حين يُعلن عن الرحيل… وتبدأ الذاكرة في الاشتغال

العرائش نيوز:

اسامة بنمسعود

في لحظات معينة، لا بد للمرء أن يكتب. لا رغبة في المجاملة، ولا سعياً وراء القرب، بل إيماناً بأن هناك من يستحق أن يُشهد له، لا عليه.
الإعلان عن مغادرة السيد محمد الشاوي لمنصبه كمدير عام للوكالة المستقلة الجماعية لتوزيع الماء والكهرباء بالعرائش، كان لحظة من هذا النوع. لحظة تستدعي الإنصاف.

لو قيل هذا الكلام في بداية تعيينه، لاعتُبر نوعاً من التطبيل، أو “لحيس الكابة” كما يُقال بالعامية، لكن أن يُقال الآن، وقد شارف الرجل على الرحيل، فهو شهادة حق، من مواطن تابع التجربة عن قرب، ورأى التحوّل.

حين استلم محمد الشاوي مهامه، كانت الوكالة تمرّ بوضع مالي بالغ الصعوبة: عجز متراكم، مديونية ثقيلة، بنية تحتية متهالكة، ومناخ داخلي يغلب عليه الجمود و”اللا مسؤولية”.
وفوق ذلك، ثقافة إدارية تقليدية، قائمة على الولاءات، تغذّي الزبونية والمحسوبية، وتُفرغ المرفق العمومي من معناه.

لكن الرجل لم يستسلم لإرث الأزمة. لم يتذرّع بالماضي، بل اختار طريق الإصلاح الهادئ، التدريجي، القائم على الفعل أكثر من القول.

في المجال المالي، نهج سياسة ترشيد النفقات وتصفية الاختلالات، أعاد تنظيم الميزانيات حسب الأولويات، وتعامل مع العجز لا كقدر محتوم، بل كمشكل ممكن تجاوزه بالحكمة والانضباط.

في المجال الإداري، أطلق مساراً طموحاً من التحديث، أبرز علاماته:

خدمة الرقم الأخضر للتواصل المباشر مع المواطنين،

رقمنة مجموعة من الخدمات والمساطر،

تبسيط الإجراءات وتقليص زمن الانتظار،

تحديث قاعدة بيانات الزبناء،

فتح قنوات فعالة للشكايات والتتبع.

وهذا كلّه، لم يكن مجرد تحسين شكلي، بل تعبير عن رؤية تؤمن بأن الخدمة العمومية تُبنى على الوضوح، الكفاءة، والاحترام المتبادل.

أما على مستوى محاربة المحسوبية والزبونية، فقد سلك طريقاً صريحاً، وراكم مواقف ثابتة، رفض خلالها التدخلات والضغوط. أعاد الاعتبار لمبدأ الاستحقاق، سواء في التوظيف أو في الخدمات أو في العلاقات الداخلية.

ولم يكن هذا التحول ليحدث لولا أنه أحاط نفسه بفريق عمل متناغم، تقاسم معه الرؤية والمسؤولية، وساهم في تحويل التوجهات الكبرى إلى إجراءات ملموسة داخل الإدارة.

لقد أدار الرجل مؤسسة كانت على حافة الشلل، وأعاد إليها روح المبادرة، وفرض احترامها في محيطها، دون صخب، دون خطب، فقط عبر العمل اليومي والمتواصل.

اليوم، تُفتح صفحة جديدة، إذ ستؤول مهمة التوزيع لاحقاً إلى الجهة، وينتهي بذلك فصل كامل من عمر الوكالة كما عرفناها. لا أحد يعرف ما سيحمله المستقبل، لكن المؤكد أن ما تحقق لا يجب أن يُهدر.

…وإن كنا نُحسن الظن بما هو قادم، فإننا لا نستطيع إلا أن ننحني احتراماً لرجل قاد مرحلة صعبة بكثير من الهدوء وكثير من الصدق.

ما أنجزه محمد الشاوي لا يُقاس بالكلمات، بل بما تغيّر فعلاً في أداء المرفق، في طريقة التعامل، وفي إعادة الاعتبار لمفهوم الخدمة العمومية.

هو من الأسماء التي لا تحتاج إلى مديح، يكفي أنها حين تمر، تترك وراءها بصمة تفرض التقدير من تلقاء نفسها.

وهنيئاً لساكنة جهة فاس-مكناس، التي تستقبل مسؤولاً لا يُراهن على الكلام، بل على الفعل الهادئ والمثابر.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.