عندما ترشح سلطان مغربي لشغل عرش إسبانيا

العرائش نيوز:

حسين المجدوبي

هناك أحداث في تاريخ المغرب وعلاقاته الخارجية تبدو غريبة وغير معروفة، ومنها عندما قرر السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي غزو الأراضي الأمريكية، أو لماذا كان المغرب أول دولة في التاريخ اعترفت بالولايات المتحدة. وهذا يعود إلى ضعف البحث التاريخي في مثل هذه المواضيع وغياب الوثيقة التاريخية، لاسيما في دولة مثل المغرب كان التأريخ فيها ضعيفا. ومن ضمن هذه الأحداث التاريخية الغريبة، نجد حدث تقديم سلطان المغرب محمد بن عبد الرحمن ترشيحه لشغل عرش إسبانيا سنة 1870، في مبادرة لاستعادة أجواء سلاطين الأندلس في القرون الوسطى.
وهكذا، كانت إسبانيا تعيش في أواخر الستينيات من القرن التاسع عشر أزمة على مستوى المؤسسة الملكية، فقد شهدت ما بين 19 و27 سبتمبر/أيلول من سنة 1868 انتفاضة سياسية كبرى، جمعت الأحزاب السياسية وحركات المثقفين والجيش في مواجهة الملكة إيزابيلا الثانية، هذه الأخيرة التي تنازلت مضطرة عن العرش وغادرت إسبانيا نحو فرنسا، وتولت حكومة مؤقتة تسيير البلاد. رفض البرلمان إعلان الجمهورية وصادق على استمرار الملكية، وسقطت إسبانيا في مأزق حقيقي، لأن لا أحد أراد شغل منصب الملك في وقت كان يريد فيه البرلمان تجريد من سيتولى العرش من غالبية التقاليد الملكية، وتحويله إلى مجرد موظف بسيط على رأسه التاج فقط.

ومثل الترشيح للمناصب السياسية والوظائف الكبرى، أعلنت الحكومة المؤقتة باب الترشح لمنصب ملك إسبانيا، وهي سابقة في تاريخ الملكيات الأوروبية. ووضعت ضمن الشروط ألا يكون من عائلة بوربون، التي انتمت إليها إيزابيلا الثانية التي جرى طردها. تقدم عدد من المرشحين من العائلات الملكية في أوروبا، ويبقى المثير في هذا الحدث التاريخي هو تلقي الحكومة المؤقتة في إسبانيا سنة 1869، عندما كان منصب الملك شاغرا ويجري البحث عن مرشح، طلبا قدمه سلطان المغرب وقتها سيدي محمد بن عبد الرحمن المعروف بـ»محمد الرابع»، الجد الثاني للملك محمد الخامس والثالث للملك محمد السادس، لشغل منصب الملك. لم يكن محمد بن عبد الرحمن الملك المرشح الوحيد، فقد أراد تيار في إسبانيا تعيين ملك البرتغال وقتها لويس الأول ملكا على إسبانيا وإنشاء «المملكة الإيبيرية». تفاجأت حكومة مدريد وقتها من الترشيح الغريب والمرشح الغريب. وتسلح السلطان بأطروحة مثيرة للإعجاب لتعزيز ترشيحه ومفادها أنه كسلطان سيجمع بين ضفتي مضيق جبل طارق في ملكية واحدة، ليسود السلام بدل الحروب، وكان البلدان قد دخلا في حرب تطوان الشهيرة سنة 1859-1860، ووقعت قبلها حروب وستقع بعدها حروب. واعتبر أن حكم سلطان من الأراضي المغربية للأراضي الإسبانية ليس غريبا عن التاريخ، فقد حكم سلاطين من أصول مغربية الأراضي الإسبانية، انطلاقا من المغرب مثل حالة يوسف بن تاشفين وشهدت إسبانيا إمارات إسلامية، خاصة في منطقة الأندلس في القرون الوسطى. وجرى النظر في طلب المرشح، ولكنه لم يتجاوز المرحلة الأولى وهي التوصل بالطلب والاطلاع عليه والرفض المباشر. لماذا جرى الرفض؟ كان العائق دينيا، إسبانيا دولة مسيحية والسلطان مسلم، كما لا يمكن لأي مرشح الجمع بين عرشين. كما أن الجيش الإسباني كان من الصعب أن يقبل بمثل هذا الترشيح، لأن مجد الدول وقتها كان هو التوسع في الخارج، والمغرب كان هدفا للجيش. ورفضت إسبانيا بضغط من فرنسا المرشح الألماني الأمير ليوبولدو دي هوهنتسولرن – زيغمارينغن الذي رشحه بسمارك.
اهتمت الحكومة المؤقتة بالمرشحين المسيحيين، وسيقع الاختيار على الأمير أماديو دي سابويا من إيطاليا، والذي شغل المنصب ابتداء من 1871 وقدم استقالته سنة 1873 لأنه وجد نفسه دمية في يد السياسيين، وتولى شؤون البلاد مجلس برئاسة سيرانو وفي ديسمبر/كانون الأول 1874 ستعود الملكية إلى إسبانيا ممثلة في ألفونسو 12 من عائلة بوربون الحاكمة حتى الآن، وستنتهي الجمهورية الأولى. ومن مفارقات القدر أن السلطان المغربي الذي أراد تولي عرش إسبانيا، سيجد العرش الذي كان يشغله، وقد أصبح بعد مرور أربعين سنة تحت وصاية العرش الإسباني والفرنسي، لأن أحفاده من السلاطين مثل المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ فرطا في وحدة البلاد بسبب اللهو وملذات الحياة على حساب شؤون الأمة. ونعني هنا سقوط المغرب تحت الاستعمار الفرنسي والإسباني سنة 1912، وتولت مدريد استعمار شمال المغرب، وانفردت فرنسا بباقي البلاد.
واستمرت هذه الفكرة المتحورة بين الجمع بين ضفتي مضيق جبل طارق في دولة واحدة مستمرة، فأصولها دينية سواء في عهد الوجود الإسلامي، أو في وصايا إيزابيلا الكاثوليكية، التي أوصت القادة الإسبان بضرورة استعمار المغرب وهو ما نفذه أحفادها. وحضرت بشكل حضاري في أطروحة بلاس إنفانتي المفكر الأندلسي، الذي طرح في عشرينيات القرن الماضي الجمع بين ضفتي مضيق جبل طارق في دولة تستند وتستلهم من التراث الحضاري الأندلسي، ونادى بتأسيس فيدرالية بين البلدين باسم «الفيدرالية المغربية – الأندلسية»، وكان جريئا في أطروحته لأنها أرادت إلغاء الطابع العسكري عن الاستعمار، وتزامنت وسقوط المغرب تحت الاستعمار الإسباني والفرنسي، وكانت الكنيسة وضباط الجيش المحافظين يعتقدون أنهم باستعمار شمال المغرب قد نفذوا وصية إيزابيلا الكاثوليكية
من مفارقات التاريخ أن حالة السلطان محمد بن عبد الرحمن ستتكرر بطريقة غير مباشرة بعد مرور 80 سنة، فقد كان الجنرال أمزيان ضمن الأعلى رتبة عسكرية في مجموعة ضباط الجيش الإسباني، وكان الحاكم العسكري في مناطق مثل جزر الكناري في المحيط الأطلسي، وفي غاليسيا شمال غرب إسبانيا. وفي حالة ما إذا كان قد تعرض رئيس الجمهورية وقتها الجنرال فرانسيسكو فرانكو إلى الاغتيال، وكان هدفا لليسار وقوميي الباسك، كان الجنرال أمزيان من ضمن أبرز المرشحين لخلافته. أمزيان سيعود الى المغرب بعد الاستقلال وسيتولى وزارة الدفاع وسيكون الماريشال الوحيد في تاريخ البلاد.
حلم الربط بين الضفتين تحقق حتى على المستوى السياسي والعسكري عندما غزت ساكنة الضفة الجنوبية بقيادة طارق بن زياد الضفة الشمالية لقرون طويلة، وجاء في الاتجاه المعاكس بغزو الضفة الشمالية لبعض الثغور في الجنوبية ابتداء من احتلال سبتة سنة 1415، وصولا إلى استعمار شمال المغرب ما بين 1912 الى 1956. ولكن الربط الحقيقي بين الضفتين، ينبغي ألا ينهل من السياسي -العسكري، بل يجب أن يكون ثقافيا واقتصاديا، ولنا في بلاس إنفانتي في طرحه الفيدرالية المغربية – الأندلسية المرجع الفكري والحضاري، وأن يتبلور في مشروع الربط القاري بين الضفتين عبر جسر أو نفق، الحلم الذي تأخر تنفيذه كثيرا.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.