العرائش نيوز:
استعدادًا للموجة القادمة: بركة يكشف عن خطة طموحة بـ 155 سدًا لتحصين المغرب من الفيضانات
تحت وطأة ذكريات سيول يناير وفبراير التي هزت شمال المملكة، كشف عزيز بركة، وزير التجهيز والماء، عن استراتيجية وطنية ضخمة للتحصين ضد الفيضانات، مؤكداً أن “وحدة القرار” كانت الحصن المنيع الذي حمى البلاد من سيناريو كارثي محقق على مستوى سد وادي المخازن.
في تصريحات على هامش يوم إعلامي حول “البرامج التوقعية لصفقات البناء والأشغال العمومية برسم سنة 2026″، مساء الثلاثاء، أوضح الوزير أن الأيام العاصفة التي شهدها المغرب مطلع العام الجاري كانت بمثابة اختبار حقيقي لصلابة المنظومة المائية الوطنية. فقد بلغت المتغيرات المناخية حدًا غير مسبوق، حيث تشير البيانات إلى أن تدفقات المياه بلغت ذروتها عند 3,200 متر مكعب في الثانية في حوض اللوكوس، وهو رقم قياسي لم تشهده المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي .
وبركة، الذي كان يتحدث أمام نخبة من الفاعلين في القطاع، أرجع النجاح في تجاوز المحنة إلى التنسيق المحكم، مشيرًا إلى أن “وحدة القرار” التي طبقت خلال الأزمة حالت دون انهيار المنظومة الدفاعية عن مدينة القصر الكبير. وكشف عن أن السدود استقبلت طوفانًا هائلاً بلغ 12.17 مليار متر مكعب من المياه منذ سبتمبر الماضي، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف ما تم تسجيله في العام الذي سبقه، مما استدعى إجراء عمليات تصريف مائي دقيقة بلغت في بعض الأيام 800 متر مكعب في الثانية للحفاظ على سلامة البنية التحتية .
“تفر”: طوق النجاة المنتظر
لكن نظرة الوزير لم تكن لتتوقف عند حدود إدارة الأزمة الماضية، بل تجاوزتها نحو استشراف المستقبل. ففي إقرار ضمني بأن التغيرات المناخية ستجلب المزيد من التطرف، أكد بركة أن “تفادي السيناريو نفسه مستقبلاً سوف يتعين إطلاق سد ‘تفر'”.
وهذا المشروع، الذي وصفه بأنه سيكون “الأكبر في حوض اللوكوس”، ليس مجرد منشأة خرسانية، بل هو حصن منيع بامتياز. وبحسب مصادر مطلعة، فإن السد الجديد، الذي يواجه تحديات تتعلق باستملاك الأراضي في إقليم وزان، صُمم ليحمل قدرة تخزينية هائلة تصل إلى 900 مليون متر مكعب، وهو ما من شأنه أن يمسح بشكل شبه كامل مخاطر الفيضانات المتكررة التي تهدد مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة .
ثورة السدود الصغيرة: 155 سدًا في سنوات قليلة
في جزء آخر من رؤيته، كشف الوزير بركة عن نطاق أوسع وغير مسبوق من التجهيزات، معلنًا عن “إطلاق برنامج لإنجاز 155 سدا صغيرا وتليا بشراكة مع وزارة الداخلية”. وأضاف قائلاً: “هذا العدد سوف يعادل ما تم إنجازه على مستوى السدود بشكل عام منذ الاستقلال إلى اليوم”.
هذه المقارنة المذهلة تعكس تحولاً جذريًا في الاستراتيجية المائية للمملكة. فبينما كانت العقود الماضية تركز على السدود الكبرى، فإن هذه الخطة الجديدة تهدف إلى نشر شبكة واسعة من السدود الصغيرة في عمق المجاري المائية لالتقاط المياه أينما تساقطت، وحماية القرى والمداشر من السيول المفاجئة، وتعزيز المخزون المائي المحلي في وجه الجفاف .
حرب ضد الطمي والملح
لم يغفل الوزير الجانب المتعلق بصيانة ما تم بناؤه، ففي إطار موازٍ، وقّع المغرب اتفاقيات شراكة استراتيجية مع الوكالة الوطنية للمياه والغابات لمكافحة أخطر عدو يواجه السدود: الطمي والانهيارات الترابية. فالتآكل الذي تجرفه مياه الأمطار من أحواض المنبع يهدد بتقليص العمر الافتراضي للسدود، وهذه الشراكة الجديدة تهدف إلى معالجة المشكلة من جذورها عبر تأهيل الغطاء النباتي والتدخل في مجاري الأودية .
وفي خط موازٍ لتعزيز الموارد السطحية، يواصل المغرب سباقه مع الزمن في تحلية مياه البحر لضمان الأمن المائي مستقبلاً، في ظل سياق عالمي يشهد تقلبات حادة بين فترات جفاف حادة وأمطار طوفانية لا تبني سدودًا، بل تختبرها .
