لهفة المواطن المقهور على اضحية العيد!! اين الخلل؟؟

العرائش نيوز:

– السالمي اسامة

قبل أشهر، أعلن ملك المغرب عن إلغاء أضحية العيد، وذلك لعدة أسباب رئيسية. أولا بسبب قلة الأضاحي في الأسواق نتيجة تراجع أعداد الماشية، وثانياً نظراً لعدم قدرة فئة كبيرة من المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخل المحدود، على تحمل تكاليف الأضحية. فقد أصبح شراء الأضحية عبئاً ثقيلاً بسبب ارتفاع أسعار الخرفان، التي تجاوزت ضعف ثمنها الحقيقي، تحت ذريعة ارتفاع أسعار الأعلاف وعدم تلقي الفلاحين أي دعم حكومي في ظل موجات الجفاف المتكررة التي ضربت البلاد في السنوات الأخيرة
هذا الغلاء الفاحش دفع بالكثيرين إلى التنديد بما وصفوه بـ”جشع الكسابة” و”احتكار الفلاحين”، الذين ضاعفوا الأسعار تحت ذريعة ارتفاع أثمان الأعلاف وتخلي الدولة عنهم. ومع تزايد هذا السخط الشعبي، تدخل الملك معلنًا إلغاء الأضحية لهذا العام، مؤكدًا أنه سيتولى أداء الشعيرة نيابة عن الشعب، في خطوة رمزية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية ودينية. كما سحب ملف تكوين القطيع من وزارة الفلاحة وأسنده إلى وزارة الداخلية، في ما فُهم على أنه إشارة إلى ضعف ثقة المؤسسة الملكية في قدرة الحكومة، وتحديدًا حكومة أخنوش، على تدبير هذا الملف.
غير أن ما يثير الدهشة هو التحول المفاجئ في سلوك بعض المواطنين فالأصوات التي كانت بالأمس تندد وتصرخ بأنها لا تقدر على اقتناء الأضحية، هي ذاتها التي نراها اليوم تتسابق إلى الأسواق لشراء الخروف، بحجة عقيقة او مناسبة …… بل إن البعض صار يدافع عن غلاء الأسعار، مبررًا الأمر بظروف الفلاح، متناسياً شكواه السابقة.
هذا التناقض يمكن فهمه في ضوء ما جاء في كتاب “سيكولوجية الإنسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي، الذي حلل نفسية الإنسان الذي يعيش في ظل أنظمة قهر اجتماعي واقتصادي. فالإنسان المقهور، بحسب حجازي، يعاني من العجز المكتسب، وهو شعور داخلي راسخ بأنه لا يملك قدرة حقيقية على تغيير واقعه، حتى وإن كان غير عادل. فيرفض، يغضب، يحتج، لكنه سرعان ما يعود إلى الخضوع والامتثال. لماذا؟ لأنه تعلم عبر الزمن أن التمرد مكلف، بينما “القبول” أضمن ولو كان مؤلماً.
كما أن هذا الإنسان يعيش في حالة من الازدواجية الأخلاقية، فهو يدين الظلم والغلاء علنًا، لكنه يسايرهما سلوكياً. يدافع عن المبادئ، ثم يتنازل عنها حين تصطدم بمصالحه أو خوفه من نظرة المجتمع. فالحرمان طويل الأمد والتهميش يولّدان عقلية التكيّف مع القهر، بدل مقاومته. وهكذا يتحول الدين من علاقة روحية إلى طقس اجتماعي، تُمارس فيه الشعيرة خوفاً من “العار الاجتماعي” لا حباً في الله.
في هذا السياق، تصبح أضحية العيد عبئاً لا عبادة، وشكلاً بلا جوهر، ونوعاً من الإلزام غير المعلن المفروض بقوة العرف وليس بقوة الإيمان. وتصبح الأسواق في أيام العيد مسرحاً يُمارَس فيه هذا التناقض الجماعي: احتجاج صباحاً، وتسوق مساءً، كل ذلك تحت وهم “الضرورة الاجتماعية”، حتى وإن كانت كاذبة.
من هنا، لا يمكن علاج هذا الخلل بقرار سياسي فقط، بل لا بد من تحرير الوعي الجماعي من قيود القهر النفسي والاجتماعي، وزرع قيم جديدة تُمكّن الإنسان من اتخاذ قراراته بناءً على قناعاته لا على ضغط الجماعة. فالحل الحقيقي يبدأ حين نُعيد للعبادة معناها، وللشعائر قدسيتها، وللمجتمع وعيه الذاتي، بعيداً عن منطق القطيع.

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليق 1
  1. محمد أيوب يقول

    كلام في الصميم:
    الكاتب أجاد في وصف سلوك الفرد المتناقص:”احتجاج على الغلاء صباحا والتسوق مساء”…التشكي من غلاء الأضحية مقابل التهافت على اقتناء اللحم و”الدوارة”مهما بلغ الثمن…وهكذا تستمر ازدواجية الاحتجاج/القبول كمتلازمة للانسان المقهور الذي يتصرف بناء على هواه لا على ما تقتضيه سنة عيد الأضحى كشعيرة دينية…وشخصيا اعاين تجليات تناقضاتنا السلوكية بشكل يومي:مقاهي ومطاعم واسواق ومتاجر وفضاءات الترفيه ممتلئة بالرواد وسيارات من مختلف الماركات مزدحمة بمحطات التوزيع تجوب الشوارع والطرقات بين المدن ومناسبات تقام بتكاليف باهظة(خاصة الاعراس)…الخ…مقابل حديث لا ينتهي محوره الغلاء تصاحبه انتقادات موجهة للحكومة بسبب تقاعسها عن كبح موجة الغلاء…غير انه وكأني بالحكومة:”عايقة”بسلوك:”الانسان المقهور”لذلك فهي تتصرف بمنطق:”كم حاجة قضيناها بالسكوت عنها”لكنها تتجاوب مع احتجاجات المواطن عبر أذرعها الإعلامية وقنوات التواصل الاجتماعي لتبرير موجة الغلاء وخلق قضايا تشغل هذا الكائن المقهور فينشغل بها ولو مؤقتا في انتظار خلق قضايا اخرى تلهيه عن استمرار الاحتجاج،وهكذا يظل هذا الانسان يدور في حلقة مفرغة تعكس تناقضه مع نفسه والواقع الذي يعيشه… لم يعد لعيد الاضحى طابعه الديني المقدس بل تحول إلى مناسبة تفرض طقوسا وعادات فارغة من اي طابع يعكس إيمان الناس كما حددها الشرع…وكل عيد أضحى وانتم بخير…شكرا للكاتب على ملامسته لنفسية وسلوك:”الانسان المقهور” المتناقض…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.