العرائش نيوز:
في خطوة وصفتها أوساط مهنية بـ”التاريخية”، كشف عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، عن ملامح استراتيجية إصلاحية طموحة لقطاع سيارات الأجرة، تعتمد مقاربة “الشوكة والسكين”؛ حيث تجمع بين التحديث الرقمي المتطور والتشديد القانوني لقطع الطريق على اقتصاد الريع والوسطاء.
وأكد الوزير، في جواب عن أسئلة برلمانية، أن وزارته شرعت منذ سنوات في تفكيك نظام “السمسرة” الذي أنهك القطاع، مشددا على أن قطاع النقل الطرقي للمسافرين دخل مرحلة الحسم .
تعود الانطلاقة الأولى لهذا الإصلاح إلى سنة 2007، حيث تم اعتماد “عقد نموذجي” مكن السائقين المهنيين من تسجيل السيارات بأسمائهم. لكن نقطة التحول الكبرى جاءت في سنة 2022، حينما قررت السلطات وقف المصادقة على عقود الاستغلال لفائدة “غير المهنيين”.
ووفق المعطيات الجديدة، يُمنع منعا باتا أن يستفيد شخص من عدة رخص استغلال لسيارات الأجرة، إذ تم حصر الحق في رخصة واحدة فقط لكل شخص . ويأتي هذا القرار لمواجهة ظاهرة احتكار “الكراسات” التي كان يستأثر بها كبار الملاك، تاركين السائق الفعلي في وضعية هشة بدون أي ضمانات اجتماعية.
في شق التحديث، أعلن لفتيت عن انطلاق عملية وطنية كبرى خلال النصف الأول من سنة 2026، تشمل تحيين معطيات جميع السائقين الممارسين. سيتم خلالها استبدال “رخص الثقة” الورقية التي طالما شابتها عمليات التزوير والضياع، ببطاقات إلكترونية بيومترية ذكية .
وستكون هذه البطاقة، الصالحة لمدة خمس سنوات، بمثابة هوية مهنية رقمية لا تقبل الجدل، تربط السائق بقاعدة بيانات مركزية، مما يسهل عملية المراقبة الأمنية ويحد من ظاهرة السائقين “الوهميين”.
لم تخف الوزارة توجهها الحازم في ملف النقل عبر التطبيقات الذكية (Uber و InDrive و Heetch). ففي الوقت الذي تطالب فيه نقابات حرة بتقنين هذا القطاع لمواكبة الاستحقاقات العالمية (كأس العالم 2030)، تتمسك وزارة الداخلية بموقفها الرافض لأي نشاط نقل للركاب خارج إطار التراخيص الرسمية، معتبرة إياه “منافسة غير مشروعة” تضرب المهنيين في مقتل .
ودعا الوزير السلطات المحلية والأمنية إلى تكثيف المراقبة الطرقية لضبط المخالفات وحماية السائقين النظاميين من “لصوصية” النقل السري.
إلى جانب الجانب الزجري، تضمنت الاستراتيجية بعدا اجتماعيا، حيث شدد لفتيت على ضرورة تعزيز انخراط السائقين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، للاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض (AMO) والتعويضات العائلية.
لكن هذه الجوانب الإيجابية تواجه تحديات واقعية كبرى. فقد كشفت مصادر ميدانية أن نظام الدعم الحكومي لارتفاع المحروقات يوجه حاليا إلى مالكي العربات (أصحاب الرخص) بدلا من السائقين الفعليين . ويشتكي السائقون من أن “صاحب الكريمة” يتلقى الرسائل البنكية للدعم وهو جالس في المقهى، بينما يتحمل السائق وحده أعباء التشغيل اليومية، ما ينذر بفشل الإصلاح إذا لم يتم تعديل آلية الصرف.
في ظل هذا الزخم، يرى مرصد النقل الطرقي أن “الدوريات الوزارية وحدها لم تعد كافية”. ودعا المرصد، في تصريحات سابقة، إلى إحداث وكالة وطنية خاصة بتسيير قطاع سيارات الأجرة، على غرار الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)، لتكون مخاطبا وحيدا للمهنيين وتنهي حالة التشظي الإداري الحالية .
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح الحكومة في تطبيق هذه الإجراءات الصارمة دون مواجهة احتجاجات اجتماعية من فئة “المستثمرين الصغار” الذين يعيشون على كراء الرخص؟ أم أن الرقمنة و”الرخصة الواحدة” ستكونان بمثابة ثورة هادئة تعيد للمهنة هيبتها وتحررها من قبضة الريع؟
