العرائش نيوز:
بين ضفاف نهر اللكوس، وعلى امتداد مساحة تقارب 3600 هكتار، يمتد موقع طبيعي نادر يُصنَّف ضمن قائمة رامسار للمناطق الرطبة ذات الأهمية العالمية منذ يناير 2005. إنها المنطقة الرطبة لسافلة اللكوس بالعرائش، مجال بيئي فريد بتنوع مياهه—الجارية والراكدة، العذبة والمالحة—وبغناه في الوظائف الإيكولوجية، الاجتماعية والاقتصادية التي يؤديها.

الزحف العمراني و توسع الوحدات الصناعية: تهديدات متزايدة للمنطقة الرطبة لسافلة اللكوس
المصدر: جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض فرع العرائش
ورغم هذا الغنى، تواجه المنطقة تحديات بيئية متزايدة، أبرزها التلوث، توالي فترات الجفاف، آثار التغيرات المناخية، الزحف العمراني، تزايد الوحدات الصناعية، تراجع التنوع البيولوجي، وتعدد المتدخلين في تدبير هذا المجال الحساس. كما أكد ذلك الأستاذ أيوب زروك، عضو جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب – فرع العرائش، وهي جمعية تنخرط بفعالية في حماية هذه المنطقة من خلال أنشطتها التوعوية والميدانية.
في هذا السياق، يعد تأهيل المنطقة الرطبة لسافلة اللكوس ضرورة ملحّة لضمان حمايتها واستدامتها، انسجاماً مع التزامات المغرب بأهداف التنمية المستدامة، لاسيما تلك المرتبطة بالبيئة: الهدف 6 (ضمان توفر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع)، الهدف 13 (العمل المناخي)، الهدف 15 (الحياة في البر)، والهدف 17 (عقد الشراكات لتحقيق الأهداف).
فكيف يساهم المجتمع المحلي في إعادة الاعتبار لهذا الفضاء الطبيعي؟ وما هي أبرز المبادرات التي تُعيد الأمل وتؤسس لاستدامة هذا الموقع المصنف عالمياً؟
في هذا الربورتاج، نسلّط الضوء على آراء ممثلي المجتمع المدني وسكان المنطقة حول أدوارهم في حماية المنطقة وضمان استدامتها. كما نستعرض توضيحات الوكالة المستقلة الجماعية لتوزيع الماء والكهرباء بالعرائش بشأن محطة معالجة المياه العادمة، ودورها في تأهيل المنطقة، إلى جانب الإكراهات التي تواجه جهود الحفاظ على هذا الفضاء البيئي.
مجتمع محلي منخرط لحماية وضمان استدامة المنطقة
في ظل التحديات البيئية التي تواجه المنطقة الرطبة لسافلة اللكوس، برز دور المجتمع المدني كفاعل أساسي في حماية هذا المجال الحيوي. من بين أبرز المتدخلين، نجد جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض – فرع العرائش، التي جعلت من هذه المنطقة محوراً لعدد من أنشطتها التوعوية والميدانية.
وفي تصريح للسيد أيوب زروك، عضو الجمعية، أكد أن العمل يتم بشراكة مع فاعلين محليين، من خلال خرجات دراسية، لقاءات تواصلية مع الساكنة، وأيام دراسية للنقاش حول التدبير المندمج والمستدام للمنطقة. وأضاف أن هذا الموقع يحتضن طيوراً نادرة ومهددة بالانقراض، مثل البط الرخامي ودجاج السلطان، مما يجعل حمايته دعماً مباشراً للهدف 15 من أهداف التنمية المستدامة.
وأشار أيضاً إلى أهمية الأراضي الرطبة في التخفيف من آثار التغير المناخي، عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وهو ما ينسجم مع الهدف 13 من أهداف التنمية المستدامة.
ورغم هذه الجهود، تبقى تحديات بنيوية قائمة، أبرزها ضعف التنسيق بين المتدخلين، الاستغلال المفرط للموارد، التوسع العمراني العشوائي، وغياب رؤية مندمجة لتأهيل شامل ومستدام، يضيف المستجوب.
شهادة: صوت من الميدان
من قلب سافلة اللكوس، كان لنا لقاء مع السيد بوسلهام عبو، أحد سكان دوار “بكارة” المجاور للمنطقة الرطبة، وفاعل جمعوي نشيط.
شهادة من قلب المنطقة الرطبة لسافلة اللكوس – تصوير فريق الربورتاج

يقول السيد عبو:
“منذ الصغر ونحن نعيش من خيرات هذه الأرض. كانت المياه نقية ومتوفرة بكثرة، نستعملها في الفلاحة ولسقي الماشية. لكن في السنوات الأخيرة، تغيّرت الأمور؛ قلت الأمطار، وتزايد التلوث، وقلّ عدد الطيور التي كنا نراها في كل موسم…”
وفيما يخص المبادرات المحلية، أضاف: “قمنا بعدة أنشطة توعوية بشراكة مع بعض الجمعيات، لكنها ظلت محدودة بسبب ضعف الإمكانيات.”
وعن اقتراحاته لتأهيل المنطقة، صرّح قائلاً: “نقترح إحداث محمية طبيعية بالمنطقة، إلى جانب تأهيل البنيات التحتية، لأنها الأساس لأي مجهود تنموي أو بيئي.”
مشروع بيئي واعد رغم التخوفات: محطة معالجة المياه العادمة في قلب المنطقة الرطبة
تجاوباً مع الإشكالات البيئية التي تعرفها مدينة العرائش، وسعياً للمساهمة في تأهيلها وتحسين جودة مياه شواطئها، دعماً للهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، تعتزم الوكالة الجماعية المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء تنفيذ مشروع بيئي كبير يتمثل في إنشاء محطة لمعالجة المياه العادمة.
غير أن موقع هذه المحطة، المزمع إنشاؤها في قلب المنطقة الرطبة بسافلة اللكوس، يثير تخوفات متزايدة مرتبطة باحتمال تراجع مساحة الأراضي الرطبة، وكذا الأثر البيئي المحتمل للمشروع، وهو ما أكدته الأطراف التي تم الاستماع إليها في إطار هذا الربورتاج.
وللتعمق في هذه التخوفات، أجرينا حوارا مع السيد محمد كنيس، رئيس قسم استغلال الماء والتطهير السائل بالوكالة، للحديث عن المشروع وعلاقته بالمنطقة الرطبة.

مقابلة مع السيد محمد كنيس، رئيس قسم استغلال الماء و التطهير السائل بالوكالة الجماعية المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بإقليم العرائش – تصوير فريق الربورتاج
في تصريحه، أوضح السيد كنيس أن “المحطة ستقوم بمعالجة المياه العادمة وفق معايير بيئية دقيقة، بغرض إعادة استعمالها في أنشطة أخرى مثل السقي. ومن بين أهداف المشروع الأساسية: إنشاء بنية تحتية متطورة لمعالجة المياه العادمة، والحد من تدفقها في المنطقة الرطبة بسافلة اللكوس”.
وبخصوص التخوفات البيئية المطروحة، شدد ممثل الوكالة على أن “كل مشروع من هذا النوع يخضع لدراسة التأثير على البيئة، وسنأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه المنطقة الحساسة”.
أما فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه تنزيل المشروع، فقد أشار السيد كنيس إلى “صعوبة التنسيق بين مختلف المتدخلين والمؤسسات، والتكلفة المرتفعة، إضافة إلى صعوبة إنجاز البنية التحتية داخل منطقة رطبة، ناهيك عن ضرورة كسب ثقة الساكنة وضمان انخراطها الفعلي، إلى جانب تحديات ذات طابع اقتصادي وتقني واجتماعي”.
وعلاوة على هذا المشروع، تساهم الوكالة في المراقبة المستمرة لجودة المياه، وتعزيز التربية البيئية بالمنطقة.
حماية المنطقة الرطبة لسافلة اللكوس مسؤولية مشتركة ومستقبل مشترك
تُعدّ المنطقة الرطبة لسافلة اللكوس بالعرائش أكثر من مجرد مجال طبيعي غني بالتنوع البيولوجي؛ فهي رئة بيئية، وذاكرة جماعية، ومورد اقتصادي واعد. ورغم التحديات العديدة التي تواجهها، فإن انخراط المجتمع المحلي، إلى جانب جهود بعض المؤسسات، يُظهر أن حماية هذا الفضاء ممكنة وضرورية.
إن المراهنة على التوعية، والعمل التشاركي، وتحسين التنسيق بين الفاعلين، وتعزيز الشراكات (دعماً للهدف 17)، كفيلة بخلق نموذج ناجح في التدبير المستدام للمناطق الرطبة، انسجاماً مع التزامات المغرب البيئية والدولية.
ويبقى الأمل معقوداً على مواصلة التعبئة الجماعية، حتى تستعيد هذه المنطقة مكانتها كتراث طبيعي عالمي، وكمجال للعيش الكريم للأجيال الحالية والمقبلة.
الربورتاج من إعداد:
التلميذ: العربي الربح.
والتلميذ: محمد زهير
تحت تأطير: الأستاذ جواد الخياط، أستاذ علوم الحياة والأرض
المؤسسة: الثانوية الإعدادية وادي المخازن بالعرائش
مباراة الصحفيون الشباب من أجل البيئة موسم 2024-2025

