حين تُهدم الصومعة أو في سيميائيات السلطة وحدود المشروعية القانونية

العرائش نيوز:

-مصطفى المنوزي

لا يختزل مشهد هدم صومعة باب مراكش في كونه تدخلًا تقنيًا لمعالجة بناية متداعية، بل يتجاوز ذلك ليغدو واقعة دالة في نظام العلامات الذي يؤطر علاقة السلطة بالذاكرة. فالجرافة، في هذا السياق، ليست مجرد أداة، بل هي علامة على نمط من التدبير يختزل المجال في وظيفته المادية، ويُقصي حمولته الرمزية والتاريخية. أما الصومعة، فليست حجرًا مهددًا بالسقوط فحسب، بل هي تمفصل سيميائي لذاكرة حضرية، تختزن سرديات الانتماء والاستمرارية.
من هنا ، فإن الفعل الموثق بالصورة يُنتج دلالة مزدوجة: دلالة ظاهرة تبرر التدخل بمنطق السلامة، ودلالة عميقة تكشف عن اختلال في توازن العلاقة بين “حماية الأرواح” و“صون الذاكرة”. وهو اختلال يعكس، سوسيولوجيًا، هيمنة عقل تدبيري تقني على حساب أفق تشاركي تداولي يفترض إشراك الفاعلين الثقافيين والحقوقيين في اتخاذ القرار.
من الناحية القانونية، يطرح هذا التدخل سؤال المشروعية الإجرائية في ضوء القانون رقم 94.12 المتعلق بالبنايات الآيلة للسقوط وتأهيل المآثر التاريخية والتجديد الحضري . فهذا النص، وإن كان يجيز الهدم في حالات الضرورة القصوى، فإنه يؤطره بجملة من الضمانات:
– ضرورة الخبرة التقنية المستقلة، اعتماد مبدأ التدرج (التدعيم، الترميم، ثم الهدم كملاذ أخير)، وتعليل القرار الإداري بما يكفل رقابته قضائيًا ومجتمعيًا.
وعليه، فإن أي انزياح عن هذا التدرج يُحوّل الهدم من إجراء وقائي إلى فعل قد يندرج ضمن الشطط في استعمال السلطة، خاصة إذا مسّ بناية ذات حمولة تراثية دون استنفاد بدائل الحماية أو إشراك الجهات المختصة في التراث. هنا لا يتعلق الأمر فقط بخرق مسطري، بل بمساس بحق جماعي في الذاكرة، باعتباره امتدادًا للحقوق الثقافية التي أضحت جزءًا من المنظومة الحقوقية المعاصرة.
إن ما تكشفه هذه الواقعة، في عمقها، هو غياب حوكمة مندمجة للذاكرة العمرانية، حيث يتم الفصل تعسفًا بين ما هو تقني وما هو رمزي، وبين ما هو آني وما هو تاريخي. وهو فصل يُفضي إلى إنتاج قرارات سريعة، لكنها فاقدة للشرعية التداولية، لأنها لا تمر عبر نقاش عمومي ولا تستند إلى تعليل شفاف.
لذلك، فإن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على مساءلة واقعة بعينها، بل يتجاوزها نحو إعادة بناء إطار مرجعي يؤسس لـ:
إلزامية التعليل المعزز لكل قرار يمس مرفقًا تراثيًا
إدماج الخبرة التاريخية والسيميائية ضمن الخبرة التقنية
إرساء آليات تشاركية تضمن التوازن بين متطلبات السلامة وحقوق الذاكرة
فما يُهدم في مثل هذه اللحظات ليس فقط جزءًا من عمران، بل جزء من المعنى. وحين تُختزل الذاكرة في كلفة مالية أو خطر هندسي، فإننا نكون بصدد انتقال صامت من دولة القانون إلى دولة القرار، ومن حماية التراث إلى تدبير النسيان.

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.