العرائش نيوز:
يمثل مشروع “نوستالجيا” (Nostalgia)، الذي أطلقته وزارة الشباب والثقافة والتواصل برعاية ملكية سامية، انعطافة جوهرية في سياسة تدبير التراث الثقافي المغربي؛ إذ يتجاوز المفهوم التقليدي للصيانة والترميم نحو مفهوم “الإحياء الأدائي” للمواقع الأثرية. فمن “شالة” الرباط إلى “باب المكينة” بفاس… وصولاً إلى أكروبول “ليكسوس” بالعرائش، لا تكتفي هذه العروض بإعادة تمثيل الماضي، بل تضطلع بمهمة مسح عميق (Deep Mapping) للجغرافيا التاريخية للمملكة. ينجح هذا المشروع الطموح في تحويل المواقع الأثرية من أطلال صامتة إلى فضاءات معرفية غامرة، تعيد للمواطن المغربي حقه في “لمس” تاريخه والتفاعل معه كصيرورة حية لم تنقطع.

في عرض “نوستالجيا: صدى الجدران” أبريل 2026، قام المخرج أمين ناسور بتحويل موقع ليكسوس الأثري من أرشيف حجري إلى مدونة حية تنبض بالمقاومة والأدائية. بالاعتماد على أكثر من 300 فنان، اتخذ العرض من موقع ليكسوس و”المسرح-المدرج” —وهو الهجين المعماري الإغريقي-الروماني الوحيد في المغرب— منصة لبعث ذاكرة الملك يوبا الثاني وابنه بطليموس. الأداء لم يقدم يوبا الثاني كملك روماني تابع ومطيع كما صوره كتاب هينري تيراس، بل بوصفه عقلا كونيا (Cosmic Mind) أسس لنهضة علمية وصناعية (مصانع الأرجوان والغاروم) شكلت نداً حضارياً لروما. يتسم يوبا الثاني في المتن التاريخي للمغرب القديم بوصفه شخصية بازدواجية درامية فريدة؛ فهو يجمع بين كونه سليل الأرستقراطية الأمازيغية ورهينة التوسّع الروماني، مما جعل منه رمزاً إشكالياً وتنويرياً في آن واحد. لم تكن تنشئته في كنف البلاط الإمبراطوري، وتحديداً تحت الرعاية الفائقة لـ أوكتافيا (شقيقة الإمبراطور أغسطس)، مجرد عملية استيعاب ثقافي قسري، بل بلورت وعيه الموسوعي بصفته ‘الملك العالم’ (Roi Savant)؛ الحافظ للأرشيف والمؤلف لـ ‘تاريخ المسرح’، الذي أضحى مرجعاً لا غنى عنه لكبار علماء عصره. ولم يكن اقترانه بـ كليوباترا سيليني (ابنة كليوباترا ومارك أنطوني) مجرد تسوية سياسية أغسطسية لترسيخ التبعية، بل مثّل انبثاقاً لسلالة ‘أفرو-هلنيستية’ متفردة، أعادت صياغة الهوية الأفريقية في قالب كوني. وقد غدت مدينة ليكسوس (Lixus) في عهده المختبر المادي لهذا الانصهار الحضاري؛ حيث تحولت من مجرد مكمن أسطوري لـ ‘حدائق الهسبيريديس’ إلى قطب صناعي وعمراني فذ، وحلقة وصل بنيوية صهرت التكنولوجيا السكندرية والطموح الإمبريالي الروماني في جدران المسرح-المدرج وقصور الأكروبول، لتبقى تلك الآثار —كما تجلّت في عرض ‘نوستالجيا’ 2026— مدونةً أدائية حية تقاوم محاولات الأرشفة الاستعمارية التي سعت، كما في أطروحات هنري تيراس، لاختزال تاريخ المغرب في مجرد ‘مزيج’ عابر من الغزوات الخارجية.
يكتسي التمايز الإبستمولوجي الذي صاغته ديانا تايلور بين الأرشيف (Archive) —باعتباره مخزناً للمواد المادية المستدامة كالنصوص، والعملات، وباقي الآثار المادية، وبين المدونة الأدائية (Repertoire) —بصفتها ممارسة تجسيدية حية ومستودعاً للذاكرة المجسدة— أهمية قصوى في قراءة عرض ‘نوستالجيا’ (2026). فبينما يتجلى غلاف كتاب هنري تيراس ‘تاريخ المغرب’ بوصفه ‘أثراً أرشيفياً’ بامتياز، حيث يُحبس رمز الحصان والنخلة في حيّز العلامات البصرية الجامدة داخل السردية الكولونيالية، قام المخرج أمين ناسور بعملية استرداد وجودي لهذا الرمز؛ فعندما قام 300 فنان —من بينهم خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC) بأداء هذه الرموز كوريغرافياً فوق تراب ليكسوس، فقد نقلوها من ‘جمود الأرشيف’ إلى ‘سيولة المدونة’، محولين الرمز من مجرد وثيقة تاريخية صامتة إلى ذاكرة جسدية ناطقة تُعيد تفعيل الماضي في اللحظة الراهنة.

وفي هذا السياق، يبرز ما تصفه تايلور بـ ‘السيناريو’ (Scenario) كإطار ثقافي قابل للتكرار؛ حيث عمدت الأرشيفات الاستعمارية (كما في أطروحة تيراس) إلى حصر يوبا الثاني ضمن ‘سيناريو الملك العميل’ المُرَوْمن والتابع سلبياً للإمبراطورية. إلا أن الأداء الموقعـي (Site-specific performance) في ليكسوس عمل على تقويض هذا ‘السيناريو’ الأرشيفي عبر ‘إعادة تجسيد’ (Reenactment) لحظة المقاومة المفصلية التي تلت مقتل بطليموس على يد الرومان عام 40 ميلادية. إن التركيز الدرامي على الثورة ليس مجرد استعراض تاريخي، بل هو ‘فعل نقل’ (Act of Transfer) معرفي يعيد تفعيل الهوية الأمازيغية؛ لا بصفتها مجرد ‘مزيج’ (Mélange) عِرقي خاضع للوصاية كما أرادها الأرشيف الاستعماري، بل بصفتها موقعاً نشطاً للمقاومة السيادية التي ترفض المحو. بذلك، يتحول موقع ليكسوس من أطلال صامتة تخضع لسلطة الأركيولوجي التقليدي، إلى ‘بيئة ذاكرة’ (Milieu de mémoire) تنطق بلسان المؤدي؛ حيث يصبح ‘لمس’ حجارة المدرج الروماني من قِبل أجساد الفنانين المغاربة هو الفعل الذي يربط سيادة الماضي بطموح الحاضر، محولاً صدى الحجارة/الجدران إلى صرخة استرداد للهوية الوطنية، ومثبتاً أن الذاكرة الحقيقية تسكن في الارتعاشة والأغنية والجسد، وليس فقط بين دفتي الكتب المستعملة.
تنجح عروض نوستالجيا في نزع الكولونيالية عن الرؤية، حيث تجبر الجمهور على أن يكون شاهداً على التاريخ لا مجرد مستهلك له، مؤكدة أن صيانة التراث لا تعني الانحباس في صفحات الكتب أو ارتكان الآثار في أروقة ومخازن المتاحف، بل في استعادة الحق في “لمس” التاريخ وتحويل الحجر الصامت إلى صدى مدوٍّ للهوية المغربية العريقة. وهنا تتجلى الفجوة المعرفية بين “بيير نورا” و”ديانا تايلور” في كيفية إدراكنا لذاكرة الأماكن؛ فبينما يرى نورا أن مواقع الذاكرة (Lieux de mémoire) كالأرشيفات والمتاحف والمباني الأثرية —مثل موقع ليكسوس— هي بقايا محنطة لـبيئات ذاكرة (Milieux de mémoire) قد ماتت وانقطع سياقها الحي، تأتي ديانا تايلور لترفض هذا النعي الوجودي، مقترحة مفهوم المدونة الأدائية (Repertoire) كبديل حيوي يتجاوز جمود الأرشيف.
فبينما يكتفي الأركيولوجي بحراسة جمود الأثر بوصفه وثيقة أرشيفية صامتة، يرى المؤدي أن ‘ملامسة’ هذه الحجارة وإعادة إحيائها عبر الأجساد هي فعل ‘وصل’ وجودي لا غنى عنه لربط الحاضر بالماضي؛ إذ تتحول الملامسة هنا من فعل فيزيائي إلى أداة معرفية لاستنطاق المسام الحجرية للموقع. إن هذا التدخل الفني الواعي، الذي يعي قيمة الأداء الغامر داخل المواقع الأثرية، يحول ليكسوس من مجرد مضيف (Host) مادي صامت إلى فضاء يسكنه طيف (Ghost) المقاومة والحضور، كاسراً بذلك سلطة الأرشيف الاستعماري التي حاولت تدجين التاريخ في صفحات الكتب، ليستبدلها بـصدى الجدران الذي لا يُدرك إلا عبر الحلول الجسدي في فضاء الأثر، حيث يقوم المؤدون بعملية مسح عميق (Deep Mapping) للمكان. هذا المسح لا يكتفي برصد الطبقات الجيولوجية أو النقوش الرومانية، بل ينبش في صدى الجدران ليعيد تحميل المعرفة المجسدة (Embodied Cognition) التي أقصاها الأرشيف الاستعماري. إن الفعل الأدائي هنا يكسر أنطولوجيا الاختفاء التي تحدثت عنها بيغي فيلان، ليجعل من لحظة الأداء الراهنة فعلاً سياسياً بامتياز، يعيد الاعتبار للذاكرة الأمازيغية ليس كـمزيج (Mélange) عابر خاضع للوصاية، بل كسيادة ثقافية مستمرة تتكلم من خلال الحركة والصوت.
ختاما، إن “صدى الجدران” بليكسوس هو انتصار للذاكرة المجسدة. لقد أثبت المخرج أمين ناسور وفريقه الفني أن الهوية الوطنية تُستعاد أيضا بالأداء الموقعي الذي يجعل من التاريخ تجربة حسية معاشة. لم تعد ليكسوس اليوم رفاتاً في كتاب، بل غدت منصة للمستقبل تعلن أن السيادة الثقافية للمملكة هي صدى ممتد لآلاف السنين من المقاومة والإبداع، وأن الذاكرة الحقيقية تسكن في الارتعاشة والأغنية والجسد وصدى الجدران الذي لا يغيب.
عن حائط:
