العرائش نيوز:
هيذر فوجيل، ترجمة ريما العيسى
نشر هذا التحقيق بالإنجليزية في مجلة بروبوبليكا في آذار 2024.
كان غاستون أونلاماي عند التحاقه بالمدرسة في سن الرابعة، بدينًا إلى درجة أثارت قلق معلمته من مشاكل التنفس التي قد تحل به أثناء استراحة النوم. كانت ذراعاه وساقاه ثخينتين جدًا، وفمه يطل من خلال خدود منتفخة كالبالون، ويتحرك ببطء شديد.
ألح غاستون خلال سنين طفولته على والديه لإعادة ملء رضاعة الحليب بـ«حليبه» المفضل بانتظام؛ وهو نوع من التركيبة المصنعة خصيصًا للأطفال في عمره. وكان الوالدان سعيدين بتلبية الطلب. وقد اختار يوميت أونلاماي وجينتانا سوكسيري، المقيمان في ولاية ريفية إلى الشمال من بانكوك، الماركة بعناية.
انهالت عليهم وعلى غيرهم من الآباء التايلانديين، دعايات الحليب الصناعي على التلفاز وعلى الإنترنت وفي المتاجر، أطياف ملونة من كراتين وعلب حليب البودرةللأطفال محملة بتصاوير لدببة بقبعات التخرج وهدايا دعائية مثل الألعاب والحفاظات، مع أن ثمنها أعلى بكثير من الحليب البقري إلا أنها تعد بجعل غاستون أقوى وأذكى.
ما لم تعرفه الأم بينما كان غاستون يرضع الحليب الصناعي ووزنه يقارب 32 كيلوغرامًا، أن خيار ابنها للحليب قد أشعل صراعًا عالميًا.
في عام 2017، حاول خبراء الصحة في تايلاند وقف الإعلانات المكثفة لكافة أنواع الحليب الصناعي، بما في ذلك الحليب المخصص للأطفال الصغار. إذ خشي المسؤولون أن يؤدي ترويج الشركات إلى تضليل الآباء وحتى إقناع الأمهات بالتخلي عن الرضاعة الطبيعية، مما يحرم أطفالهن من الفوائد الصحية الحيوية المرتبطة بها. في ذلك الوقت، كانت نسبة الرضاعة الطبيعية في تايلاند من بين الأدنى في العالم.
لكن صناعة الحليب الصناعي التي تبلغ قيمتها 47 مليار دولار ردّت الهجوم، واستعانت بحليفٍ غني وذي نفوذ: حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.
بناءً على تحقيق أجرته بروبوبليكا، شارك مسؤولو التجارة الأمريكيون وعلى مدار 15 شهرًا، صانعي تركيبة الحليب الصناعي في شن حملة من الضغط الدبلوماسي والسياسي لإضعاف الحظر التايلاندي المقترح على تسويق الحليب الصناعي.
سلم المسؤولون الأمريكيون رسالة إلى بانكوك تتضمن أسئلة محددة، منها ما إذا كان التشريع «أكثر تقييدًا للتجارة مما ينبغي». كما وجهوا النقد في اجتماع ثنائي للتجارة مع السلطات التايلاندية في مقر منظمة التجارة العالمية، حيث قد تفضي مثل هذه الشكاوى إلى معارك قضائية مكلفة.
حاجج المسؤولون التايلانديون بأن التنظيمات الجديدة هي لحماية الأمهات والأطفال. إلا أن الحكومة التايلاندية تراجعت في نهاية المطاف، إذ حظرت دعايات حليب الرضع وسمحت بتسويق حليب الأطفال لأمثال غاستون؛ وهو أحد أكثر منتجات صناعة الحليب ربحية وإشكالية. وجاء القانون النهائي بتخفيف العقوبات على المخالفين.
«قانوننا ضعيف حقًا كما وتطبيقه ضعيف أيضًا» يقول سيريوات تيبتارادول، الذي قاد الحظر المقترح كمستشار سابق لوزير الصحة التايلاندي، في مقابلة في بانكوك، مضيفًا «لقد استأت وخاب أملي».
شكل المسعى الأمريكي في تايلاند جزءًا من مجهود امتد عبر العالم لعقود من أجل حماية إنتاج الحليب الأمريكي المميز ونشاطات تصديره. وقد راجعت بروبوبليكا آلاف الصفحات من الرسائل الإلكترونية والمذكرات المرسلة من المسؤولين الأمريكيين إلى الوزارات الأجنبية، ومراسلات المجموعات الصناعية والأبحاث الأكاديمية. كما قابلنا خبراء في الصحة وقادة حكوميين فيما يربو على العشرين دولة، بمن فيهم مسؤولون أمريكيون سابقون.
كشفت التقارير مجتمعة بأن الحكومة الأمريكية استخدمت عضلاتها مرارًا وتكرارًا للدفع بمصالح شركات تصنيع حليب الأطفال متعددة الجنسيات، مثل ميد جونسون وأبوت، في حين بددت جهود تايلاند وغيرها من الدول النامية في حماية صحة أطفالها الصغار.
وقد عارض مسؤولون من الولايات المتحدة مؤخرًا إشارة إلى حظر ترويج الحليب الصناعي في معيار غذاء عالمي جديد لحليب الأطفال في اجتماع في ألمانيا. وجاءت الخطوة بعد ضغوطات الشركات المصنعة.
كانت مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، الذي يقدم المشورة للرئيس بشأن السياسات التجارية، في صميم العديد من هذه الجهود. تكشف رسائل البريد الإلكتروني أن موظفيه كانوا على تواصل منتظم مع شركات تصنيع حليب الأطفال ومجموعاتهم الصناعية من خلال الاجتماعات والاتصالات وأوراق المواقف، التي استخدمتها الصناعة لتكثيف اعتراضاتها على التشريعات حول العالم. كان «لميد جونسون وغيرها من منتجي حليب الرضع صوت مؤثر في التعبير عن قلقهم لدى الحكومتين التايلاندية والأمريكية حيال ما يشعرون بأنه الخطر الداهم لهذا الإجراء» كما كتب المسؤولون الأمريكيون عام 2016، بينما كانت تايلاند تراجع حظرها لتسويق الحليب.
وقد ردد مكتب الممثلية التجارية للولايات المتحدة وغيره من الوكالات المرتكزة على التجارة بما فيها تلك المتواجدة داخل وزارة الزراعة الأمريكية هذه المواقف، كما تبين الوثائق في اتصالاتهم مع الدول الأخرى وفي المحافل الدولية مثل منظمة التجارة العالمية.
يقول روبرت بويل، الطبيب في إمبريـال كوليدج لندن، والذي قام بأبحاث حول الاستخدام العالمي للحليب الصناعي، إن «للولايات المتحدة تأثيرًا كبيرًا».
بدا التحشيد ناجحًا في العديد من الأماكن. إذ خفضت هونغ كونغ بعض قيودها على الحليب المصنع بعد اعتراضات من الموظفين التجاريين الأمريكيين، الذين قالوا في مسودة خطاب إنه «قد ينجم عن القوانين خسائر ملحوظة للشركات الأمريكية». كذلك، في تعثر مقترح في أندونيسيا بعد مساءلة من الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية.
واللافت أن هذا النوع من الضغط لم يعق فقط المحاولات المحلية لوقف تسويق الحليب الصناعي، والذي يصفه النقاد بأنه مضلل أو حتى استغلالي، بل قوّض أيضًا جهود مسؤولي المساعدات الخارجية والصحة في الولايات المتحدة، الذين لطالما دعموا الرضاعة الطبيعية حول العالم، ويصفونها بـ«إحدى أعلى العوائد على الاستثمار بين جميع أنشطة التنمية»، نظرًا لفوائدها المثبتة لصحة الأطفال ونموهم العقلي.
ظهرت هذه التدخلات إلى العلن في عام 2018، عندما اتُهِم موظفون من إدارة ترامب بتهديد الإكوادور بحجب المساعدات العسكرية عنها إذا لم تتخل عن قرارها المقترح الداعم للرضاعة الطبيعية لدى منظمة الصحة العالمية؛ وقد نفي السفير الأمريكي لاحقًا القيام بهذه التهديدات. إلا أن تحقيقات بروبوبليكا وجدت أن مدى التدخل يتجاوز تلك الحادثة بمراحل واستمر ظل إدارة بايدن اللاحقة. في الواقع، لم تكن الإكوادور وتايلاند سوى محطتين في حملة عالمية مناهضة تنظيم تسويق حليب الأطفال، امتدت عبر إدارات جمهورية وديمقراطية، وطالت أكثر من اثني عشر بلدًا، من بينها جنوب إفريقيا، وغواتيمالا، وكينيا، إلى جانب دول في جنوب شرق آسيا مثل الفلبين وماليزيا وفيتنام.
حرب الولايات المتحدة على تنظيم الحليب الصناعي
تدخلت الوكالات الأمريكية فيما لا يقل عن 17 جهة قضائية خلال العقود الماضية لصالح صناعة الحليب الصناعي، وغالبًا ما كان ذلك لمعارضة إجراءات تهدف إلى تقييد تسويق الحليب أو فرض احتياطات إضافية تتعلق بالسلامة.
لم تستجب أبوت ولا ميد جونسون لطلبات إجراء مقابلات أو إجابات على أسئلة تفصيلية مطروحة من بروبوبليكا، حتى إن ريكيت، الشركة الأم لميد جونسون، لم تستجب لأي من دعواتنا للتعليق.
رفض مسؤولو الممثلية التجارية للولايات المتحدة (USTR) إجراء مقابلة بشأن هذه القصة. وأدلى متحدث باسم الوكالة بتصريح ردًا على أسئلة مكتوبة بالقول إن الوكالة في عهد الرئيس جو بايدن، شددت على احترام دور الحكومات الأجنبية في اتخاذ ما تراه مناسبًا من نهج تنظيمي، بما في ذلك ما يتعلق بحليب الأطفال الصناعي. وأضاف البيان أن المكتب ملتزم بـ«بالتأكد من أن سياستنا التجارية تعمل من أجل الناس، ولا تخضع جزافًا لإرادة الشركات».
وقد عنى هذا النأي بالممثلية «بعيدًا عن المنظور المعياري السابق الذي كثيرًا ما اعتبر المبادرات التنظيمية المشروعة عوائق تجارية»، بحسب أقوال المتحدثة الرسمية، مضيفة بأن هذه النأي، قد «أضعف» لاعبي الشركات الذين اعتادوا على «تلبية رغباتهم لدى الممثلية التجارية للولايات المتحدة لعقود».
ومع ذلك، رفضت المتحدثة تقديم أمثلة على النهج الجديد فيما يتعلق بحليب الأطفال الصناعي. كما امتنعت عن الرد على أسئلة تتعلق بوثائق حكومية تُظهر أن مكتب الممثلية في عهد بايدن، عمل مع وكالات فيدرالية أخرى باتباع نفس النهج المتبع في الإدارات السابقة بشأن قضية الحليب الصناعي.
فمثلًا تقدم الموظفون الرسميون بشكوى إلى السلطات التجارية الفلبينية عام 2021 حول قواعد التسويق الصارمة للحليب المصنع والتي اعتبروها «مفرطة». وعبروا عن مخاوفهم من «الانتشار» التنظيمي إلى أماكن أخرى في جنوب شرق آسيا. بينما سعوا في كينيا إلى شطب بند في مقترح حظر ترويج للمنتج بعد أن أرسلت مجموعة صناعية ورقة إلى الممثلية التجارية للولايات المتحدة سعيًا وراء شطبها.
يثير موظفو الصحة الرسميون المخاوف حول حليب الأطفال بشكل متزايد، خصوصًا وأن الشركات تنشر الدعايات عن المنتجات باستخدام ادعاءات صحية جريئة – غالبا بدون سند، بحسب النقاد.
نشرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تقريرًا جديدًا يحذر من تسويق حليب الأطفال المخصص للمرحلة التالية للرضاعة. وفق جورج فوكس الثالث، المؤلف الرئيسي للدراسة، فإن «المنتجات التي يروج لها على أنها «حليب المتابعة»، و«حليب الفطام» أو «حليب الأطفال الصغار» تُقدَّم بشكل مضلل على أنها جزء ضروري من النظام الغذائي الصحي للطفل»، ويضيف أن هذه المشروبات أسوأ من حليب الرضع للأطفال دون السنة، «ولا تمنح أية فوائد تفوق حليب الأبقار الأقل كلفة بكثير لمعظم الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 12 شهرًا».
بعكس حليب الرضع، لا يعتبر حليب الأطفال منظمًا من جانب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA. وقد حذر خبراء التغذية من الجرعات المرتفعة للمحليات والصوديوم في معظم العلامات التجارية.
دافع مجلس تغذية الرضع في الولايات المتحدة، وهو أحد المجموعات المصنعة للحليب، عن مشروبات الأطفال، بالقول إنها «يمكن أن تُسهم في تلبية الاحتياجات الغذائية وقد تسد بعض الفجوات الغذائية لدى الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 12 شهرًا فما فوق».
شكل حليب الأطفال 11% فقط من كافة مبيعات الحليب الصناعي في الولايات المتحدة عام 2023، ولكنه كان أكثر شيوعًا في الخارج بحسب المرصد الأوروبي المتخصص في تتبّع المبيعات، حيث شكل هذا الحليب 37% من المبيعات حول العالم، بينما تجاوزت نسبته في تايلاند نصف المبيعات.
تصارع الدولة الآن من أجل مواجهة تبعات إضعاف القانون، بحسب الباحثين والمسؤولين، حيث يواجه ما يزيد عن 1 لكل 10 من الأطفال التايلانديين تحت الخمسة أعوام ما يدعوه الباحثون «العبء المزدوج لسوء التغذية» الذي يترك البعض يتصارع مع البدانة والبعض الآخر يتخلف عن تحقيق أهداف النمو. ويمكن للرضاعة الطبيعية أن تساعد في معالجة كلتا المشكلتين.
«تذهب إلى المدرسة وتشاهد العديد من الأطفال البدينين»، يقول سومساك لوليكها، رئيس الكلية الملكية لأطباء الأطفال في تايلاند وجمعية طب الأطفال، «لدينا مشكلة كبيرة في تايلاند».
استهداف «أكواب حليب الأطفال في العالم»
حليب الأطفال الصناعي هو واحد من منتجين يحملان توصيات عالمية تمنع تسويقهما. المنتج الثاني هو التبغ.
يعود التحذير إلى عام 1981، عندما مررت البلدان التي تشكل الجسم الحاكم لمنظمة الصحة العالمية المدونة الدولية لتسويق بدائل حليب الأم. وقد كانت تهدف إلى وقف كافة دعايات الشراب المعنية باستبدال حليب الأم. وجاء التحرك بعد تقارير من السبعينيات بإصابة آلاف الأطفال في الدول المفقرة بالمرض والموت بعد تناول حليب الأطفال الصناعي.
لم يكن كافيًا أن الأمهات بتن يستخدمن حليبًا مرتفع الثمن عوضًا عن حليب الأم الذي كان سيمنح أطفالهم مناعة أفضل، إلا أن الماء الذي خلط حليب البودرة به كان ملوثًا أحيانًا مما أفضى إلى التهابات بكتيرية مهددة للحياة وكذلك الإسهال. كما أن تخفيف الحليب الصناعي بشكل مفرط تسبب في حالات سوء تغذية حادة. وقد دفع ذلك النشطاء إلى الدعوة لمقاطعة شركة نستله، أكبر مُنتِج لحليب الأطفال في العالم، بسبب ترويجها المكثف لمنتجاتها في الدول النامية.
في ذروة الجدل، قدّرت ورقة بحثية تداولها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في العام الماضي أن ما معدله 212 ألف طفل في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط يموتون سنويًا بسبب وفيات يمكن تفاديها مرتبطة باستخدام الحليب الصناعي. (من جانبها، شككت شركة نستله في نتائج هذا البحث، وأكدت أنها كانت أول شركة حليب صناعي تتبنى توصيات منظمة الصحة العالمية ضمن سياساتها التسويقية عام 1982).
كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت بـ«لا» ضد المدونة العالمية، حيث استندت إدارة ريغان إلى التعديل الأول في الدستور الأمريكي الذي يحمي حرية الإعلان. وقد نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول فيدرالي رفيع استقال احتجاجًا على القرار، قوله إن هذا التصويت «سوف يعتبر في العالم نصرًا لمصالح الشركات الكبرى».
لا شك أن الحليب الصناعي كان ضروريًا للأطفال الذين لا يتوفر لهم حليب الأم. لكن بالنسبة لأولئك الذين تتوفر لهم الرضاعة الطبيعية، فقد عبّر خبراء الصحة العامة عن خشيتهم من أن تؤدي الإعلانات المكثفة والعينات المجانية إلى تعطيل دورة حيوية. فبمجرد أن يبدأ الأطفال في شرب الحليب الصناعي بانتظام، تُظهر الأبحاث أن إنتاج الأمهات من حليب الثدي يمكن أن ينخفض.
يفيد تقرير لمنظمة الصحة العالمية واليونسيف بأن «عملية تسويق الحليب الصناعي، وليس المنتج بحد ذاته، هو ما يُعرقل اتخاذ القرارات المستنيرة ويقوّض الرضاعة الطبيعية وصحة الطفل».
منذ تبني المدونة العالمية، سعت ما لا يقل عن 144 دولة، نحو تكريس قيودها الطوعية لتصبح قوانين تمنع تسويق المنتج في المتاجر والمستشفيات وغيرها. رغم ضعف التطبيق في العديد من الأماكن، إلا أن القوانين كان لها فوائد عديدة. فقد بينت الدراسات بأن البلدان التي تبنت حظر التسويق شهدت ارتفاعًا بمعدلات الرضاعة الطبيعية، ويرتبط مثل هذا الارتفاع بتناقص وفيات الرضع. فضلًا عن أن هذا يخفض مخاطر إصابة الأم بسرطانات معينة.
رد منتجو الحليب الصناعي للأطفال على النمو البطيء في مبيعات الحليب المصنع للرضع من خلال منتجات الأطفال الأكبر سنًا؛ أي استهداف مجموعات عمرية تقع خارج معظم التشريعات.
قال غريغ شوشوك، مدير التسويق العالمي في شركة ميد جونسون، للمستثمرين عام 2013، «لدينا نموذج مثبت عالميًا لخلق الطلب (..) تقبض على الرضع في وقت مبكر جدًا، قبل أن يولدوا حتى، وتبقى ممسكًا بهم من خلال عملية الإرضاع الصناعي وتحديات تغذيتهم وتطيل أمدها قدر الإمكان». ودعت الشركة التي تمركزت في الولايات المتحدة إلى أن اشترتها شركة بريطانية عام 2017 هذه الاستراتيجية بالاستحواذ والاحتفاظ والتوسع (Acquisition, Retention, Extension) واختصارها (A-R-E).
لجعل منتجات حليب الأطفال الأكبر سنًا أكثر جاذبية للأهل الذين كانوا في العادة يقدّمون لأطفالهم حليب البقر الأرخص سعرًا بدءًا من عمر سنة، بدأت شركات تصنيع الحليب بإضافة مكملات غذائية مثل DHA، وهو حمض دهني ينتمي لعائلة أوميغا-3 موجود في الأسماك والطحالب، يُزعم أن له فوائد لصحة الدماغ والعين.
ومع ذلك، تبقى هذه الادعاءات غير مثبتة. فقد خلصت دراسات إلى عدم وجود علاقة قاطعة بين تطور الدماغ والبصر لدى الأطفال الرضع ومكملات DHA، وذلك وفقًا لتحليل شمولي أُجري عام 2017 شمل 15 دراسة، ونشره مركز كوكرين، وهو منظمة غير ربحية تدعم المراجعات المنهجية في الأبحاث الصحية. وفي الواقع، يُظهر الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا أداءً أفضل في اختبارات الذكاء.
ومع ذلك استخدمت شركات الحليب الصناعي إضافات مثل الأحماض الدهنية DHA «كصنارة لتوسيع أسهمها السوقية» بحسب بيتر بازي، المدير التنفيذي وأمين الصندوق في شركة مارتيك بيو ساينسيز (Martek Biosciences Corp)، التي تنتج DHA في اجتماع للمحللين عام 2004. «نحن نستهدف فعليًا، كما تعلمون، أكواب حليب الأطفال حول العالم».
نجح التسويق. تجاوز حليب الأطفال تركيبة الرضع في المبيعات العالمية، بحسب المرصد الأوروبي. حيث ارتفعت مبيعات حليب الأطفال بنسبة 25% منذ 2013 إلى ما يقارب 20 مليار دولار. حيث يمكن أن تصل قيمة أقل من غالونين بقليل من حليب الأطفال إلى 30 دولارًا أو أكثر، بالمقارنة مع حوالي أربعة دولارات للغالون من الحليب العادي في الولايات المتحدة.
هناك فائدة أخرى لشعبية المنتج بالنسبة لمنتجي تركيبة الحليب الصناعي: فقد ساعدتهم في التحايل على القوانين المحلية المضادة لتسويق حليب الرضع. فمن خلال استخدام الشعارات المتشابهة والألوان والحروف عبر خطوط المنتج، تمكنت الدعايات القانونية لحليب الأطفال من تشجيع تركيبة الرضع بفعالية أيضًا، حتى في الأماكن التي تخضع فيها لحظر التسويق. وقد أطلق خبراء التغذية والمحامون على هذا التكتيك اسم «الترويج المتبادل».
ارتفعت مبيعات حليب الرضع العادي خلال العقد الماضي حوالي 10% في أنحاء العالم لتصل إلى 15 مليار دولار.
التركيز على الدول النامية
أنجبت جينتانا طفلها الأول عام 2014، وأطلقت عليه وزوجها لقب كابتن تيمنًا بلاعب كرة قدم. أقامت العائلة في إسكان عسكري في لوبورو، وهي مقاطعة تبعد ساعتين إلى الشمال من بانكوك. ولكون زوجها يخدم في الجيش، أخذت جينتانا إجازة طويلة من عملها في خدمة العملاء للاعتناء بوليدها.
أرضعت كابتن إلى حين عودتها إلى العمل بعد إجازة الأمومة ومدتها ثلاثة أشهر. وقد استقر الزوجان على منتج باسم دوميكس، يَعِدُ بتقوية ذهن كابتن وجهازه المناعي وعينيه. يعود المنتج إلى شركة دانون الفرنسية العملاقة، التي تفاخر بأن علامتها التجارية «قد ربت أجيالًا من التايلانديين بكل سعادة».
انضمت ملايين النساء مثل جينتانا إلى قوة العمل في المناطق النامية مثل جنوب شرق آسيا. وقد اعتبرت الشركات الست الكبرى العابرة للقارات والتي تصنع معظم حليب الأطفال، الأمر ازدهارًا لها.
كانت عوائد الاقتصادات النامية مزدوجة بالنسبة لشركة ميد جونسون صاحبة المنتج إنفاميل. «أولًا، الرضاعة الطبيعية في أغلب البلدان لا تلائم النساء المنهمكات كليًا في قوة العمل» كما قال كاسبر جيكوبسون، المدير التنفيذي للشركة في إعلانه التقرير السنوي لعام 2013. «وثانيًا، مع دخول النساء إلى القوة العاملة، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة سريعة في عدد العائلات ذات الدخل المزدوج، والتي يمكنها تحمّل تكلفة المنتجات الغذائية الممتازة والأغلى ثمنًا».
أصبحت تايلاند حينذاك خامس أكبر سوق عالمي لميد جونسون. وباتت أسواق جنوب شرق آسيا أكثر أهميةلصناعة حليب الأطفال من أسواق الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين.
بينما كان العمل يزدهر لاحق النشطاء الصناعة على ممارساتها. فعلى سبيل المثال، اتُهِمَ موظفو ميد جونسون برشوة العاملين الصحيين في المستشفيات الحكومية في الصين كي يوصوا بحليب الشركة للوالدات الجدد؛ إدعاءات حلتها الشركة بتسوية قيمتها 12 مليون دولار عام 2012؛ من دون اعتراف الشركة أو نفيها لمكتشفات المنظمين في الاتفاقية. كذلك واجهت دانون ادعاءات مماثلة من الإعلام الصيني تتعلق بالعلامة التجارية دوميكس التي تناولها كابتن وغاستون. وقد قالت دانون آنذاك بأنها تعترف بمسؤوليتها عن الهفوات وعلقت البرنامج المعني بحسب البي بي سي.
احتفظت الصناعة بعلاقات جيدة مع المؤسسة الطبية في تايلاند أيضًا. تقول سوثيرا أوربيروجكيت، وهي طبيبة أطفال ومدافعة عن الرضاعة الطبيعية، لمجلة بروبوبليكا، بأنها شهدت قبل عقدين شركات حليب الأطفال وهي تعرض على الأطباء والكوادر الطبية رحلات إلى الخارج مقابل منح المرضى عينات مجانية وجمع المعلومات عنهم.
تبنت تايلاند المدونة العالمية عام 1984، ولكن كإجراء تطوعي فقط. وقد قام سروات وغيره عبر السنوات بالدفع نحو تشديد القيود على تسويق حليب الأطفال لكن دون جدوى.
بينما أصبح معدل الإرضاع الطبيعي في تايلاند 12%، بحلول عام 2014، وذلك بحسب واحدة من الإحصائيات، أقنع سروات وزير الصحة بأن يسعى نحو تشريع يمنع تسويق حليب الرضع والأطفال. وقد أراد أن يشتمل القانون الجديد على التطبيق القسري ومعاقبة المخالفين.
أرادت منظمة الصحة العالمية، وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة، بأن تتبع المزيد من البلدان مثل هذه الإجراءات. وقد أطلق موظفوها توصيات جديدة عام 2016، حول إنهاء تشجيع منتجات الحليب للأطفال كما للرضع. يمكن لمثل هذه التوصيات أن تساعد بلدان مثل تايلاند على التخلص من شكاوى الشركات حول الحظر الجديد للتسويق نظريًا. كما سوف تؤكد مصادقة الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية أهمية هذه التوصيات. إلا أن الصحة العامة لم تكن الهم الوحيد عند الإعداد للتصويت.
تدخل الولايات المتحدة على المستوى العالمي
أرعبت جهود منظمة الصحة العالمية صانعي الحليب، الذين انتابهم الذعر من انطلاق جولة جديدة من القضايا المرفوعة على تسويق المنتج، «هذا ما هو على المحك بسبب إجراء جديد تقترحه منظمة الصحة العالمية، دون أي دليل علمي». هذا ما قالته أودري إيريكسون، إحدى الفاعلات ضمن لوبي ميد جونسون لجمهور من النقابات التجارية.
تداعت جماعات من الصناعيين لترتيب اجتماعات مع موظفين رفيعين في واشنطن. وقد أفاد مجلس تغذية الأطفال الرضع في أمريكا المؤيد لهذه الصناعة، في رسالة إلى مسؤول في إدارة الغذاء والدواء عام 2016، «من الواضح أن التداعيات الاقتصادية والتجارية الدولية المحتملة لهذا التوجيه المقترح كبيرة للغاية».
أنفقت شركات ومجموعات تجارية ترتبط بتصنيع الحليب التجاري، بما فيها مختبرات أبوت وشركة نستله، حوالي سبعة ملايين دولار في ذلك العام، في محاولة تحشيد لوبي من مسؤولين أمريكيين للضغط في قضايا منظمة الصحة العالمية، وذلك بعد عقد من الزمن لم تفصح فيه أنشطة الكشف عن الضغط عن أي ذكر للمنظمة على الإطلاق كما تبين إحدى الدراسات.
امتد نشاط جماعات الضغط التابعة لصناعة الحليب الصناعي في مختلف أروقة واشنطن. مارس مجلس تغذية الأطفال الرضع في أمريكا على سبيل المثال، ضغطه على مجلس النواب والكونغرس والممثلية التجارية للولايات المتحدة، إلى جانب وزارات التجارة، والخارجية، والزراعة، والصحة. وقد أثمرت هذه الجهود عن جذب اهتمام قادة من كلا الحزبين، من بينهم رئيس مجلس النواب آنذاك، بول رايان، الذي تواصل مع الرئيس باراك أوباما بشأن هذه القضية، وفقًا لوثائق حصلت عليها بروبوبليكا.
تبنت الممثلية التجارية للولايات المتحدة موقفًا داعمًا لصناعة الحليب الصناعي. «لا تدعم الممثلية التجارية للولايات المتحدة إصدار الإرشادات أو القرار المتعلق بحليب الأطفال الصغار» حول حليب الأطفال، كما كتبت موظفة الممثلية، جينيفر ستراتمان، في بريد إلكتروني إلى موظفين فيدراليين آخرين. وأضافت، بأن مكتبها «لن يكون قادرًا على قبول أي قرار يشجع البلدان الأعضاء في منظمة الصحة العالمية على تحويل أي إرشاد إلى قانون».
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها مكتب الممثل التجاري إلى جانب الصناعة رغم المخاوف المتعلقة بالصحة العامة. ففي عام 2013، وبّخ عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الممثل التجاري بسبب اقتراح يساعد شركات التبغ على استخدام قوانين التجارة لتقويض إجراءات مكافحة التبغ، وهو موقف وصفه المشرعون بأنه «مثير للاشمئزاز وتهديد خطير للصحة العامة العالمية».
تُظهر وثائق داخلية أن مسؤولي مكتب الممثل التجاري شككوا مرارًا في الأسس العلمية المتعلقة بحليب الأطفال الصغار خلال الجدل الدائر حوله، مما أثار مواجهة حادة مع مسؤولي الصحة العامة.
في إحدى المراسلات، اعترضت سالي لينغ، التي كانت حينها محامية في مكتب الممثلية التجارية للولايات المتحدة، على جملة جاءت في الإرشادات تنص على أن تفضيلات الطعام تتكوّن في مرحلة مبكرة من الحياة، بالقول «هذا غير مدعوم بالأدلة».
رفض موظفو الصحة ذلك فضلًا عن غيرهم من موظفي الممثلية، كما اعترضت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها على ذلك بالخط العريض قائلة «لا يجب محوها»، مجادلة بأن لغة القرار الأساسية كانت في الواقع مدعمة بأدلة علمية. إلا أن مثل هذه المواقف بدت وكأنها تتلاشى في الجدال، حيث حذفت هذه الجمل من النص في نهاية المطاف.
في تلك الأثناء، وبينما كانت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية مجتمعة في جنيف للتصويت، كان لوبي الحليب الصناعي على اتصال مباشر ومستمر بمسؤولين أميركيين. وبحسب جيمي كولكر، الذي قاد المفاوضات عن الجانب الأمريكي كسكرتير مساعد في دائرة الصحة والخدمات الإنسانية، «كان مسؤولو الشركات يتواصلون مع المسؤولين الأميركيين وكأنهم على زر الاتصال السريع» مضيفًا أنهم «كانوا يضغطون بقوة من أجل إضعاف قرار منظمة الصحة العالمية».
أقنع الوفد الأمريكي في نهاية الأمر دول منظمة الصحة العالمية بعدم «تبني» توصيات ممثليها. وبدلًا من ذلك صوتت الهيئة بأنها فقط «ترحب بتقدير» بالإرشاد، مستخدمة لغة قوضت من فائدته. وبذلك ترك القرار الذي افتقر إلى ثقل التبني الرسمي، العديد من الدول في حيرة ما إذا كان سيساعد على تحييد الشكاوى التجارية.
بات التأثير العملي لصيغة القرار الضعيفة واضحًا خلال شهور، عندما اتهمت الولايات المتحدة وغيرها من منتجي الألبان ومشتقاتها مثل أستراليا وكندا، تايلاند بمحاولة إعاقة التجارة بمنعها للتسويق. جادل المسوؤلون التايلانديون بأن «دولتهم في حاجة ماسة إلى التنظيم قائلين إن «تسويق مبيعات» حليب الأطفال للرضع والأطفال قد أسهم في تدني مستوى الإرضاع الطبيعي في البلاد. ولكن عند استشهادها بدليل وقرار منظمة الصحة العالمية لدعم موقفها لدى المنظمة، ردت الولايات المتحدة بأن هذه الإجراءات لم ترق إلى المعايير العالمية.
عندما صادقت أخيرًا الجمعية التشريعية الوطنية في تايلاند على إجراءاتها بخصوص تسويق حليب الأطفال في نيسان 2017، فإن البنود التي اعترضت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى جانب بعض الأطباء التايلانديين والمتعاونين مع اللوبي الصناعي بصخب، خففت أو شطبت كليًا. فقد منع القانون تسويق حليب الأطفال ومنع التسويق المشترك المتبادل، إلا أنه سمح بالدعاية للمنتجات المقدمة للأعمار من سنة إلى ثلاث سنوات.
وقد دعت الولايات المتحدة في اجتماع منظمة الصحة العالمية في حزيران 2017 هذه التغييرات «بالتعديلات المرحب بها».
«مدمنون على الرضاعة»
احتفل سوميت وجينتانا في العام التالي، بولادة غاستون، ابنهما الثاني. وقامت جينتانا بإرضاعه ثلاثة شهور كما فعلت مع ابنها الأول، ثم انتقلت إلى الحليب الصناعي كي تستطيع العودة إلى عملها.
اتبع الزوجان باجتهاد «المراحل» الموصوفة لشركة دوميكس والتي جاءت في علبة حمراء بهيجة. كان الطفل يتحرق للحليب ووالداه يمنحانه المزيد باستمرار لاعتقادهما بكونه صحيًا. ولكن ما إن بلغ الثالثة من العمر حتى وصل إلى قمة وزنه، حوالي 30 كيلوغرامًا؛ أي ما يعادل وزن ولد بعمر تسع سنوات. حيث كان يشرب ست أو سبع زجاجات منه يوميًا، تحتوي كل منها على 360 مليلتر من حليب الأطفال.
لم تشعر جينتانا بالقلق بداية بينما كان غاستون يتضخم. ذلك أن شقيقه كابتن كان ضخمًا أيضًا (27 كيلوغرامًا تقريبًا) عندما كان في سنه. ولكن عندما التحق غاستون بالمدرسة بعد انتهاء الجائحة، اعترى القلق معلميه. فقد شاهدوا وصول آخرين «مدمنين على الرضاعة» كما يصوغها أحدهم. إلا أن الوزن قد أعاق حركة غاستون، بحسب معلمته: «كان يتحرك ببطء وأقل نشاطًا بالمقارنة مع أقرانه».
دفعت مخاوف معلمته من صعوبة حركته والديه إلى عرضه على الطبيب، الذي أجرى له فحوصات لخلل الهرمونات والسكري. لكن الفحوصات كانت سلبية. خفف الوالدان من المقالي والحلويات والوجبات الخفيفة التي كان غاستون يتناولها. بيد أن التغيير الأكبر الذي قام به الوالدان تمثل في إلغاء حليب الأطفال من غذائه. وقد أعطته المدرسة حليب البقر بدلًا من ذلك، بالتوازي مع باقي الأولاد. بدأ وزن غاستون الزائد بالاختفاء. وتعتقد جينتانا بالنظر إلى الماضي، أن زيادة وزنه «نتجت عن حليب الأطفال».
واليوم بسن السادسة، يزن غاستون 16 كيلوغرامًا، أي حوالي نصف ما كان يزنه في ذروة تناوله لدومكس. وقد أصبح أكثر انطلاقًا في المدرسة، كما تقول جينتانا، ويلعب كرة القدم مع أخيه الأكبر يوميًا.
عن موقع : حبر
