العرائش نيوز:
بقلم: أم البنين
أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه أطباء وممرضون يرقصون على أنغام الموسيقى الشعبية داخل غرفة العمليات، موجة من الجدل والنقاش. وبينما سارعت بعض الصفحات والجرائد الإلكترونية إلى مهاجمة الطاقم الطبي، مُطالبة بفتح تحقيق بدعوى “عدم احترام قدسية المكان”، يرى كثيرون أن ردود الفعل هذه تنم عن مبالغة غير مبررة، وتغفل السياق الحقيقي لما بات يُعرف علميًا باسم “العلاج بالموسيقى”.
الفيديو، الذي نُشر بشكل واسع، وثّق لحظة استثنائية من الانسجام بين أفراد الطاقم الطبي، في محاولة لكسر التوتر وبث أجواء إيجابية داخل غرفة العمليات.
لا أخفي دهشتي وأنا أتابع موجة الانتقادات التي رافقت انتشار هذا المقطع الذي يوثق لحظة رقص عفوية لأطباء وممرضين داخل غرفة العمليات على إيقاع الموسيقى الشعبية، إذ في نظري، ما جرى لا يستدعي كل هذا الهجوم، بل يستحق فهمًا أعمق وسياقًا أوسع.
مدفوعةً بالفضول والرغبة في الفهم، قررت أن أبحث بنفسي في عدد من المواقع الموثوقة لأعرف ما إذا كان تشغيل الموسيقى في غرف العمليات ممارسة شائعة أم لا. وتبين لي، من خلال ما قرأته في تقارير ودراسات منشورة، أن الموضوع أبعد ما يكون عن “الفضيحة”، بل هو ممارسة طبية معترف بها في مستشفيات كبرى حول العالم.
ففي المستشفى الجامعي في ويلز مثلًا، نُشرت دراسة موسعة حول دور الموسيقى في غرف العمليات، خلُصت إلى أن تشغيل الموسيقى لا يُحسّن فقط الحالة النفسية للمريض، بل يُساهم أيضًا في تعزيز تركيز الطاقم الجراحي، وتقليل حاجته إلى المهدئات، فضلًا عن تحسين سرعة ودقة الأداء، خاصة في الجراحات التنظيرية.
وقد أظهرت الدراسة أن المرضى لم يُبدوا أي اعتراض على تشغيل الموسيقى أثناء الجراحة، بل أكدوا أنها ساعدتهم على التخفيف من التوتر والشعور بالأمان. الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الموسيقى الأقرب لإيقاع نبض القلب، كالموسيقى الكلاسيكية، تُعد من أكثر الأنواع فعالية. لكنني أعتقد، وبما أنني أتحدث عن واقع مغربي، أن الموسيقى الشعبية المغربية قادرة هي الأخرى على أداء نفس الدور، لأنها ترتبط بالوجدان والذاكرة الجماعية، وقد تُشعر المريض والأطباء معًا ببعض الدفء في لحظة شديدة التوتر.
صحيح أن بعض أطباء التخدير، مثل أولئك في مستشفى تريملّي بزيورخ، أعربوا عن مخاوف من أن تُغطي الموسيقى على إشارات الإنذار أو أصوات المعدات الطبية، لكن هذا لا يُلغي حقيقة أن أغلب المراكز الصحية باتت تعتمد هذه الممارسة بضوابط محددة، يمكن الالتزام بها دون المساس بجوهر العملية الطبية.
أفهم أن البعض قد يتوجس من خلط الجدي بالمرح، أو يرى في لحظة رقص داخل غرفة العمليات خفة غير مبررة، لكن يجب أن نُفرق بين التهاون في المسؤولية، وبين لحظة إنسانية صادقة لكسر الضغط وتحقيق توازن نفسي ضروري في مهنة لا تعرف الهدنة.
إن الهجوم الذي شُن على أولئك الأطباء والممرضين، لم يكن عادلاً في رأيي. بل يكشف عن تمسك مُبالغ فيه بصورة تقليدية للطب، تُقصي الإنسان وتُحاصر العاطفة. فالمشهد الذي أثار استهجان البعض، لا يخرج عن إطار تجربة إنسانية حقيقية تُعيد الاعتبار للعلاقة بين الجسد والنفس داخل بيئة طبية تُعرف تقليديًا بالصرامة. والموسيقى، كما تقول الحكمة، لا تُداوي الأجساد فحسب، بل تُهَدّئ الأرواح أيضًا.
الذين سارعوا إلى الإدانة، تجاهلوا أن هذا النوع من اللحظات قد يكون ضرورة إنسانية ونفسية في بيئة تُعرف بضغطها العالي وطابعها المتوتر. هل من العيب أن يحاول فريق طبي، يواجه يوميًا حياةً وموتًا، أن يُدخل لحظات من الدفء الإنساني على عمله؟ وهل أصبح الرقص على نغمة شعبية مغربية، تُعبّر عن الثقافة والهوية، سببًا في تجريم من يُنقذون الأرواح؟
شخصيًا، أرى أن ما حدث يعكس جانبًا إنسانيًا مهمًا في الممارسة الطبية المعاصرة. فالموسيقى لم تعد مجرد خلفية ترفيهية، بل أصبحت أداة فعالة، معترف بها علميًا، لتحسين الأداء المهني وتقليل الضغط النفسي داخل غرف العمليات.
أما في الحالة المغربية، فقد تكون الموسيقى الشعبية ذات الطابع الوجداني والإيقاع الحي، أكثر تأثيرًا في بث الطمأنينة، لكونها قريبة من الذاكرة الجماعية للمواطنين، بما فيهم الأطر الطبية والمرضى على حد سواء.
وأدرجُ هنا مقاطع فيديو موثقة من مستشفيات أجنبية في أوروبا وأمريكا، تُظهر مشاهد مماثلة لأطقم طبية ترقص أو تغني أثناء أداء مهامها داخل غرف العمليات، في لحظات إنسانية صادقة، لم تُقابل بالتجريم، بل أُشيد بها كجزء من تعزيز بيئة العمل الصحية.
