العرائش نيوز:
بورصة تتحكم فيها “الشكارة” و”القبيلة” وعلاقات من خارج دوائر القرار الحزبي
دخلت الأحزاب السياسية مرحلة ما بعد “التسخينات” الأولية، وتعالت أدخنة حرب جني التزكيات وتحولت المشاورات السابقة للانتخابات التشريعية المرتقبة شتنبر المقبل، إلى مزاد علني على شهادات الترشيح والطرد في شكل صراع محتدم يعكس حجم الرهانات المرتبطة بالوصول إلى المؤسسات المنتخبة، ويكشف في الآن ذاته أعطابا بنيوية في طرق اختيار المرشحين.
كواليس “بيع وشرا” حزبي
حزبيون محليون تحولوا من أطر تنظيمية إلى وسطاء وسماسرة لدى قيادات أحزابهم
رفض حزبي معروف مغادرة مقر حزبه السياسي بالرباط، حتى يعرف أسباب رفض تزكيته، من قبل لجنة أنشئت للغرض نفسه، ومنح التزكية لصاحب مقاولة معروف، رغم أن لا انتماء كان يجمعه بالحزب المعلوم.
وتلقى الحزبي جوابا صادما، عندما قال له قيادي: “واش انت قادر تحط 200 مليون”، فاضطر إلى مغادرة المقر، وهو يردد حسب إفاداته “كون كانت عندي 200 مليون كاع ما نشوف كمامركم الزينة يا البياعة والشراية في التزكيات”.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يشرع بعض السياسيين مبكرا، في ترتيبات “البيع والشرا” في التزكيات، حتى يحجزوا لمن يدفع أكثر ورقة الترشح في الدوائر الانتخابية، التي تعرف منافسة شديدة بين المترشحين، الذين ينتمون إلى الحزب نفسه.
وكشفت مصادر حزبية مطلعة لـ”الصباح”، أن قياديين حزبيين انخرطوا مبكرا في مساومة مترشحين أثرياء، من أجل تجديد ترشيحهم، مقابل الدفع لهم من تحت الطاولة، وهو ما دفع برلمانيا رفض هذا النوع من “الابتزاز” إلى فضحهم. ويختلف سعر التزكية من دائرة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، ويتراوح سعرها في السوق الانتخابي حاليا ما بين 50 مليونا و200 مليون، تحت غطاء دعم الحزب، واشتداد التنافس بين المترشحين الذين يدخلون في تحد، وهو التحدي الذي يحسمه المال من خلال شراء التزكية.
ويلعب حزبيون على المستوى الإقليمي أو المحلي دور الوسيط، وصلة وصل بين القيادات الحزبية المؤثرة، ذات الصوت المسموع والباحثين عن التزكية بأي ثمن. ودخلت أحزاب سياسية في وقت مبكر، في عملية اختيار مرشحيها ووكلاء لوائحها، بيد أن العملية بدأت تفوح منها روائح فساد وجب فضحها، لاستئصال ورمها الانتخابي الخبيث.
وتجري عمليات “البيع والشرا” والمتاجرة في التزكيات منذ الثمانينات، وتأبى الممارسة نفسها، أن تزول، غير أن مهتمين بالشأن الانتخابي يتوقعون انخفاض منسوبها خلال الانتخابات المقبلة.
وتوقع قيادي حزبي أن تكون عمليات “البيع والشرا” في تزكيات تشريعات 2021 محدودة، وأن يتقلص حجمها، بسبب تطبيق القاسم المشترك على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس عدد المصوتين كما تم إقراره في وقت سابق داخل لجنة الداخلية بمجلس النواب.
ويسعى نافذون وأثرياء ورجال أعمال، إلى شراء تزكية حزب بعينه، ما يجعل الظاهرة مستمرة، ولن تزول بسهولة. وتتكرر “حرب التزكيات” في بلادنا، وإن اختلفت مستوياتها من حزب إلى آخر، وهو ما يفسر، بأن الأحزاب السياسية أضحت تعيش لحظة تدير فيها معادلة معقدة، فمن جهة عليها أن تفكر في كيفية إعمال مبدأ الديمقراطية داخل هياكلها الحزبية، من أجل اختيار مرشحيها، ومن جهة ثانية ترغب في ضمان الفوز بالمقاعد خلال الانتخابات، وهنا تفكر في المرشحين الذين سيجلبون لها أكبر قدر من المقاعد.
“تجارة” انتخابية مقننة
تتحدث معطيات متداولة عن مبالغ مالية كبيرة يتم تداولها بشكل غير مباشر تحت مسميات تنظيمية، مثل “دعم الهياكل المحلية” أو “تمويل الأنشطة الحزبية”، وهي صيغ تثير الكثير من الجدل، وتغذي انطباعا واسعا لدى الرأي العام بوجود “تجارة انتخابية” مقننة، يصعب تتبعها أو إثباتها قانونيا.
هذا الواقع ينعكس سلبا على ثقة المواطنين، الذين يعبرون عن استيائهم من إنفاق أموال ضخمة في السباقات الانتخابية، دون أن يواكبها أثر ملموس على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
فبينما تتصاعد كلفة الترشح، تستمر انتظارات واسعة مرتبطة بالتشغيل، والخدمات الصحية، والتعليم، والسكن اللائق، وهي ملفات يعتبر كثيرون أنها لا تجد طريقها إلى الحل، رغم تعاقب الاستحقاقات.
أمام هذا المشهد، يرتفع النقاش حول ضرورة إعادة توجيه الموارد المالية، التي تصرف في سباق التزكيات والحملات، نحو استثمارات منتجة قادرة على توفير فرص الشغل وتحقيق قيمة مضافة، بما يساهم في تقوية الثقة في العمل السياسي، ويمنح للممارسة الانتخابية بعدها التنموي الحقيقي، بدل اختزالها في سباق نحو المواقع والمصالح.
الصباح : عبد الله الكوزي
