الدراوي للكورال النسوي الخاص بالجمعية، وهو الموضوع الذي سأناقشه بعد قليل في هذا المقال.

لكن لا بد لي أن أشير في البداية إلى أن حدث غناء فرقة جمعية عشاق الطرب لنوبة من أصعب النوبات على الإطلاق في الموسيقى الأندلسية وهي نوبة غريبة الحسين، شكل بالنسبة لي حدثا نوعيا في الأداء الأندلسي بمدينة العرائش بخروج مجموعاتنا الأندلسية من أداء مقاطع أصبحت مألوفة من الطرب الأندلسي إلى أداء نص من ريبيرتوار الموسيقى الأندلسية والذي يعد من أجمل النصوص التراثية على الإطلاق ومن أروع نوباتها، وكان قد عمره العالم الكبير الفذ سيدي حمدون بالحاج من أعلام القرن السابع عشر و الثامن عشر، وهي قصيدة بمضمون فلسفي قوي و برؤية عميقة للتشابك الحاصل بين الرغبة الجامحة في الحياة والتفحص الغائر لمناحي الروح وهي قصيدة تفتح أبواب التصوف والزهد في نفس الوقت الذي تدعوك فيه للانصراف المطلق لمتطلبات الرغبة والدنيا  وهي قصيدة حكمية توازي في عظمتها قصائد الخيام وابن عطاء الله، كما ان حضور غريبة الحسين في المخيال الجمعي الأندلسي كان وراء كتابة الرواية الرائعة للسيد احمد التوفيق وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية الراهن، وهي الرواية التي أخذت اسم النوبة ، رواية “غريبة الحسين”.

إن استعمال الكورس النسوي الغنائي في الموسيقى الأندلسية محاولة تحمل الكثير من المغامرة، فقد حاول المرحوم عبد الصادق شقارة الاستعانة بكورال نسوي في بعض مقطوعاته الشعبية المستمدة من المزيج الحاصل بين الإيقاعات الشعبية المستمدة من الطقطوطة والتراكم الهائل للإيقاعات المستمدة من روح الحضرة و ترديدات أذكار الزاوية الحراقية، إلا أن هذه الكورالات بقيت تلعب دور الجوقات البديلة choeur alterné  أو المرددات والتي تكتفين فيه بترديدهن للّازمات الشعرية والغنائية القارة مع أداء بعض الرقصات الأصيلة الأندلسية والجبلية لمنطقة الشمال المغربي، ولم ترق يوما لمفهوم الكورال أو الكورس إطلاقا.

ففكرة الاستعانة بالكورس في الأداء الغنائي الأندلسي سيكون بلا شك تطويرا للأداء الغنائي الأندلسي مما سيؤسس لا محالة لتعاطي مغاير مع مفهوم الغناء الأندلسي، الذي ظلت السيطرة فيه دائما للمنشد الرئيسي الذي بقي بصفة ثابتة مهيمنا على الغناء في الجوق الاندلسي بدعامات موازية من العازفين الآخرين.

فإقحام الكورال النسوي لجمعية عشاق الطرب بالعرائش في حفل 09 مارس بسينما ابينيدا كرافعة موازية للأداء الغنائي للمنشد الرئيسي، أو بتوازي مع غناء المنشد الرئيسي الفنان البديع السي أحمد الدراوي المسند بـ 14 عازفا، وبدعم صوت مساعد بجهورية نسوية فاتنة لسلوى بنشقرة،  لم يعط أي تميز للكورس أو الكورال النسوي، الذي بدا حضوره دون أهمية فنية أو جمالية أو أية إضافة للمضمون الغنائي الأصلي لنوبة غريبة الحسين، حيث بقي الكورس دون حضور متميز وغائب تماما وراء التركيز الأدائي للتينور المبهر في أدائه الأستاذ  رئيس الجوق الأندلسي  احمد الدراوي، والمساندة الصوتية الغنائية المتفردة للعازفة سلوى بنشقرة. هذا في الوقت الذي كان في نظري البسيط من الضروري إتاحة مساحات غنائية واسعة للكورال النسوي لغناء صنعات كاملة يتم اختيارها وفقا للميازين المناسبة، خصوصا وان غنائية غريبة الحسين الأندلسية من الفساحة و من التنويعات على مستوى الصنعة تصل إلى 84 موزعة على أصناف عدة بالإضافة إلى روعة مطلعها الموسيقي الذي جاء متأخرا على مستوى العزف والذي يعزف بعد أداء مطلعها الغنائي، “هل لِي مِنْ مُدَاوِي الهَوَى ، مما كان يفترض معه اختيار صنعات محددة يتوارى فيها المنشد الرئيسي إلى الخلف و يترك المجال للكورال لأداء صنعات محددة موافقة لطبعات على موازين مساعدة مثل صنعة شغل توشيح ،” ليل عجيب”وكذا صنعة مقتضب – شغل “أنْتِ أحْلَى مِنَ الـمُنَى” على ميزان بطايحي، والتي لم تتم تأديتهما رغم اندراجهما ضمن المقطوعات المقرر غناؤها، وكذا مجموعة من الصنعات الأخرى المواتية للأداء الجماعي في حين يتفرد الأستاذ أحمد الدراوي أحيانا بأداء صنعات موافقة أو يعيد أداء تلك التي أداها الكورال وعلى طريقته الخاصة مما سيجعل الجمهور يستمتع بالأداء النسوي الجماعي للكورال، والذي ستساعدهن هكذا مساهمات غنائية واضحة من تطوير أدائهن الجماعي لتبرز وتتميز السوبرانو منهن تارة بأداء خاص، وتتعالى تارة أخرى أصوات الكورال متشابكة في أداء موحد مشكّلا صدى هادرا بالطاقة والإبداع، في مشهد ينبئ بحياة جديدة وتفاؤل تقودهما الدقة في العزف وجهد العازفين لتأدية عملهم بشغف وحب ورقيّ. كما سيمكن اجتماع كل الطبقات الصوتية النسائية الأساسية في مجموعة واحدة من تجربة غناء عدة خطوط لحنية في آن واحد، وهو ما يتميز به الغناء الأندلسي الذي يتغنى في آن معا على خطوط لحنية متفاوتة، كما يمكن تجريب الغناء بأصوات في خطوط لحنية مختلفة حسب طبقة كل مجموعة معينة من الكورال وفي آن واحد، ثم ترجع في نهاية المقطوعة مرة أخرى للغناء بطريقة الخط اللحني الواحد.  

إن أداء نص غريبة الحسين بالتفكير بمنطق الكورال وليس بمنطق المرددات، سيخلق لنا تنويعات على مستوى الأداء وبجمالية متميزة من خلال نغمات العازفين، ويلوّن مفاصل نص غريبة الحسين وينوعها، ويحرّك وجدان الحاضرين بخشوع يضفيه الجوّ الأصلي للمقطوعة لتكون حسب المقام فرحة طربة وأخرى حزينة وخاشعة.

إن رهان جمعية عشاق الطرب للموسيقى الأندلسية والصوفية والإبداع الفني بالعرائش يبدو كبيرا، فقد راهنوا ونجحوا في الرهان وأدخلوا الكورال للموسيقى الأندلسية، وعبّدوا الطريق نحو التميز ولا يحتاج الأمر إلا للكثير من العمل و التنويع و التجريب و الاستفادة من تجارب الكورال خارج حقل الموسيقى الأندلسية. فحتى نجعل الموسيقى الأندلسية موسيقى عالمية، علينا أن نحررها من القداسة بالاجتهاد والإبداع المتدفق والدائم والجسور.

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.